نقد سينمائي

"شبح مداري".. تعايُش الحواف المتضادة في ليالي بروكسل

أمل ممدوح

"غرف السماء لا تسع الوحيد ولا الليل يقدر أن يلمه".. عبارة للكاتب السعودي عبد الله الناصر، فحينما تكون وحيدا تنهشك الذكرى، حتى لا تعرف هل أنت هناك مع من ذهب أم أنك هنا مع من بقي، قد تصبح كائنا شبحيا على حافة الأشياء، لا ينتمي إلى السماء ولا إلى الأرض، زائر ومقيم، يهرب من وطأة الوقت لفمه، يتركه يبتلعه، يلتصق بخيوط متصلة يذوب فيها، ما تبدأ إلا لتنتهي.

وخديجة التي صارت هذا الكائن الشبحي الذي يحيا بين شهقة نهار وزفرة ليل متصلين؛ هي بطلة الفيلم البلجيكي "شبح مداري" (Ghost Tropic) للمخرج "باس ديفوس"، الذي عرض في الدورة الـ72 لمهرجان كان (2019) ضمن أسبوع المخرجين "الكانزان" (Quinzaine).

خديجة في بلجيكا

يبدأ الفيلم بداية متمهلة السرد، موحية بطبيعته التأملية، فلمدة دقائق يَثبت الكادر على حجرة خالية من الأشخاص في منزل بجوار ستارة مسدلة، لا شيء يتغير أو يتحرك سوى الغياب والوقت، نسمع أصوات الشارع الطبيعية خافتة، ولا يتغير إلا إضاءة الغرفة المنعكسة من النافذة، من نهار يتلاشى إلى غسق إلى ليل يشتد ظلامه تدريجيا، لتبدو غرفة شبحية الظلال، يتخلل ذلك تعليق صوتي هامس لامرأة يهيئنا لسرد داخلي يعمل في الأعماق، تهمس فيه عن الوقت الذي يمر وعن الطبقات الرقيقة من الذكريات التي تصنع ما حولنا.

ثم تأتي لقطة الظهور الأول لخديجة، وهي امرأة في منتصف العمر من أصل عربي، عاملة تنظيف ترتدي حجابا، تعيش في بروكسل ببلجيكا المعروفة ببردها الشديد. هذا ما يمكن أن نعرفه في لقطة ظهورها الأولى وما تلاها، ظهور صاحبه الضحك مع زملاء عملها ذوي الجنسيات المختلفة المتحدثين جميعا بالفرنسية، لتكون آخر من يسكت عن الضحك بينهم.

وبمجرد ظهورها تتبعها الكاميرا فترينا إياها أو ترينا ما ترى كسرد ذاتي الزاوية، نتتبعها في حديثها وفي تنظيفها لمبنى عملها الواسع وسط صمت متصل، تبدو ضائعة وسط الأماكن المتسعة عادة، تصور الكاميرا زوايا أماكن خالية حولها في تتابع متكرر من الفوتومونتاج (اختصار أحداث تأخذ زمنا طويلا في لقطات قصيرة) لهذا الفراغ بحركة سلسة هادئة نتتبعها في مشاهد طويلة لا يحدث فيها شيء، ليبدو الزمن زمنا حيا، وذلك أمر مقصود دراميا، فالإحساس بالزمن وتصديره متدرجا أساسي لتبيّن علاقة خديجة به، وذلك ضمن بنية سردية تحتية، لا تحكي حكاية بل تحكي ما وراءها.

تركب خديجة المترو وحدها في نهاية الليل، نتفقد الأماكن الخالية حولها لتكثر المقاعد الخالية

عالم ليلي وتيه للطرف الآخر

تركب خديجة المترو وحدها في نهاية الليل، نتفقد الأماكن الخالية حولها لتكثر المقاعد الخالية التي تلتقطها الكاميرا في عالم شتوي بارد يبدو متسعا خلفها. تنام في عربة المترو في رحلتها الأخيرة لتصبح في طرف المدينة الآخر دون نقود أو وسيلة عودة، ثم تجري محاولة فاترة دون نتيجة بإرسال رسالة صوتية لابنها شارحة الموقف دون أن تطلب شيئا، ليبدو كبرياؤها واضحا، لكنها لا تتلقى ردا فتكمل طريقها سيرا، ليأخذها هذا الخطأ لرحلة في عالم ليلي ربما سعت إليه رغم ما بدا من خطأ، فهي لا تبدو كمن يريد النجاة فعليا رغم محاولات فاترة.

