نقد سينمائي

رسائل سرية من البابا يوحنا بولس الثاني

عدنان حسين أحمد

ينتمي فيلم “أسرار القدّيس يوحنا بولص الثاني”، للمخرج البريطاني ريتشارد دينتون، إلى نمط الأفلام الوثائقية الصادمة في ثيمتها، لكن الغرب كدأبه دائمًا، يكشف المستور، ويبوح بالمسكوت عنه، ولا يجد حرجًا في الكلام عن الموضوعات اللامُفكَّر فيها، وعلى الرغم من حسّاسية هذا الفيلم الوثائقي وما ينطوي عليه من أسرار تمسّ شخصية الحَبر الأعظم يوحنا بولص الثاني إلاّ أنّ العقلية الغربية لم تمنعه ولم تضعه في قائمة الأفلام المحظورة على ندرتها، بل وضعتهُ على اليوتيوب لكي يكون مُتاحًا للجميع . . . يروه، ويتمثلوه، ويتأملوا طبيعة هذه العلاقة الإنسانية الشفافة التي نشأت بين الكاردينال كارول جوزيف فويتيوا، الذي سوف يُصبح قداسة البابا يوحنا بولص الثاني لاحقا، وبين الفيلسوفة والكاتبة الأميركية من أصل بولندي آنا تيريزا تمنيسكا.

قداسة البابا مع آنا تيريزا

جدير ذكره أن هذه العلاقة لم تكن الأولى في حياة البابا يوحنا بولص الثاني، وإنما سبقتها علاقته بالمستشارة والطبيبة النفسية والناجية من معسكرات الاعتقال النازي الدكتورة فاندا بولتافيسكا، لكن علاقته الثانية بآنا تيريزا قد انعطفت من فضائها الرسمي العام إلى مسارات خاصة جدًا يمكن أن يتلمّسها المُشاهد من رسائل البابا الحميمة التي بلغت 343 رسالة ومن الصور الفوتوغرافية التي جمعتهما في أويقات المشي، والتزلّج على الجليد، والسباحة، والتجذيف، والتنزّه في الغابات، وإذا ما وضعنا الصور العائلية جانبًا فإن هناك العديد من اللقطات التي يظهر فيها قداسته متشبثًا بمعصم آنا تيريزا، أو مُمسِّدًا لشعرها، أو مُقبِّلاً لوجنتها.

لابد لنا أن نتتبع القصة من أوّلها، فنحن أمام شخصية مقدّسة يجلّها العالَم المسيحي، ويحترمها العالم بأسْره، فشخص من طراز البابا، كما يعتقد الغالبية العظمى من الناس، لابد أن يكرِّس حياته لله سبحانه وتعالى، وأن عليه أن ينتصر على شهواته، ويُميت غرائزه الجنسية! تُرى، هل نجح قداسة البابا يوحنا بولص الثاني في قمع نزواته الإنسانية وكبتها إلى الأبد أم أن هذه الرغبات البشرية قد فلتت من عِقالها لتعبِّر عن نفسها بلغة مُلغزة مُشفّرة تارة، وبكلامٍ صريحٍ واضح تارة أخرى؟

أنا تيريزا تمنيسكا

لم يَغُص مخرج الفيلم ومُنتجِهُ ريتشارد دينتون بالحقبة التي سبقت انتخاب يوحنا بولص الثاني كأول بابا غير إيطالي عام 1978، إلاّ بإشارات ومواقف محدودة تخدم سياق الحكاية السينمائية وتشير إلى سنوات السبعينات حينما كانت بولندا دولة شيوعية بوليسية ملحدة تراقب المواطنين وتتنصت على مكالماتهم الهاتفية، بمن فيهم الكاردينال كارول فويتيوا الذي خضعت رسائلة ومكالماته الهاتفية لمراقبة شديدة، لأنه يشكِّل خطرًا جديًا على النظام الشيوعي في بولندا. وثمة إحالة إلى معرفة آنا تيريزا بكتابه الفلسفي المعنون person and act الذي أعربت عن رغبتها في ترجمته إلى اللغة الإنكليزية، ويبدو أن هذه الرغبة سوف تفتح لكليهما آفاقًا لم تكن في الحُسبان خصوصًا وأنها قد كتبت بعض المقالات النقدية عن رؤيته الفلسفية حيث يجيبها في واحدة من الرسائل بلغة رسمية قائلاً: (السيدة العزيزة المحترمة. شكرًا جزيلاً على مقالة “الأبعاد الثلاثة للفينومينولوجيا”) لكن هذه اللغة الرسمية سوف تتلاشى لاحقًا لتحل محلها لغة حميمة، غير رسمية تستمر لمدة ثلاثين عامًا.

