نقد سينمائي

”صندوق الثلج“.. طفولة منتهكة داخل السجن الأمريكي

قيس قاسم

رحلة الطفل الهندوراسي "أوسكار" تُلخص حياة آلاف من أطفال أمريكا اللاتينية المنبوذين في الخارج والمهددة حياتهم في الداخل

رحلة الطفل الهندوراسي ”أوسكار“ هربا من بطش عصابات المخدرات في بلاده إلى سجون الولايات المتحدة الأمريكية الباردة والموحشة تُلخص حياة آلاف من أطفال أمريكا اللاتينية المنبوذين في الخارج والمهددة حياتهم في الداخل، وذلك كما يصورها الفيلم الأمريكي ”آيس بوكس“ أو ”صندوق الثلج“ بأسلوب سرد روائي كلاسيكي فيه الكثير من روح الوثائقي.

النص في الأصل كتبه السويدي دانيل ساوكا كفيلم قصير، ثم طوره بعد عرضه في مهرجانات سينمائية عالمية منحته الكثير من جوائزها؛ إلى روائي طويل. فيلمه الجديد المؤثر والحزين محمل بأسئلة عن الهجرة ”غير الشرعية“ بمفهومها الأمريكي، يقابلها بروز أوضاع إنسانية يفرضها الواقع لا يمكن الاكتفاء بالتعامل معها وفق منظور قومي ضيّق لا يرى في القادم إليه سوى ”مجرم“، أو مشروع جريمة لا بدّ من التخلص منه بكل الأساليب المتاحة.

 

وشم لا يُمحى أو موت محتّم؟

في المشهد الأول يظهر طفل في سن الـ12 من عمره مُقيد ومُحاط بمجموعة من رجال العصابات، حيث يقومون برسم وشم على صدره بالقوة، فالوشم (وهو شعار المنظمة) يُراد به إجبار الطفل على إعلان انتسابه إليهم واستحالة تنكره لهم، فما هو محفور على الجلد لا يمكن محوه أو نكرانه.

بهذا الأسلوب يجبرون أعدادا كبيرة من الأطفال على العمل معهم، وفي حالة الرفض سيكون الموت نصيب الرافض للانصياع.

وفي مشهد يليه من داخل أحد صفوف المدرسة يتضح من الصخب والأصوات المهددة الواصلة إليه من خارجه أن الطفل لا يرفض التعاون معهم، ولا مفرّ له في هذه الحالة إلا بمغادرته البلاد دون رجعة.

تجربة أوسكار في السجن مؤلمة وقاسية، وأحد أسباب قسوتها الجَهل بما ينتظره

الطريق.. مصيدة الهاربين

لأوسكار فرنانديز (الممثل أنتوني غونزاليس) خال يعيش في إحدى الولايات الأمريكية، لذا فقد تَشجَّع والداه لتهريبه إلى هناك. الطريق إلى الطرف الثاني عبر المكسيك محفوف بالمخاطر، رصدها عبر مسيرة الطفل الذي وفّر إمكانية عرض جانب مما يتعرض له المهاجرون اللاتينيون من قبل أبناء جلدتهم قبل أن يواجهوا غضاضة الغريب.

فتوقيف الشاحنات ليلا بقوة تهديد السلاح، وصعود رجال العصابات لأخذ النساء عنوة وتشغيلهن في مواخير وملاهٍ تعود لهم؛ أمر شبه عادي يحدث في الطرق البعيدة غير الخاضعة لرقابة الدولة، كما يُعدّ أخذ الشباب الأقوياء للعمل لصالحهم من بين أحد مصادر قوتهم، فعلى الدوام توفر رحلات تهريب اللاجئين شبابا يُجبَرون على الذهاب مع العصابات حيث ينشطون.

على الحدود لا ينجو الذي يتخلص من خطر رجال عصابات الطريق من عدو جديد خبيث يستغل عملية دخوله عبر المهربين إلى داخل الأراضي الأمريكية، حيث سيتعرض أوسكار لعمليات خداع كثيرة لإفشال عملية عبوره، وذلك حتى يضطر للعودة والعمل مع المهربين، لكنه وبقوة شخصيته يُصرّ على المضي نحو هدفه.