لا نلمح قلقا حقيقيا أو تلهفا للعودة، بل تترك نفسها هائمة كشبح منساقة لما تقابله، تسير في الشوارع بألوان أضوائها المشبعة النابعة من الأشياء المحيطة، نرى انعكاس صورتها وحدها في مرايا أو شاشات، تقابل شخصيات ليلية تندمج في حوارات معهم ويندمجون بعد صمت، فكل منا له عالمه الصامت حتى يجد ما يحفز قطعه، جمل قصيرة من البوح من هذه الشخصيات الليلية حيث الليل محفز له، وهي أيضا ودودة تبعث على الارتياح.

تطل الموسيقى متسربة خافتة قليلة الظهور بينما تعم الأصوات الحية الخافتة لكائنات الليل، تبدو خديجة متلكئة يبتلعها كل ما تراه، تشارك الآخرين مواقفهم؛ عامل، كلب طريق، رجل مشرد..

تحفظ سر من لا تعرفه كالرجل الأفغاني الذي سكن سرا في بيت مهجور، حين همس لها بأن تصمت بإشارة من إصبعه على فمه فكتمت أمره.

تتصادق مع عاملة سوبر ماركت على الطريق الشديدة الهدوء، حتى تثق فيها وتوصلها بسيارتها وتبوح عن حياتها رغم عدم رغبتها المسبقة في الحديث لإنهاكها، فخديجة باعثة على الاطمئنان، نظراتها تبدو متلصصة على كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه، نهِمة للذوبان في أي شيء، حالات ومواقف متعددة تمر بها، تُجسد رغم بساطتها وتلقائيتها مذاق الرحلة والمغامرة في هذه الليلة بروح واقعية سحرية.

تبدو خديجة في تيهها الليلي البارد طيفا هائما يحمل دفئا في داخله

ببغاء وحيد

تبدو خديجة في تيهها الليلي البارد طيفا هائما يحمل دفئا في داخله، لتقابل ذلك حالة الإضاءة الحساسة التي تدمج بين إضاءة الليل الزرقاء بشحوبها البارد وبين أضواء دافئة تميل للاحمرار كحالة مدارية وطرفية يسربها الفيلم، لتمثل عالمها الداخلي مع العالم حولها، مع تطرق ساخر لهذه الحالة الطرفية في الحياة من أقصى طرف إلى أقصى الطرف الآخر، وذلك في حديث أحد الأشخاص معها.

إذ يبوح لها هذا الشخص في شروده عن ضيق ساخر بهدم مبنى ما يشير إليه لإنشاء منتزه مائي مداري أو استوائي بتعبير آخر، فقد صارت الحرارة في هذا البلد البارد سلعة ترويجية، مشيرا بمرارة متهكما من الاستخدامات التجارية للحالة المدارية والاستوائية في جوّهم البارد كحالة من التغير الحاد؛ كالوقت الاستوائي والمرح الاستوائي، ليؤكد هذا الحوار المدلولات المقصودة لكلمة "مداري"، حيث الحياة بين طرفين حادين تثير إحساسا بافتعال الحياة، لا الحياة التي تثير الشجن.

تفصح الصورة والحالة عن نفسها بحوار قليل وحالة تلمح ولا تصرح، فما نعرفه عن خديجة معلومات شحيحة عابرة ضمن سيناريو الفيلم الغني الطبقات، نفهم وحدتها ونشعر بها، نفهم أن زوجها مات منذ عشر سنوات ولديها ابن لا يظهر أبدا وابنة لا تظهر إلا في مشهد تراقبها فيه أمها من بعيد مع أصدقائها وحبيبها، فنفهم أن ثمة علاقة مقطوعة، ربما تمردا على حياة الأم.

نرى ببغاء في قفص كبير متسع، ليروي أحد العمال أنهم كانوا أربعة ببغاوات فمات ثلاثة وبقي وحيدا، ليبدو كأنه معادل درامي لخديجة، لتعكس حالة الفقد وتكمل ما لم يصرح به السيناريو.

نراها تهتم بالوحيدين مثلها إذا مرت بهم في الطريق، كأنما الحياة تكرر صورتها؛ رجل مشرد مريض يوشك على الموت وكلبه يبدو ضائعا، تتساءل عن مصيره، وتذهب لزيارة الرجل في المستشفى في الليلة نفسها متسللة مخترقة مواعيد الزيارة، لكنها تفاجأ بموته.

