نقد سينمائي

غابور.. السينما في عيني أعمى

عبد الهادي سعدون

في رواية صاحب نوبل البرتغالي خوزيه ساراماغو ”تقرير عن العمى“، يُصاب جميع مَنْ على الأرض بالعمى إلا امرأة واحدة تراقب الآخرين وهم يمارسون حياتهم الظلامية، لتقرر في النهاية أن تشترك في الهمّ ولعبة العتمة، لأنه لا معنى لبقائها وحيدة بعينين مفتوحتين. لكن في فيلم غابور يحدث العكس بشكل مقارب.
حاز الفيلم (68 دقيقة) على جائزة أفضل فيلم تسجيلي لعام 2014 في مهرجان ملقا الإسباني المرموق، وهو من إنتاج إسباني، ومن إخراج الأرجنتيني سباستيان آلفي.

رحلة غابور.. البطل الوحيد

فريق التسجيل بأكمله في العمل ينقاد لنظرة رجل أعمى خلف الكاميرا بوصفه مدير تصوير للفيلم، ليكونوا رهن نظرته الضبابية وهو يراقب ويُصحّح لهم مقاسات الرؤية الحقيقية لنظره البصير. بهذه الحميمية غير المعتادة للتطرق إلى موضوع العمى يمضي بنا فيلم غابور نحو أحراش غابة غير مأهولة، وعلى الجميع التكيف مع أحيائها ومخاطرها ومجازفاتها المترقبة، وهو الرأي نفسه الذي أدركه بطل الفيلم وراح يسير على منواله دون مواربة أو تقاعس.

هنا بطل وحيد عبر دقائق الفيلم، والبقية المتبقية ”كومبارس“ يتابع تحركاته وآراءه وهو يمهد طوال الوقت للقطة القادمة، مع الاستعانة بمساعد مرشد لتحركاته قلّما يأخذ بآرائه.

البطل هو ”غابور بيدي“ مدير تصوير محترف، فقد صوّر العديد من الأفلام في بلده الأم المجر وفي أمريكا وكندا وأوروبا، وساهم في أفلام مخرجين معروفين على شاكلة الأمريكي سبيلبرغ، فقد تعلّم كل شيء من أبيه في أستوديو العائلة أثناء الحكم الشيوعي للبلاد.

بعمر 17 عاما يهرب غابور من بلده بعد أن يزوّر جواز سفره، وتنقله الأقدار إلى كندا. هناك يعمل في شتى الأعمال البسيطة حتى يصل إلى إدارة مطعم يجني من ورائه الأموال، ليفقدها بعد ذلك في ضربة بورصة عام 1980.

يعود غابور إلى بلده المجر، لكن هذه المرة بجواز كندي، وهناك يعاود دراسة التصوير والسينما التسجيلية، ويصور أولى أفلامه عام 1990 ليحصد أهم الجوائز. لكنه لا يمكث طويلا ليغادر مجددا كي يجرب حظه في الولايات المتحدة، وهناك يحصل على شهرة واسعة كمصور في أفلام معروفة وأخرى تسجيلية وفي الإعلانات التجارية.

سافر غابور عام 1994 إلى كولومبيا ليستقر فيها بعد أن عشق وتزوج وأنجب ابنته الأولى، إلا أنه أُصيب بالعمى التام عام 2001، فالشيء الوحيد الذي يؤلمه في العمى هو فقدانه أهم شيء في مهنة التصوير ألا وهو الرؤية.

في لقطات الفيلم المطولة نرى غابور برفقة كاميرته موجهاً الآخرين حسب ما يراه ”في داخله“

مدينة أغلب سكانها عميان

المساعد المرشد لبطل الفيلم غابور ليس سوى مخرج الفيلم نفسه الأرجنتيني سباستيان آلفي. ويحكي المخرج في البداية كيفية الوصول إلى فكرة تنفيذ فيلم مثل هذا.

كان المخرج قد تعاقد مع جمعية ”عيون العالم“ الدولية لغرض تحقيق فيلم قصير عن ”العمى“، والشرط الوحيد هو تصويره في مدينة تقع عند جبال بوليفيا الشاهقة، حيث يعاني أغلب سكانها من الإصابة بأمراض العين التي تؤدي في النهاية إلى العمى الجزئي أو الكلي. في هذه القرية النائية والمنقطعة عن العالم لا وجود لأي طبيب عيون مختص، ومن هنا تنشأ الفكرة.