واحدة من المشاهد المعبرة ذات الدلالات السياسية التي يجسدها فيلم ”صندوق الثلج“ هو الجدار العازل بين الحدود، فبسهولة يتسلقه الباحثون عن حياة أفضل بواسطة سلالم معدنية مطاوعة صُنعت لذلك الغرض، مما يدعو إلى التفكير في جديّة مشاريع الحدّ من الهجرة، وتعالي أصوات سياسيين تطالب ببناء جدران عالية وطويلة بين أمريكا والمكسيك.

يُكرّس المخرج السويدي بقية زمن فيلمه لتجربة الطفل داخل سجون الولايات المتحدة الأمريكية ومحاكمها

سجون الخداع

يُكرّس المخرج السويدي بقية زمن فيلمه لتجربة الطفل داخل سجون الولايات المتحدة الأمريكية ومحاكمها، ويعطي فسحة صغيرة منه لخاله يعرض خلالها وضعه الصعب الذي يشبه وضع كثير من المهاجرين العاملين في الحقول والمزارع دون تصاريح عمل رسمية.

تدخل الكاميرا المعتقل من خلال دخول أوسكار إليه، وذلك بعد أن ألقت الشرطة القبض عليه وهو يتنقل وسط الأراضي الجرداء على دراجة هوائية دفع ثمنها للمهربين، حيث لم يفلح الطفل في الوصول إلى بيت خاله، فقد تمكنت طائرة درون أمريكية (طائرة من دون طيار) من اكتشافه والقبض عليه.

تجربته في السجن مؤلمة وقاسية، وأحد أسباب قسوتها الجَهل بما ينتظره. لم يتعرض الطفل للتعذيب الجسدي، فهذه السياسة تركها رجال الشرطة خوفا من فضح أمرهم أمام وسائل الإعلام، وبدلا منها اختاروا أسلوب المراوغة والدهاء والوعود الكاذبة. هذا ما سيحس به الطفل الهندوراسي بنفسه، وسيسمعه من بقية الأطفال المحتجزين قبله في زنزانات باردة.

وربما اسم الفيلم ”صندوق الثلج“ جاء من إشارة إلى برودتها، حيث لا يوزع مسؤولوها أغطية على السجناء تقيهم برد الصحراء، ولا يوفرون لهم أبسط شروط العيش كسجناء مدنيين، ويكتفون برمي ورق الأمونيوم المستخدم في الطبخ على الأرض ليلتحف به الأطفال.

تتعمد الشرطة الأمريكية إذلالهم، وتعاملهم كحالة معلقة في انتظار محاكمة شكلية تبتّ في أمر إعادتهم إلى ديارهم، وبالنسبة لأوسكار كان هذا يعني موته على أيدي رجال عصابات بيع المخدرات.

يركز فيلم صندوق الثلج على العلاقات الناشئة داخل السجن بين الأطفال

 صداقات طفولة معذبة

يركز فيلم صندوق الثلج على العلاقات الناشئة داخل السجن بين الأطفال، ويعرض الصداقة الجديدة بينه وبين رافائيل الهارب من كولومبيا، فأسباب هربه هي نفسها؛ عصابات تجارة المخدرات التي قتلت أخاه الأكبر، وهددت بقتله إذا لم يتعاون معها.

يتعرض الطفل الكولمبي إلى نوبات بكاء حادة تحرمه من النوم، وكان وجود أوسكار بجانبه يساعده، فنشأت بينهما علاقة إنسانية تتطور بالتدريج، لنكتشف من خلالها المشتركات الإنسانية التي لا يدركها حُرّاس السجن.

تدخل على مسار الحكاية المتصاعدة دراميا ببطء يشبه بطء الزمن داخل السجون؛ صحفية أمريكية من أصول إسبانية، تريد الحصول على معلومات تساعدها على فضح ممارسات الشرطة الأمريكية، ويجد أوسكار فيها وسيلة مساعدة للاتصال بخاله من السجن.