لا ظهور مباشر لتأثير حجاب خديجة أو أصلها العربي، ولا حالة دفاعية أو موقفا مباشرا

اندماج رغم التباين

لا ظهور مباشر لتأثير حجاب خديجة أو أصلها العربي، ولا حالة دفاعية أو موقفا مباشرا، بل يبدو الحجاب في السرد كما لو كان عابرا يعمل فقط في إحدى طبقاته الداخلية، حيث يركز الفيلم على عالم وشعور هذه الإنسانة الوحيدة، لكن اختلافها البادي عن محيطها بذاته قد يبعث شعورا بالترقب والتشكك أو يوحي بهما، أو أن ثمة ما يتعلق بالحجاب سيحدث، غير أن الوقت يمر دون أي تطرق لذلك.

لكننا نرى خديجة -رغم اندماجها- متعففة ذات كبرياء حين لم تجد نقودا في ماكينة الصرف، تجيب العامل الذي يسألها إن كانت الأمور تسير جيدا، حيث فتح لها المكان بعد إغلاقه تقديرا لظروفها وما حكته ببراءة عن قصتها مع المترو؛ بأن كل شيء على ما يرام، في الوقت الذي نرى تواصلا جيدا بينها وبين الآخرين وكذلك تواصلا جيدا منهم معها، دون تطرق منها أو منهم لأي اختلاف، فالفيلم في إحدى أهم طبقاته يدور عن الآخر والتواصل الإنساني معه.

وحين تصادف خديجة جارا يبدو مرتابا بها لمرورها عند منزل قديم يجاوره كانت تعمل به، يحادثها متفاديا النظر إليها، في حالة ضمنية توحي بالتربص والاستعلاء، لكننا سرعان ما نجده وقد تسللت له الطمأنينة إليها بعد حديثهما، ليعرض عليها عملا في منزله، لتعتذر بأنها لا تنظف الأماكن الخاصة، لتمضي الرحلة دون أحداث كبيرة، لكنها كشفت عن عالمها الداخلي من خارجها وكشفت عن ثقافات تتفاعل أمامنا.

تنتهي رحلة خديجة لهذه الليلة بعودتها وحيدة لمنزلها

نقطة البدء من جديد

تنتهي رحلة خديجة لهذه الليلة بعودتها وحيدة لمنزلها، ليبدو خلع حجابها كالتعرية الدرامية حيث نلمس أعماقها الحزينة التي تفر منها في الخارج، والذي سرعان ما تعود إليه من جديد فارَّة من نفسها وذكرياتها، كمن تسكب نفسها في الزمن لتتلاشى استمرارا للحالة المدارية المتراوحة التي نسجها الفيلم.

كل ذلك جاء في سياق سردي عذب وشاعري عميق يدور في ليلة واحدة، حيث الليل يكشف الأسرار ويظهر فرار خديجة من نفسها دون مستقر، ويتيح إطلالة على مطويات شخصياته، ضمن ثنائيات لحواف متضادة تتكرر على مسار الفيلم كحالة طرفية بين عالمين أو حالتين تبدو متلاحمة مستمرة بلا فرار، كالذات والآخر، والحاضر والذكرى، وطرفي المدينة؛ طرفها الذي انطلقت منه والآخر الذي وصلت إليه تائهة، والدفء والبرد، والأزرق والأحمر، والليل والنهار.

وتعود بنا النهاية لنفس نقطة البداية لكن معكوسة، بنفس اللقطة الأولى في نفس المنزل الخاوي، والحالة الضوئية المتدرجة ببطء كحركة المدارات، لكن من الليل إلى النهار، في حالة دائرية متواصلة بلا فكاك كالذوبان المنتحر.

وفي هذا الوقت الذي تنغمس فيه البطلة الأم في حالة ليلية هاربة، تستمر الثنائيات المتضادة للفيلم بحالته المدارية المتعاقبة، بنقلة زمانية ومكانية في لقطات أخيرة، تبدو فيها الابنة في جزيرة استوائية دافئة مشرقة النهار والألوان، مغادرة عالم الليل البارد الذي تعيشه أمها، كاستمرار من جديد لحالة طرفية تأملية للحياة ومساراتها، تحمل شجنا وأملا معا.