نقد سينمائي

”فورمان يواجه فورمان“.. سيمفونية عذبة عن الحرية

 

خالد عبد العزيز

يقول المخرج التشيكي ميلوش فورمان ”على المخرج أن يكون مخرجا وكاتبا وممثلا ورساما، فالمخرج الجيد هو الذي يختار أشخاصا يُتقنون هذه الأشياء أفضل منه“. وبالنظر إلى أفلام فورمان سنجد أنها تنتمي إلى السينما الخالصة، أي السينما التي تتعاطى وتشتبك مع القضايا الإنسانية الكبرى، فقد حاول من خلال الفن السينمائي التعبير عن همومه وأفكاره بشكل فني بليغ ومُعبر إلى أقصى درجة.

من هذا المنطلق يأتي الفيلم التسجيلي التشيكي ”فورمان يواجه فورمان“ (2019) (Forman Vs. Forman)، وهو من إخراج جاكوب هينغا وهيلينا تريستكوفا، وعُرض في الدورة الـ72 من مهرجان كان السينمائي الدولي.

يُسجل الفيلم حياة فنان السينما المخرج التشيكي الكبير ”ميلوش فورمان“، وذلك بدءاً من ولادته عام 1932 حتى وفاته عام 2018، فالفيلم يحتفي بمرور عام على وفاة ذلك الفنان المبدع الذي قدّم للسينما العديد من الأفلام الهامة التي تُعد الآن من كلاسيكيات السينما، وبالتالي جاء توقيت عرض الفيلم في مهرجان كان هذا العام (أي بعد عام تقريبا من وفاة فورمان) تحية له ولذكراه.

صحيح أن الفيلم يتخذ من حياة ميلوش فورمان خطاً أساسياً واتجاهاً واضحاً له، فعبر طول مدة عرض الفيلم (77 دقيقة) لا نرى سوى ”فورمان“ عبر مراحل حياته المختلفة في كافة تفاصيلها، لكن هذا المنحى ما هو إلا طبقة أولى من طبقات قراءة الفيلم والتعاطي معه، فالفيلم يحوي بين طيّاته جانباً لا يقل عمقا عن حياة فورمان الفنية والشخصية، فهو تأريخ لتلك الفترة الحساسة التي عاصرها فورمان بدءاً من النصف الثاني من القرن العشرين وما تحويه تلك الفترة من صراعات وأزمات حرجة لا تخلو بالتأكيد من الإثارة والتشويق.

فورمان اليتيم

وُلد ميلوش فورمان لأب يهودي وأم مسيحية لقيا مصرعهما داخل معسكرات الاعتقال النازية، ليصبح بعدها فورمان يتيما وحيدا وهو لم يتعد العاشرة بعد، لتجذبه السينما بعوالمها الساحرة ويُصبح أسيراً لها حتى نهاية حياته.

يصف فورمان دخوله صالة العرض السينمائي للمرة الأولى حينما كان في السادسة من عمره برفقة والديه، وذلك في أعقاب الغزو النازي لتشيكوسلوفاكيا قائلاً ”كان الفيلم صامتا عن إحدى الأوبرات الشهيرة، ومع ذلك بدأ الجمهور في الغناء طوال الفيلم، أحببتُ ذلك جدا وقررتُ أن أصبح صانع أفلام، لأن الأفلام لا تُنسى“.

قراءات مُتعددة

يبدأ الفيلم بمشهد أرشيفي على نغمات الموسيقى الكلاسيكية نرى فيه فورمان في عمر الأربعين تقريبا وهو يركض في حديقة منزله والكاميرا تقترب منه ببطء حتى تلتقطه من زاوية سفلية، ليبدو جسده في حجم مُضخّم وكأنه يحوي مهابة ما، ثم يقول بتلقائيته وصراحته المعهودة ”أتجنب دائما تحليل شخصيتي، فكل ما يعنيني وأستمتع به هو رواية القصص“.

من هذا المشهد ينطلق الفيلم ساردا حياة فورمان منذ ولادته ونشأته، مرورا ببدايات عمله في السينما، حتى وصوله لأعلى درجات المجد في منتصف السبعينيات، لكن هذه الرؤية تحوي بداخلها رؤية أخرى أعمق، فهذا مجرد شقّ أولي لقراءة الفيلم وفهمه، فالسرد لا يحوي قصة حياة فورمان فحسب، لكنه يُقدم نظرة بانورامية لتاريخ أوروبا المُعاصر بكل فتراته الصعبة.

اعتمد الفيلم بالكامل على الصور والمشاهد واللقطات الأرشيفية، سواء من خلال بعض اللقاءات التي صورها فورمان طيلة حياته الفنية، أو كواليس أفلامه التي تُصوّر مراحل صناعتها وإبداعها، بالإضافة إلى الشقّ الآخر وهو اللقطات التاريخية التي تُصوّر الصراعات والنزاعات التي جرت خلال القرن العشرين، مثل الحرب العالمية الثانية، وغيرها من الأحداث الهامة التي شكلت طفرة وتغيرا حقيقيا في مسار تاريخ العالم. لنجد أن تلك الرؤيتين تتكاملان وتتحدان معا لتشكيل إطار الفيلم الذي اتخذ من حياة فورمان رؤية جديدة للتاريخ المعاصر.

