نقد سينمائي

"عالبار".. عقل الكرة وجنون السياسة

 

أحمد القاسمي

السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ

في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ

أما سيوف أمن بورقيبة فلم تكن بمهارة سيوف المعتصم بالله ولم تميز ذات يوم بين الجد واللعب، ذلك ما يعلمنا إياه فيلم "عالبار" الوثائقي للمخرج التونسي سامي التليلي الذي يعود بنا القهقرى أكثر من أربعين سنة خلت، ليعيد فحص أحداث مهمة من تاريخ تونس المعاصر تبادل فيها السيف وكرة القدم الأدوار بمهارة. فكان المخرج يلاعب المتفرج عبر حبكة مناورة تنتج المعنى عبر النبش في الذاكرة أو السخرية أو إيجاد صلة بين الحكايات المتباعدة عبر السرد المتناوب والعرض التوازي.

 

1- حبكة تُلاعب المتفرّج وتنسج الحكاية من خيوط الحياة المترامية

ليس بناء العمل السينمائي غير لعبة لا يتقنها إلا المخرجون المهرة ليفتِنوا المتفرج، فلا يجعلون الشكل فيها مطلقا مسألة شكلية فحسب، وإنما مسارب يسلكها المعنى وينتظم وفقها. و"عالبار" مثال جيّد على ذلك، فهو يلاعبنا عبر أسلوب تنضيد مادته وترتيبها ليدس عبر اللعب أكثر المواقف جدية.

فقد كانت الموارد البصرية من شهادات وصور للمظاهرات ولقطات لمباريات كرة القدم؛ تُعرض وفق مسارين متوازيين، ومن توازيهما كان المخرج يعيد نسج الأحداث التاريخية ولكن بشكل مختلف.

ففي المسار الأول كانت الموارد البصرية تَعرض مراحل التطاحن بين أطراف السلطة الذي تتولاه شهادات الساسة والنقاد والإعلاميين من أمثال وزير الخارجية الأسبق الطاهر بالخوجة والسجين السياسي السابق فتحي بالحاج يحيى والصحفية والحقوقية سهير بلحسن، فتسلط الأضواء على المرض والشيخوخة وقتها وقد استبدا ببورقيبة وجعلاه يفقد زمام السيطرة على مقاليد الحكم، بل وخولا بعض وزرائه المتنفذين أن يحكموا باسمه وبشرعيته.

ولما كانت البلاد تقطع خطوات ثابتة نحو اعتماد النهج الليبرالي وتكريس الرأسمالية على المستوى الاقتصادي بعد أن كانت أميل إلى النهج الاشتراكي، أخذت الفوارق بين فئات المجتمع تتعمق، وهذا ما أزم الحياة السياسية في تونس.

وكي تجعلنا هذه الموارد البصرية نفهم المرحلة أكثر، اتجهت هذه الشهادات صوب "الاتحاد العام التونسي للشغل" الذي مثل لاعباً رئيسياً في الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها تونس عصرئذ، وكان يقوده في تلك الفترة النقابي الحبيب عاشور، وهو ابن النظام والمقرب من "وسيلة بن عمار" زوجة بورقيبة وقائدة أحد أجنحة السلطة المتصارعة.

والاتحاد العام التونسي للشغل هرم يوازي الحزب الدستوري الحاكم منذ الاستقلال، فقد كانت هذه المنظمة تحتكر العمل النقابي في البلاد، ولا تزال كذلك إلى اليوم. ورغم أنها لم تكن تنخرط في العمل السياسي مباشرة وتعلن باستمرار تمسكها باستقلاليتها، فقد كان قادتها يتبنون رؤية موروثة عن "مؤسسة فرحات حشاد" ترى بأن العمل النقابي لا يُختزل في مطالب مهنية صرفة، وأنه واجهة ذو خلفية سياسية. ومما دعّم هذه الرؤية انخراط شباب يساري متحمس في صفوفه لم يجدوا سبيلا ليعبّروا عن مواقفهم أو ليعطلوا نزعة الوزير الأول "الهادي نويرة" الليبرالية وقتها إلاّ من وراء حجاب الاتحاد العام التونسي للشغل.