يكتظ هذا الفيلم الوثائقي الذي تبلغ مدته 54 دقيقة باللقطات والمواقف الدرامية المشوِّقة التي تتصاعد رويدًا رويدا، فالمخرج دينتون لا يهدف إلى تقديم المعلومة فحسب وإنما يراهن على الجوانب الدرامية التي تنطوي عليها هذه المعلومات التي تهزّ المتلقي وتحرِّضه على التفكير وإعمال الذهن، خصوصًا وأن هذه المعلومات التي لا يرقى إليها الشكّ صادرة عن شخصيات ثقافية مكرسة بينهم اللاهوتي، والمؤرخ، والخبير، وكاتب السيرة، والصديق، ومنفِّذ الوصية وما إلى ذلك، ومن بين هذه الشخصيات الثقافية المُعتَبرة نذكر مارشا مالينوفسكي، الخبيرة المتخصصة بالمخطوطات النادرة التي تلقّت مكالمة هاتفية تحضّها على السفر إلى نيو هامشاير وتُلقي نظرة على بعض رسائل البابا يوحنا بولص الثاني، الشيء الأول الذي خطر في ذهنها بأنّ هناك خطأً ما وأن الرسائل مزيّفة ولا يمكن أن تكون صحيحة، لكنها ما إن وصلت إلى هناك حتى قتلت الشك باليقين وهي ترى أعدادًا كبيرة من الرسائل الحقيقية الدامغة.

البابا وآنا تيريزا

تحيطنا مارشا علمًا بأن هذه الذخيرة النفيسة من الرسائل والصور قد بيعت إلى المكتبة الوطنية البولندية في وارشو، وأنها مُتاحة فقط للباحثين والدارسين، أي أن القارئ العادي لا يستطيع الوصول إليها، هكذا يتصاعد التشويق شيئًا فشيئًا، وتتفاقم رغبة المُشاهد في التعرّف على مضامين هذه الرسائل التي تتجاوز الحدود الرسمية المُتعارف عليها وربما تكسر عهد العزوبة الذي قطعه البابا على نفسه، تُرى، هل تنطوي رسائل البابا على بعض الإيحاءات والمشاعر الجيّاشة التي لم يستطع كبحها فأخذت طريقها من قلبه وأعماقه إلى الصفحات البيض التي كان يدبِّجها غِبّ اللقاءات التي تجاوزت عدد الرسائل؟ وكالعادة، لابد أن تكون الرسائل الأولى رسمية ومحايدة ففي واحدة من هذه الرسائل يخاطبها كالآتي: “عزيزتي السيدة البروفيسورة. استلمت رسالتك في 12 يوليو، وبسبب غيابي عن كراكوف أُجيبكِ الآن، أنا أقترح أن نلتقي ونتحدث في 29 يوليو”. إذن، كان البابا يتوق للقائها دائمًا، فاللقاء المباشر أشدّ حرارة من المكالمة الهاتفية وأكثر دفئًا من كتابة الرسائل على الرغم من أن هذه الأخيرة توفر له مساحة واسعة للبوح والتعبير عن خلجات الأعماق.