وكأن الفيلم يُقدم إعادة قراءة للأحداث سواء الفنية أو السياسية، فكلاهما يتكاملان معا ولا انفصال بينهما، وبالأخص حينما يكون الحديث عن مخرج مثل ميلوش فورمان الذي اتخذ من الحرية همّا أساسيا يُعبّر عنه في أفلامه.

في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1938 بدأت القوات النازية في الهجوم على تشيكلوسلوفاكيا

تاريخ شخصي بنكهة عامة

في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1938 بدأت القوات النازية في الهجوم على تشيكلوسلوفاكيا، لتنضم هذه الدولة الصغيرة إلى دول الرايخ الألماني بقيادة ”أدولف هتلر“. في تلك الأثناء بدأ وعي فورمان في النمو شيئا فشيئا، لتتقاطع المشاهد الأرشيفية التي تصوّر الهجوم الألماني بصحبة صوت المعلّق الذي يسرد الظروف والملابسات التاريخية، مع مشاهد فورمان وهو يروي القصة من زاويته الشخصية، فالسرد يتدفق في إيقاع محكم لا يخلو من متعة.

ترتبط ذكريات فورمان الخاصة بالأحداث العامة، فالعام امتزج مع الخاص وأثّر فيه، ليُصبغ ذلك الخاص برؤية جديدة تُكتشف من حكي فورمان عن حياته، وبالتالي تُصبح شخصيته هي الأخرى وبناؤها مُتأثراً بكل تلك الأحداث التي عاصرها، فالبداية مع الحرب العالمية الثانية وفقده لوالديه.

في أحد المشاهد يروي فورمان بأسلوب سينمائي مشوّق كيف وقع والداه ضحية رجال الجستابو (البوليس السري الألماني)، صوت فورمان القوي وهو يسرد بذاكرة حيّة لا تُثقب أبداً مشهد القبض على والديه، مع تداخل المشاهد الأرشيفية لمنزل العائلة في التشيك، ليصبح المشهد وكأننا نرى فيلماً روائياً مُطعما بالإثارة والتشويق.

في أحد المشاهد يروي فورمان بأسلوب سينمائي مشوّق كيف وقع والداه ضحية رجال الجستابو

إرهاصة فورمان الأولى

يستكمل فورمان حكايته حتى يصل لمرحلة المراهقة، فبعد انتهاء الاحتلال الألماني تتحول تشيكوسلوفاكيا إلى معسكر اشتراكي، وفي تلك الأثناء يبدأ فورمان دراسته للسينما في أكاديمية الفنون في العاصمة التشيكية براغ، ويشتري أول كاميرا فيديو صامتة طراز 16 ملم، وهو ما يتحدث عنه فورمان قائلا ”وفجأة تجعلني هذه الكاميرا الصامتة أشعر بحريتي وكأنني عصفور“.

فورمان الذي أخرج الفيلم التسجيلي ”تجربة الأداء“ عام 1964 لتصبح بوابة دخوله عالم السينما؛ عاد عام 1965 ليعرض أحدث أفلامه وقتها ”غراميات شقراء“ في مهرجان فينيسيا السينمائي، ليكتشف العالم -حسب قوله- ”أن وراء ذلك الستار الحديدي في تشيكوسلوفاكيا فن سينمائي رفيع لا يعرف أحد عنه شيئاً“، كما يلفت نظر صنّاع السينما ونُقادها إلى اسم فورمان، وإلى الموجة التشيكية الجديدة في السينما، فهذا الفيلم يُعد الإرهاصة الأولى لأفكار فورمان، وهما التعبير عن الهمّ الاجتماعي وقضية الحرية، فقد انتقد فورمان في الفيلم النظام الاشتراكي في التشيك بقوة وجرأة لازمتاه طويلا، ولم يتخل عنهما أبداً.

احتوى هذا الجزء من الفيلم على مادة وثائقية مذهلة تصور وقائع مهرجان كان حينها

شاهد على التاريخ

تندلع مظاهرات الطلبة والشباب عام 1968 أثناء مهرجان ”كان“، لتتجه قوافل الطلبة والمُحتجين نحو المدينة الهادئة بقيادة ”جان لوك جودار“ و“فرانسوا تريفو“، فيقرر فورمان حينها سحب فيلمه الشهير ”حفل رجال الإطفاء“ من المسابقة الرسمية تضامناً مع مطالب ثورة الشباب، هذا الفيلم الذي يُعد من أبرز أفلام الموجة التشيكية الجديدة، حيث قدم فيه جرعة نقد مكثفة للنظام الاشتراكي لا تخلو من سخرية.

احتوى هذا الجزء من الفيلم على مادة وثائقية مذهلة تصور وقائع مهرجان كان حينها، بالإضافة إلى مشاهد متفرقة تصور مظاهرات الاحتجاج الطلابية التي اندلعت من فرنسا لتنطلق نحو العالم أجمع، فالعالم في الستينيات ليس هو العالم من قبلها ولا بعدها، وذلك مثلما قال الكاتب محمد حسنين هيكل ”القرن العشرين أهم عصور التاريخ الإنساني، والستينيات منه أهم الحقب فيه“.

