نقد سينمائي

"كانت يد الله".. رحلة السينما الإيطالية في أكناف الساحر الأسطورة "مارادونا"

 

عبد الكريم قادري

وحده المخرج الذكي هو من يفصح في فيلمه عن الزمان بطريقة غير مباشرة، ولن يكون هذا إلا بتوظيف أحداث أو علامات متداولة ومشهورة في عمله، حتى يفهمها المُتلقّي بسهولة، بحيث يمكن من خلالها أن يعرف الفترة الزمنية بسهولة تامة.

هذا ما قام به المخرج "باولو سورينتينو" في فيلمه الدرامي "كانت يد الله" (É Stata la Mano di Dio) الذي أنتج وعُرض نهاية سنة 2021، إذ قام بتوظيف الحادثة الشهيرة لنجم كرة القدم العالمية "دييغو أرماندو مارادونا" الذي سجّل هدفا بيده اليسرى في شباك المنتخب الإنجليزي، خلال مواجهة شهيرة جمعت منتخب بلاده الأرجنتين بإنجلترا يوم 22 يونيو/حزيران سنة 1986، وذلك في مباراة نصف النهائي من بطولة كأس العالم التي نظمت في المكسيك، وقد قام الحكم التونسي وقتها علي بن ناصر بإدارة اللقاء واحتساب هذا الهدف الفاصل.

 

لقد تناول الإعلام العالمي وقتها هذه الحادثة بكثير من التفصيل، ولا تزال إلى غاية اليوم تثير النقاشات، حيث يعود استذكارها كلما ذكر هذا اللاعب في أي محفل رياضي، والدليل أن المخرج "باولو سورينتينو" وظّفها في فيلمه وجعلها عنوانا له، وأكثر من هذا فإنه قد اتخذها مُحركا أساسيا لأحداث العمل بشكل عام.

وتكمل أسباب هذه النقاشات التي لا تنتهي حول الحادثة في رد "مارادونا" حين سُئل عن هذا الهدف الأسطوري، فقد قال إن 50% من الهدف برأسه، والنصف الثاني بيد الله، ليبدأ الإعلام العالمي مرة أخرى في تناول هذا التصريح والحديث عن هذا الهدف، وإلى غاية اليوم لم يتوقف رغم مرور أكثر من 36 سنة على الواقعة.

المخرج مع الممثلين والممثلات في الفيلم بمهرجان البندقية

 

"مارادونا".. شائعات أسعدت الشعب الإيطالي وصنعت المجد

اختار المخرج "سورينتينو" الفترة الزمنية المحددة للفيلم (قبل 1984 بأيام قليلة و1986)، إذ تعتبر الفترة الأولى تاريخ تنقل "مارادونا" للعب لصالح نادي نابولي في صفقة شهيرة، والتاريخ الثاني يحيل إلى الواقعة أعلاه المرتبطة بكلمة "كانت يد الله"، وخلال تلك الفترة ينقل المخرج شغف النابوليين بكرة القدم، لاسيما في ظلّ وجود معلومات عن تنقل اللاعب "مارادونا" إلى ناديهم، وهي المعلومات التي كانوا يظنون بأنها كاذبة ومجرد إشاعات، خاصة وأن النادي كان لديه كثير من المشاكل الاقتصادية والسياسية والرياضية المختلفة، ليكون خبر التنقل مثل الصاعقة، إذ أسعد هذا الأمر كل الإيطاليين لا النابوليين فقط، لأن هذا الانتقال الأسطوري انعكس على النادي، ففاز بعدها بعدد من البطولات المحلية والوطنية والدولية، وأصبح رقما صعبا أمام أي فريق.

