نقد سينمائي

"غزة غراف".. غزة بين صورتين

أسماء الغول

تمر مئات الصور الفوتوغرافية عن غزة في الماضي خلال فيلم "غزة غراف" للمخرج الشاب يوسف نتيل، صور قديمة وباهتة لحيوات وشوارع وأشجار كانت يوما على هذه الأرض. ولأنك لم تشهد غزة زمن العشرينيات والثلاثينيات يصبح من الممكن أن ترسمها في عقلك إذا ما شاهدت هذه الصور، فالفارق لا يمكن تخيله، حيث يتركك صامتا وأنت تشاهد تغيرات تاريخ المكان الذي تحب.

ليس عرض الصور الأرشيفية هو هدف الفيلم بقدر ما يريد المخرج أن يعود بنا إلى حكاية الصورة الأولى، والطريقة التي دخلت بها الكاميرا إلى قطاع غزة، حيث يتوه أحيانا، وأحيانا يصل إلى يقين فيأخذنا معه في رحله بحث عن أول صورة وأول مُصوّر.

يجد المخرج أن أقدم الصور لغزة كانت في القرن الثامن عشر خلال الحكم العثماني، ثم تتلاحق الصور خلال الحرب العالمية الأولى، وهكذا نرى تاريخ غزة وأحداثها في الماضي عبر رحلة من الصور القديمة التي لا تؤدي بك سوى إلى نتيجة واحدة؛ غزة ما هي إلا أرض مغامرات كانت وستبقى.

ليس عرض الصور الأرشيفية هو هدف الفيلم بقدر ما يريد المخرج أن يعود بنا إلى حكاية الصورة الأولى

غزة بين ماضيها وحاضرها

يبدأ الفيلم حين يدخل المخرج نتيل أحد الفنادق العريقة في مدينة غزة، فيرى عددا من الكاميرات القديمة أبرزها كاميرا من نوع "الكاميرا الجافة المربعة" (Dry Plate Camera Box Camera)، إضافة إلى صور معلقة بالأبيض والأسود لمناطق من قطاع غزة، وهو ما أشعره بالفضول نحو مُلتقِط هذه الصور التي تعود إلى عام 1936.

يقول المخرج نتيل للجزيرة الوثائقية "لم أتخيل أننا في غزة كنا نمتلك هذه الكاميرات، إضافة إلى ميناء وسكة حديد كما ظهر في الصور، فمقارنة بالوضع اليوم كانت غزة تعيش أوضاعاً أفضل بكثير، تخيلوا أن ماضي غزة كان على الدوام أفضل من حاضرها ومستقبلها". ويتابع "صورت رحلتي خلال البحث عن أول المصورين في غزة، ووجدت أنهم من الأرمن الذين هربوا إلى هنا من المذبحة التي ارتكبت بحقهم".

أما الشيء الآخر الذي توصل له نتيل في رحلته هذه أن غزة كانت مثل أي مدينة في العالم فيها الحياة والتطور، لذلك كان من الطبيعي أن تدخلها الكاميرات، على عكس اليوم فهي تعيش حصارا منذ 12 عاماً، ولا تشهد التطور الطبيعي للمدن الذي قد تلحظه عبر صورها طوال العقود الماضية، بل تتراجع.

يقول نتيل "مهنة التصوير الآن تطورت في غزة لكن ليس في إطار الفن وتوثيق الحياة والناس والأفراح كما كانت في السابق، بل تطورت كمهنة إخبارية تفرض على الصحفيين صور الدم والكوارث".

توصل لهنتيل في رحلته هذه أن غزة كانت مثل أي مدينة في العالم فيها الحياة والتطور

بين الكاميرا والمخرج

وربما هذا التورط الكبير بين الكاميرا والمخرج جعله جزءاً من الفيلم منذ أول مشهد فيه، بل أيضاً الراوي باللهجة العامية، والمُحاور أيضاً خلال المقابلات التي أجراها مع المصورين الفوتوغرافيين والمختصين في توثيق نادر لحكاية التصوير في غزة.