وإجمالاً، صورت موارد الفيلم البصرية البلاد متحفزةً تنتظر الانفجار الاجتماعي في كل حين. وبالفعل تفاقمت الاختلافات بين الجناح المحافظ الذي يتزعمه الوزير الأول والجناح المعتدل الذي ينتسب إليه الحبيب عاشور. وكان على هذا الأخير أن يحسم انتسابه إلى السلطة أو الاتحاد، فأعلن الإضراب العام في كامل البلاد وتم تنفيذه في 26 يناير/كانون الثاني من سنة 1978 الذي عرف لاحقاً بالخميس الأسود. وواجه أمن بورقيبة الانتفاضة الشعبية بشراسة، فكانت النهاية مجزرة حصيلتها 52 قتيلاً و365 جريحاً حسب المصادر الرسمية، وأكثر من 400 قتيل حسب مصادر غير رسمية.

الجماهير التونسية في مباراة تونس والمكسيك في الأرجنتين سنة 1978

 

أما المسار الثاني فكان يدور حول كرة القدم، إذ رسم خططاً وأهدافاً تسجّل ومواجهات ضارية فيها كل ضروب التشويق والإثارة. وقد تولى نسجه كل من الصحفي الرياضي محمد الكيلاني واللاعب السابق خالد القاسمي وعلق عليه أحيانا المخرج نفسه.

وكانت مادته تتمحور حول مشاركة المنتخب التونسي في النسخة الحادية عشرة من كأس العالم الذي دارت نهائياته في بوينس آيرس في الأرجنتين من السنة 1978 نفسها. فالفريق الذي يقوده المدرب عبد المجيد الشتالي ويضمّ عناصر بارزة من أمثال الحارس الصادق ساسي (عتوقة) وطارق ذياب وتميم الحزامي وعلى الكعبي ونجيب غميض؛ هذا الفريق يواجه بنجاح كلاً من منتخبات غينيا ونيجيريا والجزائر والمغرب ومصر، فيصد الحارس عتوقة ركلة اللاعب المغربي فاراس الترجيحية بطريقة مذهلة. ولا تتحمل أعصاب الرئيس الجزائري هواري بومدين هيمنة الفريق التونسي فيغادر الملعب غاضباً. ثم يتفوق الفريق التونسي في مباراة تالية على مصر برباعية، فيتحقق له الوصول إلى بوينس آيرس، ليصبح أول منتخب أفريقي يفوز في نهائيات كأس العالم بفضل ثلاثية لاعبيه ضد المكسيك.

وكادت تونس تترشح إلى ربع النهائي في مقابلتها البطولية مع ألمانيا الغربية، ولكن كرة تميم الحزامي التي "ارتطمت بالعارضة" حالت دون إدراك الهدف، ومن هذه الكرة استقى الفيلم عنوانه، فعبارة "عالبار" هجينة وتعني "على العارضة". وتكريماً لتألق تونس، فقد كافأت الفيفا أفريقيا بإضافة فريق ثان يمثلها في كأس العالم، ليتحول هذا الإنجاز إلى أسطورة يلتقي حولها جميع التونسيين.

أحد لاعبي المنتخب التونسي

 

2- البدايات والنهايات أو رحلة المعنى المضنية

تُظهر المقارنة بين بداية الأفلام المتقنة ونهاياتها مسار المعاني وسبل تطورها، وهذا شأن "عالبار". فتَعرض بدايته مسارين متباعدين: الأول جادّ لا هزل فيه أو ترفيه هو السياسة، والثاني هزلٌ تكفله لعبة كرة قدم.

ولذلك كانت المعلمة والنقابية "نعيمة مفتاح" ترفض وقتها متابعة كرة القدم ولا تبالي أبداً بمسار ترشح المنتخب التونسي في كأس العالم، وكيف لها أن تتسلى وهي المشاركة في الإضرابات والمهددة بالطرد من عملها في كل حين.

وفي الوقت نفسه، تفضي نهاية الفيلم بسلاسة إلى تغيير بالقناعات الثابتة. فالسياسة والرياضة ضربان من اللعب متشابهان مساراً ونتيجة:

فالمنتحب التونسي تبارى مع المكسيك ثم ألمانيا الغربية ثم بولندا، ولكن رهانه لم يتحقق، إذ أنه رغم إبهاره للجماهير لم يترشح للدور الثاني من نهائيات كأس العالم بسبب ارتطام الكرة بالعارضة (عالبار).

