تقارير

في مسألة التحرش.. هل تتحوّل الفضيلة إلى مخلب قط؟

 

الفنان المصري هشام عبد الحميد

حققت حركة "وأنا أيضا" (Me Too) تأثيرا واضحاً وقوياً على المجتمع الهوليودي في الولايات المتحدة، ولعل انطلاقها ساهم في تشكيل قوة اجتماعية قد تُهدّد مفهوم الحرية الشخصية التي حارب الغرب لأجلها في القرون الغابرة كي تتحقق، وكي ينعم الناس بإقامة قوانين تُحقق الحرية والعدل والمساواة، ولكن ما الذي حدث؟ دعونا نأخذ الخيط من أوله.

هارفي وينستن مؤسس شركة "ميرا ماكس" والمدير التفيذي لها

 

أول الغيث

ظهرت حركة "وأنا أيضا" (Me Too) عام 2016 على خلفية اتهامات بالتحرش لـ"هارفي وينستن" مؤسس شركة "ميرا ماكس" والمدير التفيذي لها، حيث قدّمت هذه الشركة تحت إدارته أهم الأفلام الأمريكية خلال العشرين سنة الماضية على الأقل.

اتُّهم هارفي باستغلاله لمنصبه، وبإجباره الممثلات على الانصياع لرغباته كي يحصلن على دور مهم سواء في السيناريو أو التمثيل.

وقد انبرى في الهجوم والكشف عن المستور العديد من الممثلات، منهن أنجلينا جولي وآشلي جاد وروز ماكفاون وروتانا آركيت وغيرهن، وتنوعت الاتهامات بين الرضوخ تحت الضغط، أو الذهول والتوبيخ، ونتيجة لذلك أُقِيل هارفي من منصبه.

وقد شكّل هذا انفجارا في مجتمع هوليود، وتشجعت أخريات على اتهام آخرين، منهم العديد من النجوم مثل مات ديمون ورسل كرو وأوليفر ستون، والممثل الأسترالي المرموق "جيفري راش" الذي اتهمته ممثلة بالتحرش بها في واقعة من 15 سنة قائلة "لقد استغل حميمية المشهد على خشبة المسرح، وتمادى بيديه بشكل غير لائق". هذه الواقعة نفاها راش جملة وتفصيلا، بل وكلّف محاميه برفع دعوى قضائية ضد الصحيفة البريطانية التي نشرت الخبر.

ومما هو جدير بالذكر أن دَخْلَ راش خلال ستة أشهر انخفض من مليون ونصف مليون دولار إلى أربعين ألف دولار فقط، وذلك جراء هذا الاتهام، فقد كان راش مثالا للمهنية الاحترافية المنضبطة، لكن كل هذا بات في مهبّ الريح نتيجة لهذا الاتهام.

أهم ضحايا حركة "وأنا أيضا" الفنان الكبير "كيفين سبيسي"

 

التحرش ومكارثية الاتهامات

وقد نالت الاتهامات أيضا رئيس شركة أمازون وتمت إقالته بسبب ذلك، ولكن أهم ضحايا حركة "وأنا أيضا" الفنانين الكبيرين "كيفين سبيسي" و"ودي آلان".

فقد شكّلت الاتهامات التي طاردت هذين الفنانين تحديداً (كيفين سبيسي وودي آلان) منحى شديد الخطورة على حياتهما المهنية، وذلك على نحو يُذكرنا بهروب المخرج الكبير "رومان بولانسكي" من الولايات المتحدة الأمريكية قاصدا باريس إثر اتهامه باغتصاب فتاة قاصر تحت السن القانونية في منزل صديقه جاك نيكلسون، وقد حكم القاضي عليه بالسجن.

وعلى الرغم من مرور أكثر من عشرين عاما على الواقعة وتنازل الفتاة عن القضية وإعلانها عن مسامحته على فعلته؛ فإن القضاء الأمريكي رفض تنازل الفتاة، وأصرّ بشكل مكارثي على القبض عليه وسجنه.

نعود إلى المخرج الكبير "وودي آلان" واتهامه باستغلال ابنته بالتبني والتحرش الجنسي بها، وذلك بشهادة زوجته وابنته معا. وقد دافع آلان مرارا وتكرارا عن براءته من هذا الاتهام الباطل شكلا وموضوعا، إلا أن هناك إصرارا على إدانته، حيث وصل الأمر إلى تخلّي شركة أمازون عن تمويل فيلمه "يوم مطير في نيويورك"، فاضطر آلان أن يلجأ إلى شركة إسبانية لإنتاج وتمويل فيلمه.