كان أبرز ما اتفق عليه الجميع أن الأرمن أدخلوا المهنة لغزة، وتحديداً على يد كل من المصورين كيغام وهيرنت وكوكو وأبو بنيامين، كما علّموا أبناء غزة التصوير قبل أن يرحلوا.

وربما الأبرز في فيلم نتيل إلى جانب خلوّه من النساء تماماً هو أن أغلب صور غزة الأرشيفية تم التقاطها خلال عهود عدة؛ عهد الخلافة العثمانية ثم الانتداب الإنجليزي وصولاً إلى عهد الاحتلال الإسرائيلي، لكن عهدا عن عهد يختلف، كما أن حرباً عن حرب تختلف، فاليوم القتل والخراب والحصار في الصور أضعاف ما كان.

في نهاية الفيلم تشعر أن عمر المخرج كان من عمر غزة

من نسخة قصيرة إلى طويلة

وعُرض فيلم "غزة غراف" لأول مرة في نسخة قصيرة لمدة 40 دقيقة في كل من شيفلد ولندن ومانشيستر ضمن مشروع "الماضي في الحاضر" الذي تنفذه جامعة شيفلد في بريطانيا، وذلك قبل أن يتم تطويره إلى 65 دقيقة إيذانا بعرضه في مختلف المهرجانات العالمية خلال الشهور القادمة.

ولم يستطع المخرج يوسف نتيل حضور أول عرض لفيلمه بعد مماطلة في الرد على طلب "الفيزا" من قبل السلطات البريطانية، على الرغم من وجود الدعوة الرسمية والضغط الإعلامي على السفارة البريطانية في الأردن. وهي ليست المرة الأولى التي تقوم بها بريطانيا برفض أو تأخير الرد على تأشيرات فنانين وسينمائيين من قطاع غزة لحضور فعاليات ثقافية وفنية هناك.

يعمل على الفيلم طاقم منذ عام 2012، وقد بدأ الإنتاج الفعلي عام 2015، حيث مر خلالها بفترات من البحث المعلوماتي والكتابة وبناء ديكورات خاصة وتحديد الشخصيات ومن ثم بدء التصوير، وبطاقم مكوّن من يوسف نتيل كمخرج وكاتب العمل إلى جانب الكاتب محمود جودة ومنتصر السبع، وإشراف كل من كين فيرو وعزة الحسن، أما مدير التصوير فهو حسين جابر مع طاقم التصوير الذي تضمن كلا من خالد طعيمة ومحمد نتيل وسلمان النواتي، والمنتج حسين عودة، ومنتج منفذ أناندي رميثري وحنا عطا الله، وفي المرحلة الأخيرة قام بالمونتاج كل من نتيل ومنتصر السبع.

وتطور مشروع الفيلم بعد دعمه من قبل منحة "دعم إنتاجات وممارسات فنية معاصرة من قطاع غزة"، والمقدّمة من كل من مؤسسة عبد المحسن القطان والمركز الدانماركي للثقافة والتنمية، أما خلال مرحلة الإنتاج فقد دعمته وزارة الثقافة الفلسطينية "الصندوق الثقافي"، و"فيلم لاب: فلسطين"، و"جامعة شيفلد هالام، وأخيراً شركة "سكيلز ميديا للإنتاج" التي يديرها نتيل نفسه.

غزة.. بين الألق والحرب

في نهاية الفيلم تشعر أن عمر المخرج كان من عمر غزة، فقد بدأ بصور الماضي الأبيض والأسود من زمن الألق، في حال كانت غزة عاشت الألق يوماً ما، وصولاً إلى زمن الحرب والقتل وأزيز الرصاص، حيث آخر المشاهد على حدود القطاع خلال مسيرات العودة، ومن ثم ليوسف في مكتبه بين مئات الصور قائلاً "الصورة الحلوة بتختفي، بتصفي تفاصيل مش مهمة قدام صور الدم والدمار، غزة اليوم مليانة صور حلوة، بس كلنا مفروض علينا ننزل نصوّر الصورة التي يفرضها علينا الحُكام".