وفي المقابل خاض الجناح المعتدل في نظام بورقيبة -المشكّل من وسيلة زوجة الرئيس والطاهر بلخوجة ومحمد المصمودي- مواجهة مع النظام الحاكم وأبلى فيها الحبيب عاشور بلاء حسنا فانسحب من الحزب ودافع عن الطبقات الفقيرة وقاد الإضراب العام، ولكنه انتهى إلى خسارة المعركة، وانهارت محاولته على العارضة (عالبار) بدورها، وفقدت الجماهير العريضة الأمل في إنجاز خارق مرّة أخرى، فسجن الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل ونصف معاونيه، وفشلت الانتفاضة الشعبية وحافظ الحكم على استمراره.

وقد برهن فريق المحافظين الذين يريدون سياسة صارمة من أمثال الوزير الأول الهادي نويرة والأمين العام للحزب ومحمد الصياح على صلابةٍ وتكاملٍ وقدرةٍ على "قراءة اللعب" والقيام بالتغييرات في الوقت المناسب، فاستبدلوا الطاهر بلخوجة بوزير داخلية جديد دموي هو عبد الله فرحات، واستقدموا من المؤسسة العسكرية مدير أمن لا يقل عنه دموية، "أصبح في مستقبل الدهر خطّافاً يصنع بمفرده الربيع" هو زين العابدين بن علي.

ولكن الزمن بلسم كل الجراح، فالأم التي كانت تكره كرة القدم اكتشفت اليوم ولأول مرة أنّ سبب صياح المدينة يوم اللقاء الكروي التاريخي هو كرة تميم التي ارتطمت بالعارضة، فتبدي شيئاً من التعاطف مع المنتخب.

وتعصف بنظام بورقيبة الثورة، ويحرز الاتحاد العام التونسي للشغل جائزة نوبل للسلام لدوره ضمن الرباعي الراعي للحوار في إخراج تونس من دوامة العنف والاغتيالات السياسية إلى مرحلة الاستقرار والديمقراطية.

وهكذا تلتقي الروافد الكثيرة في الفيلم في حوض واحد هو اللعب. وتجسد كل ذلك في كرة القدم بمعناه الحقيقي، ونقصد هنا ما تصنفه الفلسفة باعتباره شكلا من أشكال البحث عن الكيان بطريقة مختلفة عما نعيشه يوميا أو ما تسعى فيه الذات إلى أن تَظهر قوية ماهرة قادرة على الإيقاع بالمنافس بفضل حبك أفضل المناورات.

أما في الحياة السياسية فقد جاء اللعب استعارة مخالفة للاستعمال الحقيقي، فالمواجهة لا تجمع بين متنافسين رهانهم النصر البريء، وإنما بين خصوم سياسيين. وعلى خلاف كرة القدم فلا تمتلك السياسة قواعد محدّدة للعب. فعينها موجهة إلى السلطة، والغاية عندها تبرر الوسيلة. وماذا يعني أن يسقط 400 قتيل؟ فكل التضحيات تهون أمام بريق الكرسي.

ولا يستطيع المرء أن يمنع نفسه وهو يتابع هذا الجمع المبتكر بين السياسة واللعب من أن يتذكر الفيلم الإيطالي "الحياة جميلة" (La vita è bella) من إنتاج 1997 والحائز على السعفة الذهبية بمهرجان كان، فقد جعل مخرجه روبرتو بانيني أحداثه تجري في معتقل نازي، وجعل هدف الأب "غيدو" إخفاء ابنه الصغير عن أعين الجنود النازيين. وحتى لا يربكه أو يجعله يستشعر الخطر أقنعه بأن كل ما يحدث محض لعبة، وأن جائزة من يجمع أكبر عدد من النقاط هي "دبّابة"؛ تلك اللعبة المفضلة لدى الطفل. كما أوهمه أنّ التعليمات الصارمة التي يتلقاها إنما هي قوانين للعبة، وأنّ عمله الشاق في المعتقل مشاركة في هذه اللعبة. ثم تنتهي الحرب وينسحب الألمان المهزومون ويخرج الطفل المختبئ في صندوق صغير. فتظهر دبابة أمريكية تأخذ الطفل وهو يصيح "لقد انتصرنا" معتقداً أنها جائزة مشاركته الفعالة في جمع النقاط.