وقد تلاعب المخرج بفنية بهذه المعلومة في عدة زوايا من الفيلم، فأظهر كيف كان الإيطاليون يعشقون هذا اللاعب، وهذا من خلال حوارات الشخصيات ونقاشاتهم المختلفة، إذ كانوا يعتبرون "مارادونا" أكثر من لاعب، بل هو أسطورة من الأساطير التي لا يجب أن تُنسى، وكلما ذكر اسمه شردت الوجوه واشرأبت الأعناق، وهي العاطفة التي انعكست على كل طبقات المجتمع والأعمار والأجناس.

كل هذا وظّفه المخرج بطريقة غير مباشرة، مما ضاعف من قيمة عمله وجعله يذهب صوب الإبداع، لأنه عبّر عن عشق وتعلق ومحبي "مارادونا" بطريقة فنية بعيدا عن الخطابية التي تقتل الرسائل وتبيدها، وتهدم جسر التلقي الذي يربط بين المنتج الفني والمتلقي.

وجه المخرج  سورينتينو تحية كبيرة من خلاله فيلمه لمارادونا

 

طفولة المخرج.. خيوط عشق الكرة والسينما في نابولي

يرتبط فيلم "كانت يد الله" بالمخرج "باولو سورينتينو" ارتباطا روحيا، فهو يعكس بدرجة كبيرة سيرته الذاتية، وأحلامه وكوابيسه التي عاشها في صباه بمدينته الجميلة نابولي المطلة على البحر، فقد نقل من خلال هذا العمل الحالم والمليء بالمشاعر الإنسانية الدافئة شغفه بكرة القدم قبل أن ينتقل إلى السينما.

لقد عبّر عن الألم الحقيقي الذي أصابه حين فقد والديه في حادث مأساوي لا تزال آثاره الحزينة راسخة فيه حتى اليوم، وهذا حين اختنقا بمواد كيميائية عندما كانا في كوخهما الصيفي، وقتها توقفت حياة "باولو سورينتينو"، لكنه استعادها من جديد دون أن ينسى أو يتجاوز تلك الآلام، ليأتي فيلمه "كانت يد الله" الذي اختارته إيطاليا ليمثلها في الأوسكار، فيمحو تلك الآلام بأثر رجعي، وهذا عن طريق شخصية المراهق "فابيتو شيسا" (الممثل فيليبو سكوتي) المولع بكرة القدم والحياة في فيلمه، فقد أظهر العلاقة التي بينه وبين والده "سافيرو شيسا" (الممثل توني سيرفيلو) ووالدته "ماريا شيسا" (الممثلة تيريزا سابونانجيلو) وأخيه "ماركينو شيسا" (الممثل مارلون جوبير).

لقد قام المخرج الذي كتب نص هذا الفيلم أيضا بتفكيك هذه العلاقة الأسرية، حيث أظهر تلك الخلافات الأسرية بكل حيادية، فقد أبان عن خيانة الأب مع امرأة أخرى أنجب منها أبناء، زعن علاقة الإخوة فيما بينهم، وخفة دمهم، والمقالب التي كانت تنفذها الأم معهم ومع الجيران، وقد كانت مقالب محبوكة جدا، وحتى عن انتمائهم إلى الشيوعية.

لقد قام المخرج بتشريح معطيات هذه الأسرة التي هو فرد فيها بكل موضوعية، وأكثر من هذا فقد استعار بجزء كبير عيون "فابيتو"، وأخذ ينظر بها في شوارع نابولي المتداخلة، إلى رصيفها البحري وشواطئها الصخرية وقاعاتها السينمائية، لقد أظهر تعلق هذا المراهق بكرة القادم وبعدها بسحر السينما، وهذا عندما كان "فيليني" يصور أحد أفلامه في المدينة، حيث وقف على تلك العوالم وقرر أن يكون مخرجا، رغم أنه لم يشاهد سوى بعض أفلامه في مساره، لكن هذا الحلم كبر وأصبح "باولو سورينتينو"، طبعا هذه الجزئية لم ينقلها الفيلم، فقط توقف حين حمل "فابيتو" حقيبته وركب القطار المتوجه إلى روما حتى يعانق حلمه ويحققه.

