نقد سينمائي

حين يَفرض سؤال الجدوى نفسه.. أفلام تسجيلية قصيرة بمهرجان أيام فلسطين

 

أسماء الغول

أحيانا يخطر على بالك سؤال الجدوى من الحكاية أو الفيلم حين تشاهد تجارب ومشاريع السينما الحديثة، وهو سؤال لا يقلل من قيمة الفيلم بقدر كونه محاولة للدنوّ من مقاربة صاحبه.

وغالبية هذه الأفلام تدور حول فكرة غير نمطية، أو تصوّر فكرة نمطية بطريقة جديدة تماما، وهذا تحدٍ للمخرج والمتلقي معا، فلا يقدم الأول ما يريده أو ينتظره الثاني، ولا يدري الثاني كم المساحة من التأمل والوقت سيعطيها للأول.

لعل خوض مغامرة السهل الممتنع في هكذا أفلام لا تقتصر على صُنّاعها، بل هي مغامرة أيضا للجهة التي تعرضها على الملأ. وحالياً يخوضها مهرجان "أيام فلسطين السينمائية" في عرض قائمة الأفلام التسجيلية والوثائقية القصيرة من الثاني وحتى التاسع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وتضمن الأفلام التالية:

فيلم تسجيلي قصير للمخرجة النرويجية سيري نيبرو بعنوان "مع أبو جمال"

"مع أبو جمال".. صراع البقاء

فيلم تسجيلي قصير للمخرجة النرويجية سيري نيبرو بعنوان "مع أبو جمال"، إذ تقضي المخرجة عدة أيام في بقالة أبو جمال الصغيرة الكائنة بأحد شوارع مدينة رام الله، والتي يبيع فيها الأشياء البسيطة كالبسكويت والسجائر والعصائر، لتخرج لنا بـ36 دقيقة تتابع فيها حركة أبو جمال وكلامه ونومه وذكرياته، دون أن تفتح معه أي حوار متعمد أو تسأله أي سؤال قد يحدد مسار الفيلم درامياً، وعلى ما يبدو أنها أرادت تصوير أيامه تماما، كما هي دون أن يؤثر وجودها ووجود الكاميرا.

يُصور الفيلم على مدار أيام "أبو جمال" منذ أن يفتح بقالته فجرا، وتفاصيل يومه من بيع وحديث مع الزبائن أو زملائه من الباعة في المحال المجاورة، وتجلس المخرجة في نهاية البقالة دون ملل أو شكوى وهي تصور ساعات يومية طويلة، فأحياناً يشرح أبو جمال للزبائن ما الذي تفعله هذه الغريبة هناك، وأحياناً يغطّ في نومه على الكرسي أو يأكل أو يتفقد ألبوم صوره.

فيلم حميمي يجعلك تصل لقناعة أن أي موضوع من الممكن أن يكون فيلما، فالإبداع يكمن في كيفية إخراجه، ومدى صبرك على التقاط ما تريد. هكذا فعلت المخرجة نيبرو حين التقطت كساد القوة الشرائية، وهو ما يعبر عنه أبو جمال في حديثه مع أصدقائه بالقول "رايقة".

كما التقطت ردود الفعل المختلفة على ساعات الإضراب الإجبارية التي تُفرض أحياناً على أصحاب المحال التجارية، والتقطت أيضا حنين أبو جمال إلى أبنائه في أمريكا، وأمله أن يعودوا كي يُؤسسوا مشروعا في المحل، مُتذكرا الأيام التي عاشها مع عائلته قبل أن يتفرقوا.

التحدي أن "أبو جمال" والمخرجة لا يتحدثان لغة بعضهما البعض، كما أنها لا تظهر في الفيلم، لكن قد تسمع صوتها مجيبة على أسئلة الفضوليين ممن يأتون للشراء من المحل، فقد تعمدت أن يدور الفيلم حول أبو جمال وبقالته التي اختارها ليقضي فيها بقية حياته رافضا أن يبيع المحل رغم الإغراءت المادية الكبيرة.

