نقد سينمائي

سبي الإيزيديات.. وثائقياً

عدنان حسين أحمد

تعتبر تجربة المخرج العراقي الكردي مازن شيرابياني من التجارب الإخراجية الناضجة في السينما العراقية على الرغم من صغر سنِّه، فقد أنجز حتى الآن ثمانية أفلام وثائقية وروائية قصيرة يتوفر معظمها على اشتراطات النجاح، والتألق، والصمود أمام تقادم الأعوام.

مازن شيرابياني

ينتقي شيرابياني موضوعات أفلامه بعناية فائقة ويكتبها غالبًا بنفسه، فهو كاتب سيناريو محترف وله باع طويل في هذا المضمار، وقد فاز بالجائزة الأولى في مسابقة يلماز غوني للسيناريو، في الدورة الثامنة لمهرجان لندن للفيلم الكردي، فلاغرابة أن يقترب من سينما المؤلف في تجسيد رؤيته الإخراجية التي تراهن على اللغة البصرية، وعلى الموضوعات الإنسانية الحسّاسة التي تعْلق في ذاكرة المتلقي المحلي والعالمي في آنٍ معا.

يتمحور فيلم "دياب" على قضية سبي النساء الإيزيديات في سنجار من قِبل عصابات "داعش" الإجرامية ولعل اللقطة المُعبِّرة التي ظهرت في مفتتح الفيلم وكان تركيز المخرج واضحًا على التاريخ المدوَّن على "تي شيرت" أحد الصبيان الذي يشير إلى  3/8/2014 وهو يوم أسود في تاريخ الشعب الكردي الإيزيدي بحسب توصيف الضحايا أنفسهم. تلعب هذه اللقطة الاستهلالية الذكية دورًا مهمًا في بناء الفيلم، وفي تعزيز تقنيته البصرية والسردية لأنها تمثل الخُطّاف السردي Narrative Hook الذي يأسر المُشاهد، ويأخذ بتلابيبه، ويضعه في قلب المشكلة التي يعالجها كاتب السيناريو ومخرج الفيلم شيرابياني. ففي هذا اليوم تحديدًا ترك آلاف الإيزيديين منازلهم في سنجار متجهين إلى أعلى قمة في جبلها الذي يحمل الاسم ذاته. لا يخوض الفيلم في هذه التفاصيل لكن المخرج ينتقي منها فكرة سبي الفتيات والنساء الإيزيديات، واغتصابهن، وبيعهن في أسواق النخاسة. ومما يضاعف أهمية هذا الفيلم الذي يوثِّق لهذه الكارثة الإنسانية أن قصته تُروى وتُجسّد بواسطة صبيان وصبايا في عمر الورود حتى أن مخرج العرض المسرحي في القصة السينمائية عمره اثنتا عشرة سنة لا غير، علمًا بأن غالبية الأطفال الذين مثلّوا في العرض المسرحي قد يكونون بعمر مُخرجه دياب Dyab أو أصغر منه قليلاً. وهنا مكمن الخطورة. فالسؤال الذي يعِّن لنا جميعًا مفاده: هل ستترسّخ في أذهان الأطفال وعقولهم الباطنية فكرة السبي والاختطاف والقتل التي رأواها بأم أعينهم، بل وجسّدوها بشكل جيد حينما مثّلوا دور الضحايا المسبيات أو حينما جسدّوا دور الدواعش المجرمين؟

تلعب الإطلالة الأولى لـ "دياب" بوصفه مُخرجًا للقصة السينمائية دورًا مهمًا في تثبيته كأنموذج للطفل الموهوب، والممتلئ نشاطًا بدنيًا، وحيوية إبداعية. فهو أصلاً من سنجار أو " شنگال" باللغة الكردية، لكنه الآن لاجئ في مخيّم "عربت" التابع لمحافظة السليمانية. وقد قام بإنجاز فيلم قصير عن الإيزيديين ومهاجمة داعش لهم وكان يتمنى أن يُعرض هذا الفيلم في الخارج، وهو طموح كبير لهذا الصبي المخرج الذي يريد أن يوصل رسالته البصرية إلى العالم الخارجي، لكنه يطمح في الوقت ذاته أن يعود إلى مدينة سنجار، ويتمنى على داعش أن يُخلي سبيل الأسرى من الفتيات والنساء الإيزيديات البريئات، وأن يوقفوا بيعهن في أسواق الموصل والرقة وغيرهما من المعاقل التي تتحصّن بها عصاباتهم الإجرامية. لعل السؤال الخطير الذي يطرحه "دياب" ببراءة شديدة في هذه الإطلالة هو: هل هناك ديانة (على وجه الأرض) تقبل ببيع الأطفال والنساء ببضعة دولارات؟ ثم يجيبك بصراحة أشدّ: "لا أعتقد أن هناك دينًا يوافق على ذلك أو يقبل بأفعالهم (الشنيعة)؟

