نقد سينمائي

كنوز غارقة في أعماق البحار.. لِمَنْ تعود؟

قيس قاسم

في أعماق البحار والمحيطات تستقر حتى يومنا هذا هياكل وحطام آلاف السفن التي غرقت ولم تصل إلى وجهتها. أغلبها تجارية يصعب حصر أعدادها، غرقت خلال رحلاتها البحرية الممتدة لأكثر من ألفي عام، وغرقت معها كنوز من الذهب والفضة كانت تنقلها على متنها.

لقرون لم تصل يد الإنسان إليها، لكن ومع التطور التكنولوجي الحاصل الآن صار بمستطاع الغواصين الوصول إلى أعماق سحيقة، ومع اقترابهم من هياكل وحطام السفن اكتشفوا كنوزا من الذهب والفضة مدفونة في أحشائها. أثمان بيعها الخيالية رفعت من حمّى البحث عنها، وخلق الاندفاع الشرس نحوها مشاكل قانونية إزاء عوائدها ومَنْ له الحق فيها، وهل ينبغي التعامل معها كجزء من الإرث الثقافي الإنساني أم كلقىً سائبة من حق الباحثين عن الكنوز الحصول عليها والتصرف بها وفق منطقهم الربحي؟

الوثائقي الفرنسي ”حطام.. الذهب في أعماق البحار“ حمل تلك الأسئلة وراح يبحث عن أجوبة عليها، انطلاقا من بروزها كمشكلة دولية أخذت أبعادا كثيرة، حرص مخرجه دينيس ديليستراك على عرضها بأسلوب بصري ممتع أغنت كثيرا مضمون وثائقيه المعلوماتي بامتياز.

 

بحر الصين.. مغارة السفن الغارقة

من حقيقة أن نحو 90% من نقل البضائع يتم عن طريق البحر؛ ينطلق الوثائقي لتقديم تصور تقريبي عن أعداد سفن النقل الكبيرة الغارقة في البحار والمحيطات. واحدة من مشاكل ضبط الإحصائيات تكمن في أن الانتباه إلى حوادث غرق السفن كان منصبا أكثر على سفن نقل المسافرين. وحتى يومنا هذا ما زالت تحظى أخبار غرقها باهتمام إعلامي كبير، أما الحوادث التي تتعرض لها سفن الصيد فلا تسترعي الاهتمام نفسه.

كما أن عمليات تسجيل وتوثيق الرحلات البحرية في الماضي كانت بسيطة ومحدودة إلى جانب ضعف التواصل ونقل المعلومات بين الدول وشركات الملاحة البحرية. وفي الأحوال كافة فإن هناك شبه اتفاق بين الخبراء على وجود ما يقرب من ثلاثة ملايين هيكل وحطام بحري في أعماق البحار والمحيطات، أغلبها لسفن تجارية.

ينقل الوثائقي الفرنسي معلومة مهمة تقول إن أكثر السفن الغارقة تقع قبالة ساحل جنوب بحر الصين. فعلى مدى قرون، وحينما كانت أوروبا تعيش في ”عصر حجري“، كانت الصين ودول آسيوية أخرى تعيش عصورا مزدهرة، وتشير حيوية التجارة والنقل البحري إلى تطورها.

وعلى المستوى التاريخي ظل ممر ملاكاسونديت (مضيق ملقا) بين المحيطين الأطلسي والهندي؛ الممر الأكثر نشاطا لحركة الملاحة الدولية، وفي وقتنا الحالي ما زال ميناء سنغافورة من أكبر الموانئ العالمية.

من تلك المنطقة انطلقت حُمى البحث عن الكنوز المطمورة في أعماق البحار

نهب ثروات الشعوب

من تلك المنطقة انطلقت حُمى البحث عن الكنوز المطمورة في أعماق البحار، عندما اكتشف الباحث عن الكنوز البريطاني مايكل هاتشر وجود هيكل سفينة نانكينغ الغارقة منذ عام 1750 قبالة ساحل بحر الصين. أثناء غوصه داخلها عثر على صناديق وُضِعَت فيها صحون بورسلين صيني. نقل الغواص 27ألف قطعة منها إلى اليابسة. وبعد تنظيفها وعرضها على تُجار التحف أصابته أسعارها بصدمة، فقد وصلت أثمانها من قبل جامعي التحف النادرة وتجارها إلى عشرات ملايين الدولارات.

المرحلة الأخرى من النشاط التجاري البحري الكبير ترتبط بالحقبة الكولونيالية، والتي تصفها منظمة اليونسكو بالحقبة الزمنية الأكثر فقدانا للسفن المحملة بالكنوز. فقد شهد القرن السابع عشر سيطرة استعمارية شبه كاملة على القارة الأمريكية أو كما أسماها الواصلون الأوروبيون إلى سواحلها ”العالم الجديد“.

من نتائج نهب الثروات وتفريغ مناجم بيرو وكولومبيا وتشيلي وغيرها، بروز نشاط تجاري جد واسع. وبسبب نقل الإسبان والبريطانيين على وجه التحديد ثروات شعوب تلك المناطق على متن سفنهم إلى القارة الأوروبية عبر المحيط؛ تحول ميناء هافانا إلى واحد من أنشط الموانئ في العالم. فالكنوز المسروقة من القارة الأمريكية اللاتينية كانت تُحمل أولا بالسفن الشراعية إلى كوبا ومن هناك تُنقل بواسطة أساطيل بحرية إلى أوروبا.