أما "كيفين سبيسي" فقد أُخِذ منه موقف أشدّ مكارثية على خلفية اتهامه من قِبل شاب بمحاولة التحرش الجنسي به، وذلك في واقعة تعود إلى أكثر من عشرين عاما مضت. وقد أكّد كيفين أنه لا يتذكر تلك الواقعة على وجه التحديد، لكنه قَدّم اعتذارا إلى الشاب يأسف إذا كان وقع منه أي سلوك سبّب له أي شيء من الضيق تضرر منه.

ومع هذا الاعتذار أعلن سبيسي عن مثليته واعترف بها، ورغم كل هذا اتُخّذت إجراءات مكارثية غير مُبررة ضده، فقد استبعده المخرج ريدلي سكوت من فيلمه "كل مال الدنيا" بعد تصويره أكثر من 20% من دوره، فاستبدله بالممثل كريستوفر بلامر، وأُعيدت مرة أخرى الديكورات كي تستقبل الممثل الجديد.

هذا وقد أُقيمت دعوى قضائية ضد سبيسي. ورغم براءته من فعل التحرش وإنصاف القضاء له، فإن هناك إصرارا مكارثيا مُسيئا وغريبا ضدّه بالإعلام والصحافة للمطالبة بإدانته، ومن ثم القضاء عليه مهنيا. لكن لمصلحة مَنْ القضاء على موهبة كبيرة بحجم موهبة كيفين سبيسي؟

صورة لهارفي وينستن يسلّم فيها نفسه للشرطة بعد اتهامات بالتحرش الجنسي

 

الفضيلة.. هل تتحول إلى مخلب؟

بالطبع لا يُدافع كاتب هذه السطور عن التحرش الجنسي، لكن هناك أسئلة عدة تطرح نفسها: ما هي الـمعايير التي تُثبت بما لا يدع مجالا للشكّ واقعة التحرش الجنسي؟ وهل يصحّ الاتهام بعد مرور مدة زمنية طويلة؟

إن المسألة معقدة حقيقة، لكن أخشى ما أخشاه أن تصبح الفضيلة مخلب قط للتخلص مهنيا أو سياسيا من الأشخاص المُراد إسكاتهم.

لنؤجل نظرية المؤامرة قليلا ونتناول المسألة بشيء من التأمل، فعلى سبيل المثال قال هارفي وينستن "جميع الممثلات أقاموا معه علاقات بمحض إرادتهن ولم يمارس ضغوطا عليهن". ولكن أليس من الغريب والمريب أيضا أن الممثلات اللواتي ارتضين إقامة علاقات بعد ضغط من وينستون أنهن لم يقمن بفضحه مباشرة، بل انتظرن كل هذه السنوات الطويلة؟ أي انتظرن إلى ما بعد نيلهن الشهرة والمجد والملل من أدوارهن التي أسندها لهن.

بمعنى أدق، لقد كن بمنتهى البراغماتية والنفعية في سعيهن لاستثمار اللحظة حتى لو افترضنا جدلا أن التحرش كان رغما عنهن. والمدهش أيضا أن براءة فنانين كبار مثل كيفن سبيسي وودي آلان كانت قد أُقرت قضائيا، ورغم ذلك استمرت حملات اغتيالهم معنويا ومهنيا أمام هذا المشهد العبثي بكل تناقضاته وقسوته.

وهنا أنا أتساءل: هل نحن مُطالبون بأخذ الشائعات عن التحرش كما هي، أم أنه يجب أن نفكر ولو قليلا في براءة المتهم؟

ظهرت حركة "وأنا أيضا" (Me Too) عام 2016

 

"وأنا أيضا".. هل تسحق الأبرياء؟

لماذا تصر حركة "وأنا أيضا" على سحق الأبرياء؟ هل نحن مقبلون على مرحلة انغلاق حضاري للمجتمعات الإنسانية كي نعيد مرة أخرى المجتمع الإنساني إلى عهود محاكم التفتيش حيث يُؤخذ الناس لمجرد الشك في نواياهم؟

في تصوري أن علاقة المجتمع الفني يجب أن تقوم على نوع من الثقة والانسجام، فإذا فُقدت هذه الروح وساد التنمر والشك، سنجد يوما أن أي ممثلة قد تتهم ممثلا بأنه قد تحرش بها أثناء سلامه عليها باليد وقرصها في يدها.

نعم ستصبح الصورة شديدة العبثية ومُضحكة إلى حد البكاء، والملفت أيضا أننا نسمع للشاكي أو الشاكية باتهام من يشاؤون، بل ونصدق اتهامهم ولا نصدق الطرف الآخر، على افتراض أننا يجب أن نُعير الاهتمام للشاكي كونه بدأ بالشكوى، حتى لو برّأت المحكمة ساحته.