ثمة شعار آخر يُشكل خُطافًا بصريًا ثانيًا مفاده "أنقذوا الأسرى المُختطَفات" الذي يعيدنا إلى كارثة 3/8/2014 التي مرّ عليها عام كامل لحظة تصوير الفيلم. وبهذه المناسبة المؤلمة يقدِّم "دياب" عرضه المسرحي الذي يدور حول هذه المحنة ويجسدها على أرض الواقع أمام جمع غفير من المشاهدين وبعض المسؤولين ويتمنى أن تصل رسالته إلى (الوزير)، وهو يقصد من شك السلطة برمتها في إقليم كردستان.

لا شك في أن "دياب" موهوب، وقادر على إدارة جمع كبير من الممثلين غير المحترفين الذين يصل عددهم إلى 30 ممثلاً وممثلة وبإمكانيات بسيطة متواضعة فلاغرابة أن يتحدث عنه والده بمحبة كبيرة أو أن يشيد به بعض المعارف والأصدقاء الذين يتمنون على الجهات الرسمية المسؤولة أن تدعمه كي ينجز مشاريعه السينمائية والمسرحية مهما كبرت أو صغرت. فيكفي أنه مسكون بهاجس الخلق والإبداع الفنيين.

لا يقل الأطفال الآخرون أهمية عن "دياب"، فالصبي الذي جسّد دور قائد مجموعة داعشية انضوى تحت اسم "أبو صكر" ورأيناه كيف يساوم على شراء صبية إيزيدية بثمن بخس جدًا والطريقة المهينة التي اقتادوها وأدخلوها في خيمة مجاورة وهي تصرخ وتستنجد وما من مُجيب.

كلٌ يدلو بدلوه، صغيرًا كان أو كبيرًا. يقول صبي صغير إنّ الدواعش جلبوا لنا الخزي والعار حينما اختطفوا نساءنا، وامرأة شابة تواجه عين الكامير لتشرح لنا، نحن المُشاهدين، الطريقة التي هجمت بها عصابات داعش بعد أن أمطرتهم بقنابل الهاون، وأرعبتهم برصاص القناصين، ولكنها ما أن رأت الأعلام السود حتى انضمت إلى موجات الناس الهاربين الذين يمّموا وجوههم صوب القمم العالية في سلسلة جبال سنجار علّها تنقذهم من الموت الذي يتربص بهم من الجهات الأربع.

لم يقتصر الممثلون الصبيان على تجسيد الأدوار السلبية فقط، وإنما أدى بعضهم دور "وحدات الدفاع الشعبي" YPG التي تقوم بهجوم مضاد علّها تحرر الأسرى المختطفات وتعيدهن إلى أُسَرهن التي لاذت بمخيم "عربت" بانتظار الفرج القريب. من المفيد جدًا ألا يقلِّد الأطفال دور الضحية فقط، فدور المُهاجم الذي يدافع عن أرضه وعِرضه وماله مهم جدًا بالنسبة للصبيان واليافعين الذين يردّون كيد الأعداء، ويصدّون هجماتهم، ويكونون نموذجًا للمقاتلين الشجعان الذين يترفعون عن الصغائر ويضعون ضميرهم وإنسانيتهم نُصب أعينهم.

يضم طاقم الفيلم أطفالاً مثيرين للإعجاب لجهة اهتمامهم بالدراسة، والتعلّم، وتحقيق الأماني المستقبلية، فـ "رزان شامو" التي تريد أن تصبح معلمة وتساعد الأطفال على تعلّم القراءة والكتابة هي نموذج إيجابي يدعو للفخر والاعتزاز وعلى المسؤولين في الإقليم أن يأخذوا خشيتها وقلقها مأخذ الجد وأن يوفروا لها فرصة مواصلة الدراسة التي حُرمت منها بسبب هجمات داعش واحتلالهم لسنجار والقرى المجاورة لها.

لم يفت المخرج شيرابياني أن يستدعي بعض الشخصيات التي تعزز ثيمة الفيلم الوثائقي، الذي سُرد بطريقة روائية، ولعل حضور الناشط الإيزيدي جمال  شيگالي يعتبر الأكثر أهمية لجهة الخطورة التي نبهنا إليها حينما أعرب عن قلقه من كثرة مشاهدة الأطفال اللاجئين لأخبار الحرب، وما تفعله عصابات داعش من قتل ونهب وسلب قد يرسّخ لدى الأطفال هذه الأفكار السوداء، ويثبِّت في تلافيف عقولهم هذه الفظائع الهوجاء التي يمكن لها أن تستفيق وتظهر ذات يوم ليصبحوا قتلة أو لصوصًا أو خارجين على القانون في أقل تقدير.