أما في "عالبار" فتعمل الحبكة على إقناعنا بأن السياسة لعبة، وأن الفائز فيها هو من "يخترق قواعد اللعب النظيف" أكثر.

بورقيبة في فيلم "عالبار" لم يكن غير تماثيل جامدة ملقاة على الأرض

 

3- النبش في الذاكرة أو سنوات الرصاص التونسية

يعود "عالبار" إلى الآثار والأشكال والمضامين ذات العلاقة بالسياسة والتاريخ والفن والإبداع والثقافة والتجارب الفردية والجماعية، فيعيد فيها النظر وينطلق مما تبقى من صور الماضي وأحداثه. فلا يعرض التاريخ ولا يقدّم الحقيقة بكل تأكيد، ولكنه يستدعي الوقائع المشتركة ويعرضها من وجهة نظره الخاصة. وبهذا المعنى يمكن تصنيفه ضمن أفلام الذاكرة.

ولانشغاله بالهمّ السياسي، يستدعي عامةَ رؤساء تونس ما بعد الاستقلال ويعرض صلتهم بهذه الأحداث، فلا يغيب منهم غير المنصف المرزوقي الذي كان بعيدا عن النظام وكواليسه وعن الاتحاد العام التونسي للشغل ونضالاته، في حين يجعل بورقيبة نقطة الارتكاز التي عليها مدار الأحداث، وهذا طبيعي، فهو يمثل هرم السلطة. ولكنّه حضور كالغياب أو أفظع، فهي مجرد تماثيل ملقاة كما اتُّفق، تُجردها كاميرا سامي التليلي من كل جمال، وتعرضها جامدة مهملة ملقاة على الأرض بلا حول ولا قوة.

وهو عكاظيات تحتفل بعيد ميلاده احتفالاً فولكلوريا منافقاً، فلا يرى المتفرّج شيئاً من الرجل الأسطورة الذي كانت وسائل الإعلام والمقررات المدرسية تكرسها، ولم يظهر "بن علي" في الفيلم إلا داخل إطار صورة في مكتب، لكن ظله كان يخيّم على الفيلم كله، فهو مدير الأمن وهو في النهاية مهندس المعالجة الأمنية كلها.

وكانت للوزراء الرؤساء أدوار مختلفة باختلاف مواقعهم، ففؤاد المبزع كان أقربهم إلى الجناح المحافظ، إذ كان وزيرا للرياضة وقتها. وفي ذلك الوقت كان يقع على كرة القدم ملاذ النظام المأزوم وأمله في مشاغلة الجماهير الغاضبة.

أما محمد الناصر فقد كان وزيراً للشؤون الاجتماعية وكان عنصراً فاعلاً في التيار الذي تتزعمه وسيلة. وقد قدّم استقالته مع مجموعة أخرى من الوزراء لإحراج الوزير الأول الهادي نويرة.

وكان الباجي قائد السبسي أبعدهم، فقد كان منسحباً من الحزب وقتها وأقرب إلى المعارضة. ولكن ذلك لم يمنعه من محاولة الوساطة لثني الحبيب عاشور عن تنفيذ الإضراب العام؛ ربما حقنا للدماء، أو بحثا عن دور يعيده إلى الواجهة.. من يدري؟

ويحافظ سامي التليلي على نهجه الذي ظهرت معالمه في فيلم "يلعن بو الفسفاط" وإن بمقاربة جمالية مختلفة، فيسائل فترة حرجة من تاريخ تونس المعاصرة أهملتها الأعمال الفنية وانصرف عن العودة إليها المؤرخون على أهميتها.

ونستثني رواية محمد صالح الجابري "ليلة السنوات العشر" التي اقتبسها إبراهيم باباي للشاشة الفضية بالعنوان نفسه، وينهج نهجاً لا تحفل به السينما التونسية التي تنصرف أكثر إلى تيمات الحريات الفردية والهوية والإرهاب.