وتفضي المساومة بينهما إلى تسريبه معلومات عن سوء المعاملة وعدم توفر شروط صحية للسجناء، مقابل أن تتصل هي بخاله من الخارج. وعبر تبادل المنافع تنكشف علائق وحقائق تلقي بظلالها على الواقع السياسي في الولايات المتحدة، وإصرار رئيسها ترامب على منع الهجرة من خلال بناء جدران عازلة مع المكسيك؛ المدخل الأنشط للاجئين.

يحاكم الفيلم النظام القضائي الأمريكي من خلال الطفل وخاله

محاكمة النظام القضائي

يحاكم الفيلم النظام القضائي الأمريكي من خلال الطفل وخاله، فبعد قبول الأخير تبنيه مؤقتا أصبح بإمكانه الذهاب إلى المحكمة وتقديم أسباب ودوافع طلبه الإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية.

وعبر شخصية الخال المذعور والمقدمة بجرعة من الكوميديا السوداء؛ تتجسد معاناة العمال المؤقتين، ففي مشاهد يظهر فيها منهمكا برشّ المزروعات بالمبيدات الكيميائية التي يعرف هو نفسه مدى خطورتها، لهذا يطرد الطفل كلما اقترب منها. خوفه من الشرطة مشروع، فكل خطأ يبدر منه حتى لو كان غير مقصود ربما يعرضه للطرد، وبالتالي خسارة حلمه الكبير.

العلاقة بين أوسكار وخاله تتطور وتكشف عن شخصية قوية وتماسك داخلي عند أوسكار مبعثها رغبته في التعلم وتحقيق رغبة والدته في البقاء بعيدا عن العصابات الهندوراسية الخطيرة.

حلم أوسكار بالتعلم واستحالة عودته إلى هندوراس تدفعانه لقبول عمل ونمط عيش مُذلّ

خيارات مُرّة

لا يقدم الفيلم نفسه كميلودراما بكائية بقدر محاولته عرض واقع مرير عبر قصص صغيرة تطلبت كتابة مكثفة ملتزمة بالسياق العام، وربما قيمة العمل تتأتى من التزام صانعه بها، وبالإحاطة الكاملة بواقع يُراد له أن يبقى بعيدا عن الأنظار.

ومن بين القصص الجانبية أو المعالجات الفرعية المحاكمة الصوريَّة لطالب اللجوء، فآليات عملها ونصوصها الخاصة بالهجرة تضع طالب اللجوء بين خيارين صعبين؛ فإذا قدّم اللاجئ معلومات كاذبة وانكشف أمره سيُطرد من البلاد، أما إذا قال الحقيقة فإنه سيُعامل كشخص غير مرغوب فيه.

وتشير تجربة أوسكار إلى ذلك، فقد قال حقائق عن تجربته مع عصابات تجار المخدرات الهندوراسية، وحكى بصدق عمّا رآه من جرائم يرتكبونها، فعاملته المحكمة على أساسها كـ“مشروع مجرم“، يشكل وجوده خطرا مستقبليا على المجتمع الأمريكي.

نهاية رحلة أوسكار وعذاباته داخل المجتمع الأمريكي أرادها المخرج دانيل ساوكا مفتوحة

نهاية مفتوحة لطفولة مُنتهكة

نهاية رحلة أوسكار وعذاباته داخل المجتمع الأمريكي أرادها المخرج دانيل ساوكا مفتوحة، وذلك كمصيره حين قرّر خاله تهريبه إلى بيت صديق يعمل في أحد حقول ولاية فلوريدا دون عقد رسمي.

حلم أوسكار بالتعلم واستحالة عودته إلى هندوراس تدفعانه لقبول عمل ونمط عيش مُذلّ يشبه نمط حياة خاله الخائف طوال الوقت والمهددة صحته بالتدهور.

أداء الممثل أنتوني غونزاليس (أوسكار) مذهل، وكذلك بقية أطفال السجن الكبير الذي بدا في كثير من المشاهد حقيقيا، فما يجري فيه من انتهاكات للطفولة يشبه إلى حد كبير ما يجري على أرض الواقع.