نقد سينمائي

"شرطة فوق الشرطة".. كفاح الشعب الأمريكي ضد حارسه العنصري

 

قيس قاسم

يتابع الصحفي الأمريكي "جيلاني كوب" منذ سنوات تحقيقاته في صحيفة "نيو يوركر" حول موضوع إشكالي يتعلق باستخدام الشرطة الأمريكية القوة المفرطة ضد المدنيين، وتجاوزها في كثير من الأحيان المبادئ التي يقوم عليها عملها الموجه أصلا لحماية الناس لا لإلحاق الأذى بهم، ورغم ذلك فإن ممارساتها العنيفة تصل إلى حد القتل بدوافع عنصرية، آخرها إقدام أحد رجالها على قتل المواطن الأسود "جورج فلويد".

ينقل الصحفي "كوب" مشاهد من تفاصيل موت الضحية اختناقا بفعل الضغط الشديد لركبة رجل الشرطة على رقبته، وهو يستغيث ألما بكلمات محشورة في فمه، وسرعان ما تحولت كلماته إلى صرخة مدوية ضد تصرفات رجال الشرطة الوحشية، وطالبت الحشود الغاضبة التي خرجت إلى الشوارع إثر مشاهدتها تسجيلات مُصوّرة لعملية القتل، بوضع حد لها.

 

"جورج فلويد".. مثال حي من التمييز المتجذر

يظهر الصحفي في المشهد الأول من الوثائقي التحليلي والاستقصائي "ضبط الشرطة" "شرطة فوق الشرطة" (Policing the Police) وهو يشاهد الفيديو نفسه الذي دفع الحشود في ولاية "مينيابوليس" للتظاهر والاحتجاج.

وبعد الانتهاء من عرض مقاطع مؤثرة منه يتوجه إلى الكاميرا ليشير إلى نقاط جوهرية تتجاوز الحادث وردود الفعل الغاضبة عليه إلى جوهر المشكلة المتجذرة ومركزها وفق رؤيته، وهي حالة عدم المساواة والتمييز العنصري التي تتعامل بها المؤسسات الحكومية مع قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي، وبشكل خاص مع السود والأقليات العرقية الأخرى، وهي حالة ظلت لعقود طويلة تتغلغل في أوصال المؤسسات الحكومية ومن بينها الشرطة.

يأخذ الوثائقي وباء كورونا (كوفيد 19) مثالا يبني عليه تصوراته لحالة فقدان العدالة وعدم المساواة بين أبناء البلد الواحد، فرغم أن نسبة عدد السود تبلغ 12٪ من العدد الإجمالي للسكان، فإن نسبة الوفيات بينهم بسبب الجائحة تصل إلى 22٪ حتى لحظة تصوير الوثائقي.

مردّ ذلك إلى عوامل اجتماعية واقتصادية كثيرة تزيد من المخاطر المحيطة بهم، مثل الفقر والمرض والموت على أيدي رجال الشرطة، وهذه الأخيرة تثير اهتمام الصحفي وتدفعه لمراجعة تغطياته السابقة الخاصة بحوادث وتصادمات خطيرة جرت بين الشرطة ومتظاهرين مدنيين في مدن أمريكية مختلفة، وفي الوقت نفسه تدفعه الموضوعية لمعاينة تجارب طليعية قليلة حاولت تصحيح العلاقة بين المواطن والشرطي.

لافتة كُتب عليها "حياة السود مهمة"، وذلك ضمن مظاهرات احتجاجية ضد رجال الشرطة عمّت مدنا أمريكية

 

"حياة السود مهمة".. صرخة من رحم الاحتجاجات

يقدم الصحفي "كوب" تسجيلات أخذها بنفسه لمظاهرات احتجاجية واسعة ضد رجال الشرطة عمّت عام 2014 مُدنا أمريكية مختلفة، ويعرض أيضا مقاطع من مقابلاته مع عدد من المشاركين فيها، وقد عبّروا خلالها عن غضبهم وعدم ثقتهم بأجهزة الشرطة.

يحيل "كوب" ظهور حركة "حياة السود مهمة" (Black Lives Matter) الأخيرة إلى بداية الحركات الاحتجاجية في المدن الأمريكية، وبأن الحركة ولدت من رحمها، وهي امتداد لها، لأن الأسباب التي دفعت الناس للخروج فيها هي نفسها التي تدفع الناس للانضمام إليها اليوم.

يُثَبت "كوب" في مراجعته عبارة كثيرا ما سمعها من المتظاهرين "إذا اعتقدت بأن المساعدة ستأتيك من البيروقراطية فأنت مخطئ".