وعلى خلاف ذلك، تمثل الذاكرة موضوعاً أثيراً للسينما المغربية في أيامنا هذه، فتكاد تجعل من "سنوات الرصاص" تلك الفترة التي تمتد منذ السنوات الأولى لاستقلال المملكة المغربية في نهاية الخمسينيات إلى أواسط التسعينيات بعد صدور العفو الملكي الشامل بتاريخ 4 يونيو/حزيران 1994؛ زمن أفلامها المفضلة، لتعيد تدبر تلك المرحلة وما شابها من تضييقات على حرية التعبير وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فيوجه بذلك المخرج البوصلة إلى "سنوات الرصاص" التونسية، وينبه إلى أهمية الخوض فيها، منطلقا من المفارقة الخفية بين "عقل الكرة" و"جنون السياسة".

المخرج التونسي سامي التليلي

 

4- أسلوب ساخر وموقف رافض

رغم جدية الموضوع اختار سامي التليلي أسلوبا ساخراً، كأنْ يجعل شريط الصوت مفارقا لشريط الصورة، فينحو الكلام منحى تمجيد منجزات الفريق الوطني، فيما تَعرِض الصور الإهمال الذي يصيب المرافق الرياضية اليوم.

أو كأن توردُ نشرة الأنباء صورة بورقيبة وهو يشرف على سباق الخيول في مضمار قصر السعيد في احتفالات بهيجة محاطاً برجاله، ثم تورد تمثاله في ضاحية حلق الوادي وقد اختفى الرجال من حوله و"تركوا الحصان وحيدا" وتركوا راكبه فاقداً للملامح.

أو كأن يُسقط قانون كرة القدم على السياسة فيمنح لجنون الكرة عقلاً ويضفي شيئاً من الجنون على عقل السياسة المتجمّد.

فــ"المباريات الحاسمة تلعب على التفاصيل"، و"التاريخ لا يذكر إلا المنتصر". أما سقوط أكثر من 400 ضحية فليس أكثر من مجرد تفصيل. ولم تَظهر الموازاة في الفيلم بين لعبة كرة القدم ولعبة السياسة بقدر ما جسّدت هذه الموازاة البنية الضدية.

ففي الأولى لعبٌ مسل ناعم يأخذنا إلى عالم الحلم بالنصر والملاحم، أما الثانية فمدارها المواجهات الدموية. وبدل الحلم والملاحم ننتهي إلى أكوام من اللحم البشري، فليست البنية الضدية والانطباع الهازئ غير موقف يُدين بمقتضاه سامي التليلي الاستهانة بالشعوب والتعامل مع حق الحياة المقدس من منطلق الربح والخسارة. وتطال إدانته الطبقة السياسية الحاكمة وقتئذ وعلى رأسها الرئيس بورقيبة الذي قد تكون أقبح جناياته فرض نفسه رئيساً مدى الحياة، ليكون تاريخه النضالي الضحية الأولى لهذه الجناية.

ومن هنا نفهم نبرة الأسف في العنوان، فعبارة "عالبار" تفيد في الاستعمال اليومي معنى "أوشكَ الأمر أن يقع" أو "كاد الأمر يتحقق". وهي عبارة غير محايدة ترتبط عادة بمسحة من الأسف لعدم إصابة الهدف، فكانت ترثي عدم دخول كرة تميم الحزامي للشباك ظاهراً وتتأسف لعدم انتصار الاتحاد في مواجهته لبورقيبة وقد أوشك الأمر أن يتحقق في الحالين.

المخرج سامي تليلي في إحدى الندوات

 

5-  حكايات تتوازى.. ولكن هل تتفاعل؟

لقد جاء الفيلم عميقاً يستدعي أحلك فترات تاريخ تونس المعاصر ويعتمد مقاربة طريفة تجتهد في جعل كرة القدم توازي السياسة أو تناظرها، فيختلط الجد باللعب. ولكن هذه المقاربة لم تخل أحيانا من تعسّف في الطرح، فبراعته ومكمن حضور سينمائيته شكلٌ من هذا التشابه والتضاد في آن.

ورغم أن الشهادات التي أوردها الفيلم كانت تعلن بأن النظام يعوّل على مسابقات كرة القدم أكثر من مرّة للتخفيف من حدة الأزمة السياسية، فإن انطباعاً بأن هذا التوازي مصطنع يفرضه المونتاج فرضاً ظل يلازمنا بدرجات متفاوتة على مدار الفيلم. فلم نكن نرى التفاعل بين المسارين على الشاشة ولم نلمس فعل أحدهما في الآخر أو التأثير في مساره إلا بمقدار ضئيل أحياناً.