"التشرد".. عن ساكني الشوارع

وعلى النمط ذاته من الصبر ساعات طويلة وبصحبة رجل آخر لكن بشكل عكسي، يقضي المخرج الفلسطيني "أحمد البظ" أياما يتتبع تفاصيل رجل بريطاني اختار أن يعيش في الشارع والغابات خلال معركته للتعافي من إدمان شرب الخمر، ويخسر هذا البريطاني جراء إدمانه الخمر عائلته وعمله، لكنه يقرر أن يعيش خارج الجدران وفي الهواء الطلق مُصرّا على أن لا يكون متشردا أو متسولا، بل يقوم بإعادة بيع المجلات المصورة التي يشتريها بسعر بخس.

وعلى الرغم من أن الفيلم حسّاس وجميل ويتحدث بصراحة عن التجربة وعن اختيار نمط الحياة والهوية التي يريد أن يعيشها هذا النوع من الأشخاص، فإننا نجد المخرج أطلق اسم "هوملِسنِس" أي "التشرد" على الفيلم، وهو الأمر الأسهل والأكثر مباشرة والأقل حساسية في فيلم إبداعي ومختلف مثل هذا الفيلم.

ما يميز فيلم "التشرد" عن غيره من الأفلام التي تتحدث عن ساكني الشوارع؛ هو كون البطولة مطلقة لهذا الرجل، فلا يتبع حالة جماعية، بل يظهر صوته ووجهه وجسده فقط، وتسمع كلماته كأنها شعر أو فلسفة، لكنه يقولها ببساطة ليصف مشاعره وحياته اليومية: "العودة إلى صخب الحياة يشعرني بالحزن"، و"التحول إلى اللامادية كان الإنجاز الأعظم في حياتي"، لقد "جربت أن أعيش بين الجدران وتحت السقف لكنني لم أكن سعيدا كما أنا الآن".

ورغم الاختيار الصعب والمحير لنوعية الحياة التي أرادها هذا البريطاني فإنك تشعر بتمسكه بحياة البشر العادية، حيث لا يزال يحمل هاتفاً وكأنه يُمنّي نفسه بالعودة، كذلك معه "أوراق الوايبس" (الورق المعطر) للتنظيف. وغالباً فإن من وصل إلى قناعاته يعتمد على الطبيعة في كل تلك الاستخدامات الشخصية للنظافة، لكن يبدو أن بطلنا هنا يحن لحياة البشر العاديين.

هذان الفيلمان (مع أبو جمال والتشرد) لا يعبران إلا عن تحدٍ في اختيار المواضيع والشخصيات لمشروع فيلم تسجيلي، فهما ينتميان إلى رؤية المخرج وروحه أكثر من كونهما يقدمان ما يريده المُتلقي الذي قد يملّ من لحظات الصمت الطويلة، وقد لا يصبر كما صبر المخرج على كل تلك التفاصيل لمشاهدتها، لكن ما هو مؤكد أن هذه اللحظات من الصعب أن تغادر الذاكرة، فهي تعبر عن مآلات الحياة والبشر القاسية التي تتسم بالعزلة والوحدة والنسيان، حتى إنك تشعر أن الكاميرا في مثل هذه الأفلام عامل دخيل على هؤلاء، لكن في كل الأحوال لم تكن لتعرفهم لولاها.

فيلم "جميعنا أتينا من هناك" حساس ذكي يبدأ وينتهي في قاعة انتظار عشرات اللاجئين

"جميعنا أتينا من هناك".. حيث الانتظار والهجرة

هذان الفيلمان ليسا وحدهما اللذان ينتميان إلى قائمة الأفلام التي قد تُثير جدلاً حول الرسائل التي تحملها، فهناك فيلم تسجيلي آخر ينتمي إلى النمط ذاته من الانتظار الطويل وتكرار التفاصيل وتتبعها، وهي أفلام سرعان ما تخلق جوّا من الألفة لدى المتلقي، سواء أحبها أم لم يفعل، فلا جديد يطرأ على الأحداث المكررة، بل المتجدد والحيوي هو ما تتركه من انطباعات وتساؤلات متراكمة في عقل المتلقي.

هذا الفيلم التسجيلي الآخر هو فيلم "جميعنا أتينا من هناك" للمخرج الفلسطيني كمال الجعفري، وهو فيلم حساس ذكي يبدأ وينتهي في قاعة انتظار عشرات اللاجئين، حيث يذهبون ويجلسون ويقفون في انتظار تخليص معاملات أوراقهم في واحدة من المدن الألمانية.