بوصوله إلى بوليفيا يحاول العثور على أجهزة تصوير أو على مدير تصوير محترف ليساعده في إتمام الفيلم القصير. في المدينة يرشدونه إلى أحد المصورين المعروفين المقيمين مؤخراً في بوليفيا، لكنه عندما يلتقيه يُصاب بالدهشة لأن هذا المصور المحترف -واسمه غابور- رجل ضرير، وقد ترك مهنة التصوير منذ أكثر من عشرة أعوام.

عندما يتحرى الأمر، سيقتنع تماماً بأن فكرة وجود غابور كمصور لفيلم محتمل عن العمى ومتاهاته أشد إدهاشاً من أي محاولة أخرى لتفسير حالة المرض في تلك البقاع النائية. ومن هنا تتم البداية الحقيقية لفيلم لا يتدخل بعدسة كاميرته سوى رجل وحيد هو مدير التصوير الضرير المدعو غابور.

طروحات حياتية غاية في الأهمية نستقيها من فم غابور أو من آراء الناس والمساعدين في الفيلم

غابور.. تسيير البصيرة بلا بصر

نتابع رحلة تصوير الفيلم عبر تقاطعات دالة تكشف لنا إصرار البشر عندما نواجَه بما نحب، وما يمكن أن تعمله الروح البشرية من مقاومة من أجل تذليل كل عائق.

طروحات حياتية غاية في الأهمية نستقيها من فم غابور أو من آراء الناس والمساعدين في الفيلم، فكل واحد يراقب ويرى المسألة من وجهة نظره الخاصة، لكن وجهة النظر ”البصيرة“ ها هنا هي نظرة رجل متمكن من أدواته التصويرية، حتى لو لم يستطع أصلا أن يرى ما يدور أمام كاميرته.

في لقطات الفيلم المطولة نرى غابور برفقة كاميرته موجهاً الآخرين حسب ما يراه ”في داخله“، وكأنه يُسيّر أنامله على صفحات بلغة ”بريل“، فتتحول عبر الأثير إلى صور ومشاهد يدركها المخرج والعاملون معه.

يكشف الفيلم عن تعثرات بشرية واضحة سواء لرجل أعمى أو سليم الرؤية

متاهة بصرية

من هنا يكشف الفيلم عن تعثرات بشرية واضحة سواء لرجل أعمى أو سليم الرؤية، لأن الشرط الإنساني يتعامل مع الآخر بوصفه الندّ المقابل. وهنا يتعامل غابور بعد الحصول على ثقة المخرج وتأييده بكل تلك الأداة المسيطر فيها على أغراضه. مناقشاته مع المخرج لا تخرج عن كونها إعادة النظر لما يمكن أن تكون عليه المشاهد وكيفية معالجتها، أما الكلمة الأخيرة فهو ما يراه مدير التصوير غابور.
حوار بصري عميق في فهم المتاهة الشخصية التي تتحول بمرور الوقت إلى متاهة جماعية تُشرِك الآخرين في حلولها وفي مصاعبها.

طوال دقائق الفيلم هناك مجادلات عن الحقيقة والوجود والبشر في متاهات الروح والجسد على حد سواء، إلى درجة تدرك من تلقائية غابور وطروحاته فيها أنك أمام رجل يفسر لك الرؤية الصائبة من خلف زجاج مُعتم. لكن مَنْ منا -تبعاً لجملة منفرطة في الفيلم بمثابة تعليق غير معلن- يستطيع القول إنه يرى الواقع والحقيقة كما هي حقا؟

بعد الانتهاء من مشاهدة هذا الفيلم سنتذكر وحسب جملة الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس (فقد بصره في شبابه) عندما سُئل كيف يرى العالمَ الآن من متاهته البصرية؟ فأجاب بأنه كان قبل ذلك ”غير متأكد من رؤيته“، أما اليوم وقد غطس في عماه المتناهي فقد أصبح متأكدا تماما من رؤيته.