أخذ الحديث عن اللاعب "مارادونا" حصة الأسد، ليس حول مائدة الطعام فقط، بل في جميع تفاصيل الفيلم

 

لمسة العاطفة.. قصيدة سينمائية من المخرج إلى الجمهور

لم يخرج "سورينتينو" من الفضاءات الكبرى التي يلتحم فيها المخرج بموضوع فيلمه، فقد انعكس هذا الالتحام في مشاهد الشجن والعودة إلى الماضي ومحطات الطفولة والمراهقة، إذ أرسل حزما من العاطفة عن طريق شخصياته ووجّهها إلى المتلقّي بسلاسة وترفق، دون أن يمررها عبر وساطة أو جسر معنوي يرهقها ويذهب جزءا من معناها.

كان "سورنتينو" وكأنه في فيلمه هذا "كانت يد الله" يقرأ قصيدة شعرية حزينة كان هو بطلها ومؤلفها وملقيها على المستمعين، وقد وجّه من خلالها تحية كبيرة وخاصة ونقية للأسطورة  "دييغو مارادونا" ساحر البساط الأخضر وزارع الفرح والشغف في قلوب الملايين من الإيطاليين والنابوليين، وهو واحد منهم.

لقد كانت هذه الحادثة -كما ذكرنا آنفا- لازمة من الفيلم أو الخيط السردي الذي يربط الأحداث ببعضها، فهو ينطلق منها ليفكك علاقة الأسرة والأقارب والمدينة والمجتمع، هذه السرديات استطاع جمعها بطريقة ذكية لتصنع هذا الفيلم الذي زرع المتعة الحسية والمعنوية عن الجمهور الواسع، كما لم يذهب "سورينتينو" إلى القضايا المعقدة والفكر الذي يرهق العقل ويزرع فيه بذور التلقي والأسئلة الوجودية، بل تعامل مع موضوع الفيلم بحميمية كبيرة، فقد صنع من تلك التفاصيل الحياتية التي مرّ عليها لوحات جميلة شكّلت مجملة الفيلم حين جمعها.

الهدف الذي سجله "مارادونا" بيده اليسرى وقال عنه كانت يد الله

 

رائحة الحياة اليومية.. روح فنية خلّاقة للسينما الإيطالية

نقل الفيلم روح السينما الإيطالية وأجوائها، خاصة في تعدد الشخصيات والحوارات المسترسلة التي تطبع هوية المجتمع الإيطالي، وقد أكد على هذا من خلال روح النكتة والمقالب والسخرية وطريقة التعبير عن الشعور الجيد والسيئ والنظرة إلى الأشياء، ثقافة الطعام والالتفاف حول المائدة، الأحاديث التي لا تخلو من المكر والسخرية والحميمية، طريقة تعاملهم مع المستجدات والمشاكل الطارئة والأفراح والأحزان.

لقد تحوّل المخرج وكاتب سيناريو الفيلم "باولو سورينتينو" إلى مختص اجتماعي يعرف تفاصيل المجتمع الإيطالي، وأكثر من هذا فقد استطاع أن ينظم أفكاره ويقدمها في هذا الفيلم خلال ساعتين وعشر دقائق، دون أن يحدث تضاربا في الأحداث أو العواطف أو المشاهد أو التسلسل الزمني، بمعنى أن المخرج عرف جيدا كيف يعد لهذا الفيلم، وكيف يخلق لحظاته الدرامية الفارقة، وكيف وظّف واستغل حادثة رياضية لتكون بمثابة اللازمة التي أسس من خلالها رؤيته بتلك الروح الفنية الخلاّقة.

