نقد سينمائي

"طريق سيدي".. أمضي على آثار جدي وكأني لا أرى المحتل

 

حميد دباشي/ أستاذ الأدب المقارن بجامعة كولمبيا 

ترجمة: محمد سالم ميا

عندما انتشرت أخبار تخطيط إسرائيل لـضم المزيد من فلسطين وإضافتها إلى ما سرقته من قبل؛ تلقيت رسالة إلكترونية من نزار حسن المخرج الوثائقي الفلسطيني البارز كتب لي فيها عن فيلمه الأخير "طريق سيدي"، وضمّنها رابطا للفيلم، وقد كانت نعمة.

يقولون: "اختر أعداءك بعناية لأنك ستنتهي مثلهم"، وينطبق الشيء نفسه على أولئك المعارضين للمستوطنين الصهاينة، فإذا كنت غاضبا من حجم الجرعات اليومية من الهراء والابتذال، ومن السطو المسلح على فلسطين فستصبح قريبا مثلهم، وستنسى نفسك وتنسى الأفكار والمثل والتطلعات الجميلة التي كانت تحفز أحلامك، من هنا يجب الحذر من الوقوع في هذا الفخ.

لعقود من الزمن كانت جوانب من السينما الفلسطينية والعالمية والفن والشعر والخيال والدراما تفعل بي ذلك بالضبط، وقد أنقذتني من ذلك الفخ لحظة خلاص شاعرية، ولم تزل تذكرني باستمرار بما تعنيه كل سياساتنا.

يعد الفيلم الوثائقي الجديد لنزار حسن أحد الأعمال التي أتت في لحظة حزن -بسبب تعدي إسرائيل على حقوق الفلسطينيين وتواطؤ العالم معها- لتضع فلسطين في المنظور الصحيح، والفيلم لحسن الحظ طويل، ويسير بإيقاع وأناة جميلين، إنه عمل فني متقن الصنعة، وقصيدة ملحمية من حنين الفلسطيني إلى وطنه.

بُثت نسخة أقصر من "طريق سيدي" على قناة الجزيرة الإخبارية في ثلاثة أجزاء، ولكن ينبغي للمرء أن يشاهد الفيلم بالكامل دفعة واحدة، فهو رحلة حج لا ينبغي أن تنقطع.

المخرج الفلسطيني نزار حسن خلال تصوير سلسلة فيلمه "طريق سيدي"

 

نزار حسن.. كاميرا تنقل معاناة الفلسطيني

ولد نزار حسن عام 1960 ونشأ في قرية المشهد بالقرب من الناصرة حيث يعيش مع عائلته. درس الأنثروبولوجيا في جامعة حيفا، وبعد التخرج عمل في التلفزيون.

تحول ابتداء من عام 1990 إلى السينما، وفي عام 1994 أنتج فيلم "الاستقلال"، وفيه يقرص محاوريه الفلسطينيين حول رأيهم في مفهوم إسرائيل الغريب لاستقلالها، فقد سرقوا وطن شعب آخر، وأطلقوا على هذه السرقة اسم "الاستقلال"، ويُسهب حسن في الحديث عن تلك العبثية.

تحدث حسن في فيلمه الموالي "ياسمين" (1996) مع الفلسطينيين حول مسألة العلاقة بين الجنسين في المجتمع الفلسطيني في أعقاب مقتل فتاة فلسطينية على يد شقيقها.

 

"الغزو".. عين على مذبحة جنين

بعد سبع سنوات أخرج نزار حسن الفيلم القوي "الغزو" (Invasion)، ويعرف أيضا باسم "13 يوما في مخيم جنين"، وقد صُور بعد وقت قصير من مذبحة جنين في عام 2002 التي دمر فيها الجيش الإسرائيلي مخيم جنين للاجئين، مما أسفر عن مقتل العشرات من الفلسطينيين.

يتجاوز الفيلم توثيق رعب الأحداث في جنين ليواجه مرتكبيها، فهو يتعقب رواية سائق جرافة إسرائيلي شارك في المذبحة، وردة فعله وهو يشاهد لقطات الدمار والمعاناة التي تسبب بها للفلسطينيين.

شملت أعمال حسن إلى جانب هذه الأفلام عددا من الأفلام الأخرى التي توثق جوانب من حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، ومنها فيلم "أسطورة" (Myth) عام 1998، وفيلم "كات" (Cut) عام 2000 و"التحدي" (Challenge) عام 2002 و"كرْم أبو خليل" (Abu Khalil Grove) عام 2006 و"الجنوب" (South) عام 2008.

ظهر حسن في مهرجانات سينمائية في العالم العربي وأوروبا وأمريكا الشمالية، وأدرجت أعماله في مهرجانات سينمائية ساعدت في تنظيمها الولايات المتحدة والأرجنتين وفلسطين.

 

"آه يا أشجار الزيتون في فلسطين".. حلم الوطن الجميل

يعتبر حسن في الأرشيف الثري والمتنوع للسينما الفلسطينية شخصية رئيسية ذات إنتاج جاد، لذا كنت أعرف أفلامه الوثائقية جيدا عندما جلست لمشاهدة أحدث أعماله، لكن قوة الفيلم الجديد شيء مختلف تماما، فهي ليست استفزازية أو قتالية أو جدلية بل على العكس تماما.

يأتي "طريق سيدي" من ثقة عميقة ومتجذرة في إحساس الرجل بوطنه، وكأن العالم كله -ليس فقط إسرائيل- يختفي ليصبح هذا المخرج الذي يمشي حاملا حقيبته على ظهره وهو في منتصف عمره مركزَ عالم الفيلم.