"راس باراكا" عمدة مدينة نيوأرك في ولاية نيوجرسي، حيث تعمل إدارته على إعادة الثقة بين المواطن الأمريكي والشرطة

 

عمدة نيوأرك.. جولة في أكناف صديق الدراسة

يحمل "كوب" العبارة معه وهو في طريقه لمقابلة صديقه وزميل دراسته "راس باراكا" الذي يشغل منصب عمدة مدينة نيوأرك في ولاية نيوجرسي، حيث يتذكران سوية نشاطهما السياسي في زمن الشباب، وأثناء حديثهما يتوقفان عند تاريخ 1976، يوم خرجت مظاهرات عمّت البلد كلها رفضا لضرب رجال الشرطة سائق سيارة أجرة أسود بوحشية دون مبرر.

يجري الصحفي "كوب" معه لقاء، ويفهم منه أن إدارته تعمل على إعادة الثقة بين المواطن والشرطة من خلال إعادة تثقيف رجالها بدورهم الحقيقي، وبوضع ضوابط صارمة تضع حدا لتصرفاتهم المتهورة.

من نتائج عمل العمدة أن وزارة العدل الأمريكية استحدثت في عام 2016 مؤسسة جديدة باسم "مجلس الرقابة"، ومهمته مراقبة أداء الشرطة وإعطاء دور للمدنيين فيها. يعترف العمدة بأن التغيير لم يكن بالمستوى المطلوب على العموم لأن هناك كثيرين داخل وحدات الشرطة لا يريدونه.

الشرطة الأمريكية توقف شابا في الشارع للتفتيش بدون ترخيص رسمي، وذلك لكونه أسود فقط

 

صورة السود واللاتينيين النمطية.. عوامل فقدان الثقة

يترك "كوب" الماضي ويتوجه لمعرفة مدى نجاح صديقه في مهمته، وذلك من خلال مصاحبته لوحدة تابعة لشرطة المدينة وصلها نداء بوجود شخص مشتبه به. يسجل "كوب" بكاميرته تصرفاتهم، فما زال تعاملهم خشنا لا يراعي حقوق المواطن، ولا يتبع الأعراف القانونية المتعلقة باحتجاز الأشخاص.

من دون ترخيص رسمي بالتفتيش يوقفون شابا كان يمشي في الشارع ويعنفونه بقوة، ويتذرعون بأنهم قادرون على تمييز الأشخاص من حركاتهم وعيونهم، ويبررون حجز الشاب وطرحه أرضا لرفضه الانصياع لأوامرهم.

من خلال المراقبة والاستقصاء يتأكد الوثائقي من وجود أحكام مسبقة عند رجال الشرطة ضد الأسود واللاتيني، والأرقام تؤكد ذلك، فخلال عام واحد ارتكبت الشرطة أكثر من ثلاثة آلاف مخالفة تضمنت الضرب المبرح والتعنيف ضد مدنيين غير مسلحين.

يتأكد الصحفي بعد جولته الميدانية أن الوضع سيء في الشارع، وأن عدم الثقة بين الشرطة والمواطن ما زالت معدومة تقريبا.

الصحفي "جيلاني كوب" الذي يستقصي عبر فيلمه "شرطة فوق الشرطة" واقع الشرطة الأمريكية

 

"التغيير والإصلاح".. قانون مكافحة العنصرية الهيكلية

ينقل الصحفي "كوب" انطباعاته لصديقه العمدة الذي يعترف بانتشار العنصرية بين رجال الشرطة حتى السود واللاتينيين منهم.

يسأله الصحفي وكيف ذلك؟

يجيبه بتحليل عميق لمفهوم العنصرية الهيكلية التي تتجاوز الأشخاص إلى المؤسسات وأنظمة الدولة، فحلّ المشكلة الجذري برأيه يكمن في إجراء تغيير هيكلي شامل في المجتمع والبلد كله، وفي الأثناء يخبره أن اثنين من رجال الشرطة الذين رافقهم طردوا لسوء أدائهم الوظيفي.

لمراجعة العنصرية الهيكلية للشرطة الأمريكية يذهب الصحفي "كوب" لمعاينة مسار القانون الذي أصدره الكونغرس قبل 25 عاما، ويحمل اسم "التغيير والإصلاح"، وقد مُنحت بموجبه وزارة العدل حق مراقبة أداء الشرطة في الولايات والمدن الأمريكية، وذلك بعدما لاحظت أن أكثر الشرطة المرتكبين لفظائع تصل حد القتل يخرجون منها دون عقوبات.

الشرطة الأمريكية تتعامل مع المتظاهرين المدنيين كأعداء لها

 

تقلبات عصر "ترامب".. خطوات إلى الوراء

يراجع العمدة "راس" محصلته، ويجد أنه حقق نجاحا نسبيا وقلل من عدد الخروقات، وردع إلى حد بعيد رجال الشرطة من المضي في سلوكهم السابق، كما قدّم المختصون بالشأن القانوني بفضله دراسات تؤكد عنصرية مؤسسة الشرطة وانفلاتها، مما يستدعي تغييرا جذريا لها.