هم عبارة عن أرقام لا أسماء ولا حيوات ولا قصص ألم وشوق وحنين، فقط أرقام تنتظر حياة جديدة ومواسم متجددة من الهجرة كأسماك الأنهار الراحلة، لا أحد يتكلم أو يسأل، وكأن الجميع أصبح خبيرا في الانتظار والهجرة.

هذه الأرقام التي تضيء بالأحمر مُعلنة عن دور اللاجئ القادم، حيث يتحكم بها المخرج فيحركها ويضعها على الأرض، ويخرجها من النافذة لتنطلق إلى الأشجار، وكأنها تبحث عن الحرية التي يريدها اللاجئ لكنه لا يجدها في الغربة والهجرة، لنعرف أن هناك أيضا نوعا آخر من السجن الذي لم يكن يتوقعه يوماً، فأن يصبح رقماً هو سجن آخر لكنه أكثر حداثة.

"لقد وقعت على عريضة".. تراجيديا فلسطينية

ويأتي فيلم "لقد وقعت على عريضة" للمخرج مهدي فليفل مختلفا، فهو لا يحوي انتظارا أو نمطا مكررا في السرد، بل هناك صورة خالية من الأشخاص والحوارات ملأها المخرج بحرية ودون خط معين، فأحياناً الصورة من خارج نافذة ما على منازل هادئة دون حركة، أو في داخل مكتب فارغ من الأشخاص، أو بعض الفيديوهات الأرشيفية التاريخية لهجرة الفلسطينيين عام 1948، وزقاق فارغ لواحد من المخيمات الفلسطينية ما عدا قطة سوداء تعبره.

جميعهاً لقطات مغبشة قديمة وباهتة تُعطي إيحاء ببدايات التراجيديا الفلسطينية، ويوازيها صوتٌ هو عبارة عن مكالمة عفوية بين صديقين هما مخرج الفيلم الذي يجري المكالمة من برلين مع صديقه فارس في لندن، حيث يشعر فليفل بما يشبه الندم، ويجلد ذاته لأنه وقّع على عريضة ثقافية تدعو فرقة الروك البريطانية "راديوهيد" إلى إلغاء حفلتها في تل أبيب في يوليو/تموز 2017، ويخشى من عواقب فعلته.

وتنحى المكالمة منحى الكوميديا السوداء، ليتحدث كل من الصديقين اللذين تربيا وحصلا على جنسيات مختلفة عن وطنهما الأصلي فلسطين؛ بشأن منظومة الإنكار العالمية للحقوق الفلسطينية، والتناقضات في العالم المحيط بهما، وما تفعله إسرائيل دون أن تهتم بأي قوانين أو تخاف من عقاب على جرائمها، وهذا الحوار يحدث ببساطة دون شعارات أو تنظير، بل بعبارات بسيطة وحقيقية وشخصية فيها كثير من الحيوية، كما تشبه كثير من الحوارات الدائرة بين فلسطينيي المهجر، بل تُعبّر عن حالة قلق وحيرة مماثلة لما يعيشها الفلسطينيون في أوروبا.

مكالمة لا تزيد عن عشرة دقائق، لكنها تمنحك إشباعَ الفيلم الكامل، فتشعر أن هناك سيناريو وحبكة وأبطالا، بل تعطيك التوقعات وردود الفعل في ذات اللحظة في حوار مُشوّق فيه الكثير من الفكاهة والجدية والمنطق والعفوية.

نقاش قصير لخّص قضية عمرها أكثر من 70 عاما دون تزمت أو راديكالية أو استخفاف أو شعارات، بل ببساطة الحق والمنطق، وفي خلفيتها صور ذكية تشبه فترة الثمانينيات، وهو العقد الذي بدأت فيه فرقة "راديوهيد" وبلغة إنجليزية توحي بأن المتحدثَين ذاتهما من نجوم فرقة روك آند رول.

ربما لم يقصد المخرج أن يُعطي جميع هذه الإيحاءات عن فيلمه، لكنه نجح أن يصنع فيلماً صغيراً يعيش ليترك أثرا كبيرا ويعيش طويلاً، بل أبعد من ذلك، وكأن الفيلم يتحدث عن الحكاية الأولى لكل شيء يخص النضال الفلسطيني.

إنه فيلم بديع من الصعب نسيانه، حيث يتضح جلياً فيه ميل المخرج لربط الشخصي بالعام بطريقة فريدة توحي بأن القادم من أفلامه ستكون نجوما في سماء السينما الفلسطينية.