ظهرت أصوات أخرى تناهض حركة "وأنا أيضا" الأمريكية، وأبرز هذه الأصوات صوت الفنانة الكبيرة "كاترين دي نيف"

 

أصوات مُناهضة لـ"وأنا أيضا"

أمام جنوح حركة "وأنا أيضا" الأمريكية الصنع بالأساس ظهرت أصوات أخرى تناهضها ومركزها فرنسا، وأبرز هذه الأصوات صوت الفنانة الكبيرة "كاترين دي نيف" والفنانة الكبيرة "بريجيت باردو"، حيث دافعتا عن قيم الليبرالية والحرية التي ناضل الغرب طويلا لينعموا بها اليوم، وأن الفن جزء من الجمال، والمرأة مكَوّن أساسي للحياة بشكل عام، وأن علاقة المرأة والرجل لا بدّ أن يكون مصدرها الثقة المتبادلة.

كما رفضتا جنوح حركة "وأنا أيضا" وأبدتا قلقهما من آلياتها المبالِغة، مُعربتين عن أن المرأة هي الجمال، ومن الطبيعي أن يُسجّل الرجل إعجابه بها بشكل متحضر، ومن الخطورة بمكان أن تُقمع هذة الطبيعة بطرق متعنتة قد يكون لها علاقة بتصفية الحسابات أو الابتزاز والكيد.

الملياردير الأمريكي "جيفري إبستن" مع صديقه ترامب

 

صديق ترامب المهووس بالفتيات

يحضرني هنا واقعة انتحار الملياردير الأمريكي "جيفري إبستن" في محبسه، وهو الملياردير المهووس بالفتيات القاصرات وباستغلالهن جنسيا، بل وتصديرهن والمتاجرة بهن، مُستغّلا حاجتهن إلى المال وظروف معيشتهن المتدهورة.

وبالطبع هذه الجريمة حقيقة نكراء إنسانيا وقانونيا، لكن هناك سؤال مؤرّق بهذا الشأن: لماذا تم اكتشاف أمر المليادير فجأة؟ وكيف سكت البلد ذو القوانين المتحضرة وقتا طويلا على جرائمه، أم أن الجميع كان يعلم لكنه كان صامتا وقد يكون مشاركا، ولا سيما أن الملياردير كانت له أواصر قوية ووطيدة بكل مراكز النفوذ؟

لقد كان ترامب من أعز أصدقائه، كما وصفه ترامب بأنه رجل مُقبل على الحياة ويحب النساء الجميلات مثله تماما، وأنه دون شك محظوظ لأنه يعرف كيفية الاستمتاع بحياته.

لقد كان صديق الفنانين أيضا، ومن المصادفات أن وودي آلان وكيفن سبيسي كانا من أعز أصدقائه، وأيضا الأمير آندرو، ودوق يورك، ونجل الملكة إليزابيث الثانية هم كذلك من أصدقائه.

ويأتى ارتباط اسمه بفضيحة جنسية مع إحدى القاصرات اللواتي يشتغلن مع الملياردير، والتي أبلغت عنه الشرطة بعد مرور سنين من الواقعة.

 

 

صمتٌ حين يجب الحديث

لماذا سكت الجميع حينما وجب عليهم أن يتكلموا، ولماذا تكلموا حينما وجب أن يصمتوا؟ الجميع كانوا يعلمون أنه "قواد"، والجميع كان يعلم بانحرافاته وتصيّده للفتيات، لكن لم يتكلم أحد عن ذلك إلا بعد سنين طويلة من العمل معه، أي بشكل أدقّ بعد تأمين حياتهم بالشكل الأمثل.

هنا قد يكون التساؤل مهما وليس مجرد نظرية مؤامرة: تُرى هل حان الوقت للتخلص من الملياردير لسبب ما في استمرار مصالحهم؟ قد يكون السبب أن اسمه أصبح مُلوثا أكثر من الحدّ المسموح، أو الحدّ الذي قد يصبح خطرا مُهددا لهم.

على أيّة حال ليس هناك إجابة واضحة ناجعة لحركة "وأنا أيضا ودوافعها، ولا لأسباب واقعة انتحار الملياردير الأمريكي وملابساتها، لكن الخيط الذي يربط القضايا المذكورة ببعضها هو أنها نشأت تحت شعار إعلاء قيم الفضيلة ضد الانحراف والابتذال والاستغلال، ولكن يبدو أن هناك أشياء أخرى.