في مقابلة مع "فانيتا غويتا" مسؤولة قضايا حماية حقوق المواطن في عهد الرئيس "باراك أوباما" أكدت للوثائقي الرغبة الحقيقة للإدارة في إجراء إصلاحات حقيقية رغم وجود عوائق كثيرة، مما ولّد ارتياحا في الشارع الأمريكي بعد اقتناعه بنيّته الصادقة منع إهانة رجل الشرطة لأي مواطن، مهما كان جنسه أو لون بشرته.

لم تدم الفرحة طويلا، فمع وصول "دونالد ترامب" لدفة الحكم سارع فورا لإلغاء القانون، ومنح صلاحيات كبيرة للشرطة على حساب المواطن الأمريكي، ويصف أحد مسؤولي إدارة الملف القضائي في عهده قانون "التغيير والإصلاح" بأنه "مجحف، فهو كبّل أيدي رجال الشرطة بدلا من تكبيله أيدي المجرمين".

الحركة الشعبية البديلة عن الشرطة الأمريكية والمعروفة باسم "فريق الشارع"، والتي ظهرت في مدينة نيوأرك وغيرها من المدن الأمريكية

 

"فريق الشارع".. حركة شعبية تؤدي عمل الشرطة

في خضمّ عودة العنف للشوارع وإيغال الشرطة في ممارساتها الإجرامية التي يثبتها الوثائقي من خلال تسجيلات وأرقام توثّق انتهاكات جرت في السنوات الأخيرة، وكردّ فعل عليها ظهرت حركة شعبية في مدينة نيوأرك وغيرها من المدن الأمريكية سُميت باسم "فريق الشارع".

وقد انبثقت الفكرة من مناطق سكن السود على وجه الخصوص، وبعد تجارب مريرة مع الشرطة توصّل أصحابها إلى حلّ نسبي يتمثل في تخفيف وجود رجال الشرطة في تلك المناطق من خلال تقليل عدد الجرائم، وبهذه المعادلة يمكن تجنب الويلات وحماية الأرواح.

تطوّع أبناء تلك المناطق في الحركة، وشكّلوا فرقا تقوم بالتواصل المباشر مع الخارجين عن القانون، وتجري حوارات تنبههم فيها إلى خطورة ما هم فاعلون، كما يمكن لأعضاء الفريق بسهولة انتزاع فتيل القتال بين المجاميع الإجرامية المتصارعة بينها ووضع حد لها.

يقوم الفريق أيضا بزيارة المدارس والمستشفيات ومراقبة الشوارع في الليل والنهار، وقد كانت نتائج عملهم أكثر من جيدة، مما دفع مسؤولين للدعوة إلى توسيعها وتطبيقها في مناطق أخرى.

 

"مراقبة أداء الشرطة".. رمي الكرة في ملعب الحكومة الفيدرالية

زادت المطالبة من قبل الحريصين على إيجاد حلّ للمشكلة المستفحلة بتدخل المؤسسات الفيدرالية في معالجة الاعوجاج الفاضح في سلوك وعمل رجال الشرطة في الولايات الأمريكية.

تنطلق المطالبة من فكرة أن هذا الدور هو من صُلب عمل الحكومة الفيدرالية وعليها تطبيقه، كما زادت المطالبة بإعادة النظر في المستوى التعليمي لرجال الشرطة بعد أن تأكد جهلهم الفظيع بالقوانين المتعلقة بحقوق المواطن المدنية.

وفي نيوأرك اقترح عمدة المدينة تشكيل هيئة خاصة اسمها "مراقبة أداء الشرطة"، وفكرتها مبنية على قناعة تقول "إذا خاف رجال الشرطة من المجتمع المدني، فستنخفض نسب تجاوزاتهم، وستقل درجة عدائيتهم".

مواطنة أمريكية تحمل لافتة في إحدى المظاهرات تتساءل فيها عن "مَنْ سيحاكم الشرطة الأمريكية؟"

 

أرشيف الشرطة الأسود.. تاريخ طويل من العنف

رغم مساعي الحريصين على تقليل حدّة التصادم فإن الوقائع تشير إلى ضعفها عموما، وهذا ما يثبته الصحفي في نهاية تقريره، فمهما بلغت النوايا من طيبة وصدق، فإن الوقائع وقوة الأفكار العنصرية المترسخة في الأذهان تبددها.

يذهب الصحفي إلى مكتبة عامة ويبحث في تاريخ عنف الشرطة الأمريكية، فيجد جذوره مرتبطة بالفوارق بين السود والبيض في كثير من النواحي، ولهذا كان لا بد من معالجة المشكلة وقت بروزها، أما الآن وقد تأخر الوقت فإن السؤال الذي طُرح في حينها يَطرح نفسه ثانية قبل أسابيع من نهاية عام 2020، ألا وهو: هل هناك إرادة حقيقية للعمل؟

سؤال ملتاع ربما لن يجد له جوابا شافيا، لكنه يحفز للتفكير في واقع مؤلم يتيح للشرطة الأمريكية المضي في سلوكها العنصري، ما دامت الظروف التي يعيش فيها السود وبقية الأقليات لم تتحسن.

ذات صلة