"لقد كان هو من أنقذك، لقد كانت يد الله".. ألاعيب سينمائية

حمل العمل كثيرا من الألاعيب التي تعكس ذكاء المخرج وحسن توظيفه لعناصر الفيلم، مثل إظهاره مدى تعلق الإيطاليين بالمسيحية، وهذا ما عكسه من خلال شخصية "باتريتسيا" (الممثلة لويزا رانييري) التي تعكس المرأة المتحررة والمنطلقة والمحبة للحياة، لكنها ترتبط بالدين وتؤمن بكثير من الخرافات، مثل قصة الراهب الصغير صاحب المعجزات، فقد ذهبت مع البابا الذي راودها عن نفسها وهي متزوجة، وأخبرها بأنه سيهبها الأطفال بحكم أنها لا تنجب.

إضافة إلى ارتباط هذه المرأة الجميلة بالمراهق "فابيتو" الذي فتن بها هو الآخر، وهو تعبير بصري يعكس السحر والجمال وانطلاق المرأة، لكنها في المقابل مقيدة بالخرافات الدينية الموروثة وغير المؤسسة، إضافة إلى إشارة المخرج إلى استغلالية المؤسسة الدينية وتلاعبها بعقول الناس لخدمة مآرب رجال الدين الشخصية.

كما أن هناك إشارة قوية لسيطرة كرة القدم على عقول كثير من الناس لدرجة لا تصدق، حتى أن هناك من يرى بأن "مارادونا" هو قديس أو حتى نبي، وهذا ما عكسه الحوار الذي جرى بين أحد الشخصيات، وهو "ألفريدو" (الممثل ريناتو كاربنتييري) المتقدم بالسن والمولع بكرة القدم، وبين "فابيتو" في يوم دفن والديه، فقد سأله عن السبب الذي منعه من الذهاب مع والديه للبيت الريفي يوم موتهما، رغم أن من عادته الذهاب معهما، ليكون رد "فابيتو" بأن السبب يعود إلى أن نادي نابولي كان يلعب، وعليه مشاهدة "مارادونا"، ومن هنا تفاجئ ألفريدو وعاد إلى الوراء، وأصبح يصيح بدرجة هسترية "لقد كان هو من أنقذك، لقد كانت يد الله"، وأخذ يقبله على جبينه، أي آمن بأن مارادونا هو من أنقذه من الموت.

مشهد يعكس استغلال المؤسسات الدينية الإيطالية ليأس "باتريتسيا" من الإنجاب وإعطاءها أملا كاذبا واستغلالها جنسيا

 

"الجمال العظيم".. حنين يحصد أوسكار أفضل فيلم أجنبي

عاد المخرج الإيطالي الشهير "باولو سورينتينو" من خلال هذا الفيلم الساحر "كانت يد الله" من بعيد، بعد النجاح الكبير والباهر الذي حققه فيلمه "الجمال العظيم" (La Grande Belleza) الذي صدر سنة 2013، ونال عليه عددا من الجوائز العالمية، أهمها أوسكار أفضل فيلم أجنبي سنة 2014، وجائزة "الغولدن غلوب" لأحسن فيلم ناطق بلغة أجنبية عام 2014، وجائزة الأكاديمية البريطانية، وجائزة الفيلم الأوروبي، إضافة إلى عدد من الجوائز والمشاركات الأخرى.

ويروي فيلم "الجمال العظيم" -حسب ما جاء في ملخصه- قصة الصحفي "جيب غامبارديلا" الذي يلقى الترحاب الدائم من الكبير والصغير أينما ذهب، وسط استمتاعه الدائم بالأجواء المحيطة به من مناظر طبيعية ومظاهر اجتماعية، إلا أن كل هذه الأجواء لم تكن كافية من أجل توفير السعادة الدائمة له، فقد مل تلك الحياة وراوغه الحنين إلى أيام الصبا ومعاودة الكتابة من جديد.

ويسلك فيلم "كانت يد الله" نفس طريق النجاح الذي سلكه فيلم "الجمال العظيم"، خاصة أنه يحتوي على كثير من الجماليات التي تعكسها فلسفة المكان ومدى ارتباط المخرج به، وتفكيك علاقة المبدع بشكل عام بالماضي وبمحمول الذكريات.

ذات صلة