حينما سافر كارول جوزيف فويتيوا إلى روما عام 1974 لحضور مؤتمر للأساقفة أخذ معه حزمة من رسائل آنا تيريزا لكي يجيب عنها بعيدًا عن الأعين المتربصة التي تترصد كل شاردة وواردة، وهنا يخاطبها بحميمية مُجرِّدًا إياها من لقبها الأكاديمي حيث يقول: “عزيزتي تيريزا أنا. أريد أن أجيبك على عدد من رسائلك التي استلمتها في يوليو ولم أرسلها لكِ من قبل لأنني لا أثق بالبريد البولندي”، ثم يضيف: “أنا أقرأها للمرة الثانية لأنها مهمة جدًا وشخصية”، هكذا بدأ الجانب الشخصي لكليهما يتسلل ليزيح الجانب العام خصوصًا حينما يكونا بعيدين عن أعين الرقباء في بولندا، لنقرأ جانبًا من هذه الرسالة التي يقول فيها: “عليّ أن أجيب على الرسالة التي كتبْتِها في 23 يوليو بشكلٍ منفرد لأنها أثرّت عليّ كثيرًا”.

لم يحصل المخرج وكاتب السيناريو إدوارد ستورتِن على موافقة تصوير الرسائل وقراءتها إلاّ بعد جهود مضنية في المراسلات الرسمية لكنهما تمكّنا في خاتمة المطاف من تحقيق هذه المهمة الصعبة التي تقف وراءها شركات إنتاج كبيرة ومحطات تلفازية مهمة مثل البي بي سي  والأي آر تي الفرنسية.

آنا تيريزا أمضت مئات الساعات مع البابا قبل تنصيبه

كانت ترجمة كتاب البابا مناسبة مهمة للقاءات عديدة في روما وبولندا. ولو دققنا في جهود البروفيسورة أنا تيريزا لوجدناها أبعد من نطاق الترجمة فقد ذهبت إلى تمثّل الأراء الفلسفية للبابا وتحليلها وإضفاء لمساتها الخاصة التي وصلت إلى حدود التحريف الذي أضرّ بعنوان الكتاب وبمتنه على حد سواء.

يؤكد جون كرونويل، طالب اللاهوت سابقًا، بأنهم لم يسمحوا لهم سابقًا بأن يتصلوا بالنساء والاختلاط بهنّ لأن الخلوة هي “مناسبة لاقتراف الإثم” بل أن الأعراف الدينية تقتضي خفض النظر عند اللقاء بامرأة.

تتكرر اللقاءات ويزداد وقعها عليه حيث يقول: “كنتُ سعيدًا برؤيتك البارحة. أريد الحديث معكِ غدًا. أنا عائد هذه الظهيرة لنواصل نقاشنا”. تُفسَّر هذه السعادة من قِبل المؤرخ وخبير المخطوطات يوجين. جي. كيسلوك بأن علاقة البابا بآنا تيريزا “تتكون من مستويين: الأول فلسفي، والثاني شخصي عاطفي لأنهما أصبحا قريبين جدًا من بعضهما بعضا”.

ربما يكون الكاتب والصحفي الأميركي كارل بيرنستاين هو الشخص الأكثر جرأة في مواجهة آنا تيريزا حيث فاجأها بالسؤال الصادم:-هل تحبين السيد فويتيوا؟ فأجابت: كلا، لم أقع في حُب الكاردينال، كيف لي أن أقع في حب رجل دين وأنا مُحاطة بشباب وسيمين، فأنا لا أزال أُعتبَر امرأة جميلة”. ثم تمادى قائلاً: أليست هناك مشاعر رومانسية؟ فردت عليه: “هذا السؤال لا أساس له ولا ينطبق عليّ. كيف تسألني مثل هذا السؤال السخيف؟” يبدو أن هذا الانفعال في غير محله لأن الأدلة التي أمامنا تقول بأن السؤال لم يكن سخيفًا أبدًا، وأن الرسائل تؤكد بأنّ أنا تيريزا قد وقعت في حب الكاردينال منذ عام 1975، وهذا ما تصرّ عليه خبيرة المخطوطات النادرة مارشا مالينوفسكي حينما تقول: “الوقوع في حبه أمر مفهوم بالنسبة لي، فقد كان وسيمًا وقويًا واستثنائيًا، كما أنه بولندي، كل هذه الصفات المحببة قد اجتمعت في شخص واحد”.