في تلك الفترة الحساسة من عمر العالم قامت القوات السوفياتية في شهر أغسطس/آب 1968 بغزو تشيكوسلوفاكيا، فالمشاهد النادرة للدبابات السوفياتية وهي تتقدم في العاصمة التشيكية براغ، تتداخل مع صوت فورمان وهو يسرد تلك الذكريات الأليمة، وهنا يتداخل العام مع الخاص، وتتحد طبقات ومستويات الفيلم معا، أي الجانب الشخصي لفورمان مع التغيرات التاريخية، ويصبح العام دافعاً لتغيير الخاص، لتتغير حياة فورمان بشكل كامل في أعقاب هذه الأحداث، ويغادر بلاده إلى فرنسا ومنها إلى الولايات المتحدة، لتصبح هذه الفترة من حياته هي الأغزر والأجود على المستوى الفني، وأكثر تقديرا أيضا.

لا يتوقف فورمان عن نقد المجتمع، فنجده في فيلم ”شَعر“ يُقدم جرعة مكثفة من النقد الاجتماعي لعصر السبعينيات وثورة الهيبيز

روح الفنان

من بين الأفكار التي عَبّر عنها الفيلم تظل القضية الأبرز هي فكرة الفنان والتعبير عن ذاته وهمومه؛ كيف يتعامل الفنان مع القضايا الإنسانية الكبرى، وهل يُمكن أن يُعبّر عن رؤيته بوضوح؟

في هذا الجزء من الفيلم الذي يُعد الأكثر حيوية يدخل المتفرج عقل فورمان ليقرأ أفكاره ويتعاطى معها، فالقضية الأبرز التي عبر عنها دائماً في أفلامه هي الحرية، ففي فيلمه الأبرز ”طار فوق عش الواق واق“ (1975) (حاز عنه فورمان جائزة الأوسكار) يُعبر عن قضية الحرية بشكل رمزي، وذلك من خلال الأحداث التي تدور في أحد مستشفيات الصحة النفسية ومعاناة المرضى مع الممرضة التي تتولى شؤونهم.

لا يتوقف فورمان عن نقد المجتمع، فنجده في فيلم ”شَعر“ (Hair) (1979) (ثالث أفلامه في الولايات المتحدة) يُقدم جرعة مكثفة من النقد الاجتماعي لعصر السبعينيات وثورة الهيبيز، ويقف أيضاً مع الحرية، فنجده يوجه نقداً مُبطناً للسياسات الأمريكية خاصة حرب فيتنام وتعامل الحكومة وقتها مع المظاهرات ضد التمييز العنصري.

يستكمل فورمان رؤيته والتعبير عنها في فيلم ”أماديوس“ (1984)، وفي هذا الجزء من الفيلم يروي فورمان تجربة تصوير الفيلم في بلده التشيك، تدور الأحداث حول حياة الموسيقار الألماني ”فولفغانغ أماديوس موتسارت“، وبالتالي قرر فورمان تصوير الفيلم بالكامل في التشيك، حينها استنفر الأمن التشيكي وقرر مراقبة فورمان وفريق العمل.

هنا تتخذ الصورة طابعا تلصصياً، بمعنى أن زوايا التصوير تلتقط فورمان أثناء تصوير الفيلم من أماكن ليست مرئية بشكل كاف على إيقاع صوت التقاط الصور الفوتوغرافية بما يوحي بالخطر، وهنا يتداخل التسجيلي مع الروائي وينسجما معا ليُعبرا عن الفكرة.

بعد سنوات من الأفلام الناجحة قدّم فورمان فيلمه الأخير ”أشباح غويا“ (2006)، لكنه لم يلقَ النجاح المرجو

إخفاق مفاجئ

بعد سنوات من الأفلام الناجحة قدّم فورمان فيلمه الأخير ”أشباح غويا“ (2006)، لكنه لم يلقَ النجاح المرجو، حينها قرر فورمان التوقف عن الإخراج والاتجاه إلى تدريس مادة السينما في جامعة كولومبيا، حيث قدّم الفيلم في تلك الفترة بأسلوب شاعري عذب، وذلك بتجميعه المادة المصورة معه في منزله برفقة أولاده وهو يستمتع بحياته الهادئة، أو وهو يلعب برفقة كلبه في حديقة منزله، لينتهي الفيلم بنفس مشاهد البداية وفورمان يركض في حديقة منزله بمصاحبة الموسيقى الجنائزية، وهو يُخبرنا بأنه يعلم بأن الإنسان ليس خالدا في كل الأحوال، لتكتمل دائرة حياته مثلما بدأت، لكنها هذه المرة وهي مليئة بالنجاح الأسطوري والإخفاقات أيضا.

حياة عاصرت وشاهدت الكثير من التطورات التاريخية العالمية، لنصبح دون شك أمام تحفة سينمائية تستحق التحية عن فنان وهب حياته ليس للفن السينمائي فحسب، بل للتعبير عن حرية الإنسان في كل عصر وأوان.