أشرنا إلى أن الفيلم مبني بطريقة فنية مُمنهجة فلاغرابة أن تتدرج الأفكار شيئًا  فشيئًا، فمن الأسر والسبي ينتقل بنا شيرابياني إلى موضوعة حسّاسة وهي "أسلمة" الإيزيديين أو إجبارهم على التحوّل إلى الدين الإسلامي بالقوة وإلاّ فإنهم سيتعرضون إلى الذبح أو القتل بينما تتعرض الفتيات والنساء إلى الأسر والسبي والبيع والاغتصاب وما إلى ذلك من أعمال وحشية لا تنتمي إلى الدين الإسلامي بصلة. أما الأفكار الدفاعية التي يبثّها بعض الممثلين فإنها تعزز الرأي الآخر الذي يقول بأنهم متشبثون بدينهم الإيزيدي، فأيمن عبدو، الصبي الشاعر يؤكد بما لا يقبل الشك بأنهم لن يتخلوا عن دينهم، وإيمانهم، وقناعتهم الروحية التي جُبلوا عليها. فتاة شابة تتساءل باستغراب شديد: "لماذا يقتلوننا؟ أبسبب ديننا فقط؟ نحن نحب ديننا مثلما هم يحبون دينهم ولكننا لا نقتل أحدًا بسبب دينه." ثم تختم صرختها بالقول: "حتى لو قتلونا جميعًا فلن نتخلى عن ديننا  وإيماننا". بعضهم يذهب أبعد من ذلك فاللاجئ "صلاح حسن" الذي لم يسمع بأية أخبار عن أبيه وأخوته الثلاثة لكنه سمع عن أخبار أمه وشقيقته بأنهما أسيرتان في الرقة السورية يقول بأن "تغيير الدين ذريعة، وحتى لو غيّرنا ديننا فإنهم سوف يقتلوننا أيضًا".

مثلما بدأ الفيلم بشخصية "دياب" المجبولة على الحيوية والإبداع فإنها تنتهي به لنعرف بأن العرض المسرحي الذي قدّمه ينطوي على رسائل متعددة يُراد لها أن تصل إلى الذهنية الداعشية أولاً بأنهم لن يغيّروا ديانتهم، وإيمانهم، وقناعتهم مهما حدث. كما أنهم يحفزون المسؤولين على تقديم أفضل الخدمات لمخيمات اللاجئين التي يغصّ بها إقليم كردستان، ويركزون على ضرورة مواصلة التعليم الذي يمكن أن يخلق مجتمعًا ناجحًا، ومتحضرًا، وقادرًا على مواكبة روح العصر.

طفل لاجئ من سنجار

وعلى الرغم من هذه المحنة الخطيرة التي مرّ بها الإيزيديون الأكراد في 3/8/2014 إلاّ أن أطفال سنجار اللاجئين لا يزالون ينشدون لكردستان أجمل الأغاني ويصفون أرضها الكردية بأنها مصنوعة من الذهب، وأن كردستان جميلة حتى في منافيها ومخيماتها المؤقتة التي تحتضن، رغم ضيق ذات اليد، قراءات شعرية، وأعمالاً مسرحية، وأفلامًا قصيرة تروي قصص حيهم للوطن، وتشبثهم به حتى النفس الأخير.

لابد من الإشادة بدور المصور السينمائي آريان صالح الذي قدّم لنا لقطات أساسية اتسعت لتحتضن المخيم برمته. كما قدّم العديد من اللقطات التعبيرية سواء المقرّبة جدًا التي كشفت أعماق الشخصيات أو اللقطات الدرامية التي أحاطت بهذا الحدث الصادم أو ذاك.

وفي السياق ذاته أبدع زانا صالح في اختيار بعض الأغاني الإيزيدية الفوكلورية التي أمدّت الفيلم بعنصر القوة والجاذبية المكانية التي تفضي بنا إلى البيئة الأصلية للإيزيديين في سنجار والمضارب المجاورة لها.

حصل فيلم "دياب" على جوائز عديدة نذكر منها جائزة مهرجان ليون السينمائي الدولي في فرنسا، وجائزة الجمهور في مهرجان Cheapcuts بلندن، وجائزة الشخصية المميزة في مهرجان عفرين للفيلم القصير بروش آفا في سوريا.