قداسة البابا بالكُتيفية

لم يطّلع ستورتن على رسائل آنا تيريزا وإنما اطّلع على رسائل البابا فقط ليكون كمن يقرأ رواية ناقصة نصفها مُمزّق، وحينما أتاحت له المكتبة الوطنية في وراشو هذه الإمكانية تكشّفت له الصورة المضببة، ففي عام 1975 في كراكوف، أي بعد سنتين من بوادر العلاقة كتبت له آنا تيريزا ما يمكن تسميته برسالة حُب تخبره بأنها “تريد أن تكون بين يديه، وأن تبقى تشعر بالسعادة، وأنها تعتذر لأنها لم تستطع أن تسيطر على مشاعرها لحد الآن”. ويؤكد ستورتن بأن عبارة “لحد الآن” مهمة جدًا لأنها تعني أنهما قد ناقشا هذا الأمر من قبل. 

يبدو أن الجانب الأصعب في عزوبية البابا ليس الهاجس الإيروسي وإنما الوحدة، وغياب المرأة في حياته، لذلك فإن وجود آنا تيريزا كان يسدّ هذا النقص الكبير في حياته، وأنه من خلال حبه لهذه المرأة فهو يحب الله جل في علاه، انقسم القسس بين مؤيد لهذه الفكرة ورافض لها، بل اشترط العديد من القسس أن على البابا أن يُنهي هذه العلاقة أو ينسحب منها، لكن ما فعله البابا أنه أعطاها شيئًا ثمينًا وهو الكُتيفية Scapular التي سبق لوالده أن أعطاها إياه في العشاء الرباني، وهذه الأيقونة الروحية لا تُقدّر بثمن، كما أنها كانت تُلامس جسد البابا وقد شاهدناه في واحدة من اللقطات الجميلة وهي معلقة في عنقه، نستنتج من هذه الهدية الثمينة درجة الحب الكبيرة التي كان يكنّها البابا لآنا تيريزا حتى اللحظات الأخيرة من حياته.

الكتيفية التي أهداها الباب لتيريزا

كانت آنا تيريز تسافر إلى أوروبا عدة مرات في السنة لتعمل مع الكاردينال على مشروع كتابه الفلسفي، وكانت تذهب معه للتنزّه في الأرياف المجاورة، وأحيانا كان يدعوها لتناول العشاء، وفي عام 1976 قدمت كتابه إلى أميركا وروَّجت له هناك، كما عرّفته، هو شخصيًا، ببعض الكاردينالات الأميركيين الذين سوف يلعبون دورًا في انتخابه لرئاسة البابوية، كما دعته لأن يمكث في منزلها الريفي في قرية بومفرت التابعة لمقاطعة فيرمونت حيث أمضى أوقاتًا سعيدة في التنزه والسباحة والتجذيف حيث رأينا البابا لأول مرة بالـ تي شيرت والبنطال القصير مع آنا تيريزا وحدها أو بصحبة أفراد العائلة كلها بما فيهم الزوج والأطفال الثلاثة، في واحدة من اللقطات سمعنا البابا وهو يغني بصوت جميل وقيل إن هذه الأغنية سجلت عام 1979.

الكاردينال فويتيلا وآنا تيريزا في رحلة تخييم في عام 1978

تعتبر هذه الرحلة مهمة جدًا لأنها كشفت عن الصراع الداخلي الذي كانت تعانيه آنا تيريزا، فهي متزوجة من البروفيسور هندريك هاوتهكر، المستشار الاقتصادي لرئيسي الولايات المتحدة الأميركية نيكسون وجونسون، فهو مستشارهما الاقتصادي في البيت الأبيض، كما أنه قدّم استشارات اقتصادية عديدة للبابا في مناسبات عديدة، وهو لم يصدّق “الأقاويل” التي شاعت عن طبيعة العلاقة بين البابا وزوجته التي ظلت على ذمته إلى أن فارق الحياة.