يمشي بخطوات حازمة على طول طريق جده بتعليقه الصوتي المطمئن، وطاقمه المكون من شخصين يتبعانه، حيث يستعيد حسن المشهد الرائع لفلسطين كما لو لم يكن هناك مشروع صهيوني يقطع هذا الحلم الهادئ الذي يسرده الفيلم.

تذكرت أثناء مشاهدة الفيلم السلام والثقة الشاعريين للشاعر الإيراني سهراب سبهري في قصيدته المميزة "المسافر"، حيث يُلمِّح إلى رحلته في فلسطين قائلا:

آه يا أشجار الزيتون في فلسطين

وجِّهي لي ظلالكِ الوفيرة

إلى هذا المسافر الوحيد

بعد أن عُدت للتو

من جِوار جبل سيناء

محموما من حرارة الكلمة السماوية

 

ثلاث ساعات ونصف.. ملحمة غنائية عن فلسطين

صحيح أن نزار حسن روى هذه القصة بطريقة مختلفة من قبل، ففي "كرم أبو خليل" يتتبع مصير عائلة فلسطينية من العهد العثماني حتى ظهور دولة إسرائيل، وعلى نفس المنوال تتبع القصة في فيلم "طريق سيدي" حيث جذور المخرج نفسه في وطنه قبل وصول الصهيونية في الفترة الاستعمارية للمنطقة.

لكن ما نراه في هذا الفيلم أكثر بكثير من مجرد هذا التاريخ المدرك، فنحن في حضور مخرج سينمائي ماهر ومسيطر تماما على مهنته، ففي "ضربة معلم" استمرت قصة المخرج الجريئة والرائعة لأكثر من ثلاث ساعات ونصف فكك فيها الصهيونية باتزان وصبر وحقيبة ظهر وسلوى قدسية.

فيلم "طريق سيدي" هو نُزهة في المشهد المادي والزمني لفلسطين من قبل فلسطيني وحيد رفقة مهندس صوت ومصور سينمائي. يصادف في الطريق قلة من الأصدقاء، ولكن يبقى صوت نزار حسن ومنظره ثابتين وهو يسير في وطنه شبرا وراء شبر يروي لنا قصة جده.

إنّ الفيلم ملحمة شعرية أكثر بلاغة من باذخ شعر محمود درويش الملحمي، فنزار حسن هنا لم يعد يشعر أنه مضطر لإثبات أي شيء، لقد تجاوز إسرائيل وقدم للعالم قصيدة غنائية عن جمال وطنه المتجذر وعمره الممتد.

 

سلاح الفلسطيني الذي لا يملكه المحتل.. إبطال المشروع الصهيوني

عند مشاهدة الفيلم ومع تكشف استمرار نزع ملكية الفلسطينيين على قدم وساق تظهر حقيقة غريبة، وهي أن الفلسطينيين لا يملكون القوة العسكرية للقتال من أجل كل شبر من وطنهم، لكن لديهم شيء أقوى من المدافع الرشاشة والدبابات والطائرات المقاتلة.

إنّ لديهم شيئا أقوى بكثير من كل تلك القوى الشنيعة مجتمعة؛ إنه ازدهار قوة السرد القصصي لديهم، ولديهم وفرة في القصص الإنسانية الحقيقية الدنيوية الصادقة القوية المرعبة.

في الحقيقة لدينا مساران متوازيان تكشفا تاريخيا ليراهما العالم، أما المسار الأول فهو مسار الاستعمار المستمر لكامل فلسطين من قبل مستعمرة استيطانية أوروبية، والآخر هو مسار الفنانين والشعراء والروائيين والمخرجين الفلسطينيين مثل حسن الذين يُبطلون ويُفككون مشروع السرقة الاستعماري هذا.

لقد ازدهرت سرقة الإسرائيليين لفلسطين، ودمجوا هذه السرقات شبرا وراء شبر في دولتهم الاستيطانية الاستعمارية، لكن داخل حامياتهم وخيالهم المأسور لديهم فلسطينيون يروون لأنفسهم وللعالم قصصهم.

ليست لدى الإسرائيلين قصص يروونها باستثناء إساءة استخدام النصوص التوراتية لتبرير سيطرتهم الحصرية على فلسطين، فقد تُركوا مع الوحشية العارية للمشروع الصهيوني.

"مقابل هذا التاريخ الوحشي من السيطرة كل ما على الفلسطيني فعله هو أن يحزم حقيبة ظهر ويحمل كاميرا ومسجل صوت، ويبدأ في المشي والتحدث عن جده أو جدته. مع هذه القصص، تختفي الصهيونية بكل قوتها العسكرية وآليتها الدعائية الضخمة، وكأنها لم تكن قط، بل كأنها غير كائنة الآن".


رابط المقال الأصلي على موقع الجزيرة الإنجليزية: https://bit.ly/3gd0oq6

 

ذات صلة

الزمن المفقود في فلسطين.. حكايا المعذبين خارج السجون شوقا للمغيّبين داخلها
نقد سينمائي

الزمن المفقود في فلسطين.. حكايا المعذبين خارج السجون شوقا للمغيّبين داخلها

حكايات زمن مفقود من حياة الشعب الفلسطيني يدفعها ثمنا لمقاومة الاحتلال ورفض الاعتراف بوجوده، في رحلة ممتدة منذ ميلاد القضية الفلسطينية وحتى اليوم، وستمتد طالما امتد الصراع بين المقاوم والمحتل.