تكشف آنا تيريزا بأن مشاعرها تتصارع وقد ذكرت ذلك في رسائلها الأخيرة قبل أن يغادر الكاردينال أميركا، لنمعن في قراءة هذه الأسطر: “في رسالتك الأخيرة ذكرت بأنكِ ممزقة الأوصال، ولكنني لم أجد إجابة لهذه الكلمات، أشعر بكِ في كل مكان سواء أكنتِ قريبة أم بعيدة”، الكاردينا كارول فيوتيوا يعتبرها “هدية من الله” وعليه أن يقبل بهذه الهدية العظيمة كما يتضح في رسالة أخرى: “أتذكّر بالضبط عندما قلتِ لي “أنا أنتمي إليك” أنا خائف من هذه الهدية، وأنا أعرف منذ البداية، والآن بشكل أفضل، أن عليّ أن أقبل بهذه الهدية كهدية من السماء”.

آنا تيريزا مع زوجها هندريك

حينما تعرّض البابا في مايو 1981 إلى محاولة اغتيال وأصيب بأربع طلقات في بطنه كانت آنا تيريزا واحدة من القلة النادرة التي سمح لها أن تزوره وتطمئن عليه، وبعد هذه الزيارة بعدة سنوات كتب لها البابا: “شكرًا لزيارتك، إنها تذكرني بزيارتك للمستشفى بعد محاولة الاغتيال، أشكر الله على الثقة المتبادلة.”

في التسعينات بدأت صحة البابا تتدهور حيث شخّص الأطباء إصابته بمرض الرعاش “الباركنسون” ومع ذلك فقد ظل يراسلها ويبعث لها كارتات معتذرًا فيها عن خطّه المشّفر الذي تصعب قراءته، يقول في واحدة من رسائل هذه المرحلة: “عزيزتي ومحبوبتي تيريزا، أنا آسف لأن كتابتي لا تُقرأ، أتساءل ماذ يحدث ماوراء المحيط في بومفريت” ثم يواصل: “أنا أفكر بكِ، وفي خيالي آتي إلى بومفرت كل يوم”.

على الرغم من البرودة التي تخللت علاقتهما بسبب الترجمة التي حرّفت فيها العنوان وبعض أفكار البابا بالطريقة التي تراها مناسبة ولم ترق للمؤسسة الدينية إلا أن المياه قد عادت إلى مجاريها، وصارت آنا تيريزا تظهر مع البابا في مناسبات كثيرة, آما آخر رسالة تلقتها من البابا فكانت قبل وفاته ببضعة أشهر وقد وقعها باسم KW وبعد وفاته عام 2005 لم يعد مرحبًا بها في الفاتيكان.

البابا مع آنا تيريزا

أراد البابا أن ينشر بعض هذه الرسائل وليس كلها لأن فيها “جواهر حقيقة وعمق وجمال”، أما آنا تيريز فقد باعت كل شيء بمبلغ يتراوح بين المليون والعشرة ملايين دولار أميركي كي توفر ضمانًا ماديًا لأسرتها، لكنها لم تعلم أن صورتها قد غُيّبت من المشهد وأُزيلت على الطريقة الروسية التي يُحكّ فيها الشخص من الصور الفوتوغرافية، ومع ذلك فقد وثّقت كل شيء وهي تدرك جيدًا بحدْس الكاتبة والفيلسوفة أن هذه الرسائل والصور لابد أن تجد طريقها إلى النشر في أسرع وقت ممكن.

على الرغم من أنّ العلاقة العاطفية هي الثيمة الرئيسة لهذا الفيلم إلاّ أنّ هناك جوانب كثيرة لا تخلو من أهمية فنية وفكرية وجمالية من بينها الزيارات المتعددة للبابا إلى أميركا وأفريقيا وفرنسا والبرازيل وألمانيا وإنكلترا الأمر الذي منح الفيلم أبعادًا بصرية تكشف عن جمال الطبيعة في البلدان التي زارها، فالمعروف عن البابا يوحنا بولص الثاني أنه زار 129 بلدًا خلال حقبة بابويته وأنه أحبّ قرية بومفرت الأميركية تحديدًا لأنها جمعته بآنا تيريزا ويسّرت له سبل البوح والمحبة والتأمل في “هدية السماء” التي لم يتردد في مخاطبتها بكلمتي “عزيزتي ومحبوبتي” كاسرًا التقاليد البابوية المتعارف عليها.