وصل معدل عدد الواصلة منها إلى أوروبا سنويا نحو أربعة آلاف سفينة. عُشرُها تقريبا كان غرق وضاع بين أمواج البحار العاتية. ويُقدر خبراء استعان بهم الوثائقي، وجود نحو ثلاثة آلاف هيكل وحطام سفينة غرقت مع حمولاتها أمام سواحل كوبا وحدها.

أما حجم المنقول سنويا من هناك إلى أوروبا فيقدر بأربعة ملايين طن من الذهب. والمفقود فقط منه وسط المحيط تُقدر قيمته بعشرات المليارات. وبالأرقام فإن الموجود قبالة الساحل الكوبي من ذهب داخل هياكل السفن الغارقة يزيد بكثير عن الموجود من ذهب في خزائن بنوك مدريد الإسبانية.

لم يعد البحث عن الذهب في أعماق البحار محصورا في الشركات الخاصة والغواصين المغامرين

أطماع دول وشركات

إلى تلك الثروة الراسية في أعماق البحار انتَبه التجار وأصحاب رؤوس الأموال، وحسب تقديرات رجال الأعمال المهتمين بهذا الحقل الاقتصادي، فإن قيمة الموجود في السفن المحددة مواقعها بدقة قد تصل إلى أكثر من مئة مليار دولار.

أما علماء البحار فيتوقعون أن تكون الأرقام أكبر من ذلك بكثير لأن المناطق الممسوحة والمتوقع وجود هياكل سفن غارقة فيها قليلة جدا مقارنة بالمتبقي من المساحات المائية الشاسعة التي ما زالت مجهولة كليا، فعمليات البحث عن الهياكل وحطام السفن في المحيطات -حسب تعبيرهم- تشبه عملية البحث عن ”إبرة في كومة قش“.

لم يعد البحث عن الذهب في أعماق البحار محصورا في الشركات الخاصة والغواصين المغامرين، بل وصل إلى الدول أيضا كما يَتبيَّن من مراجعة الوثائقي للتجربة الكولومبية، يوم دعا رئيسها إلى حملة وطنية من أجل انتشال حمولات سفينة سان خوسيه؛ السفينة التي أغرقها الأسطول البريطاني قبل أكثر من ثلاثمئة سنة قبالة ساحل كارتاخينا. وبعد سنوات من البحث، وفي عام 2015 تحديدا أُعلن العثور عليها على عمق 300 متر، ووجدوا داخلها مئتي طن من الذهب والعملات النقدية المعدنية تقدر قيمتها بـ17 مليار دولار.

خفايا مشروع انتشال حمولة السفينة أثار حفيظة اليونسكو

تهديد الإرث الثقافي الإنساني

خفايا مشروع انتشال حمولة السفينة أثار حفيظة اليونسكو بعد معرفتها بحقيقة وجود تعاون بين الحكومة الكولومبية وشركة أوديسي الخاصة، وهو أمر اعتبرته المنظمة التابعة للأمم المتحدة متعارضا مع مبدأ ”الحفاظ على الإرث الثقافي“. فقد وجدت في مشاركة الشركات الربحية خطرا على الموجودات النفيسة التي يُفترض أن تجد طريقها إلى المتاحف لا أن يُباع قسم منها لصالح الجهة المساهمة ماديا في مشروع التنقيب. لكن الحكومة الكولومبية بررت استعانتها بالشركة بضعف إمكاناتها المالية وعجزها عن تغطية كل تكاليف عملية البحث المُكلِفة.

يتابع الوثائقي الجدل المثار إزاء مساهمة الشركات الخاصة في البحث عن موجودات تعود إلى دول وشعوب عن طريق ملاحقته لقضية الفرقاطة البحرية الإسبانية الغارقة عام 1804 قبالة السواحل البرتغالية. قامت بعملية التفتيش نفس الشركة الخاصة التي انتشلت موجودات السفينة الكولومبية، وربحها من العملية -التي استمرت عشر سنوات- بلغ نصف مليار دولار، لكنهم لم يهنؤوا بهذا الربح، وذلك بعد تقديم الحكومة الإسبانية شكوى ضدهم إلى المحاكم الأمريكية. فقد فاجأهم قرار المحكمة الذي نص على إعادة الأموال والذهب وكل ما عثروا عليه إلى الحكومة الإسبانية، لأن ملكية السفينة تعود لها. واستندت إلى نصوص قانونية تؤكد عائدية كل سفينة وما فيها إلى الدولة التي ترفع عَلَمَها فوقها.

الصراع على حق الملكية وانحياز القانون إلى الدول، دفع أعداداً من الصيادين والغواصين للقيام بعمليات استخراج الذهب من السفن الغارقة بطرق غير شرعية

سوق سوداء

الصراع على حق الملكية وانحياز القانون إلى الدول، دفع أعداداً من الصيادين والغواصين للقيام بعمليات استخراج الذهب من السفن الغارقة بطرق غير شرعية. ودخلت على الخط عصابات الجريمة المنظمة التي راحت تشتري منهم الكنوز بأسعار رخيصة لتبيعها بدورها على التجار بأسعار خيالية.

بروز ظاهرة ”السوق السوداء“ يعيد النقاش على أحقية ملكية تلك السفن وما هي الطريقة الأمثل للحفاظ على الإرث الثقافي وعدم تعريضه للنهب والتخريب؟

يقدم الوثائقي تجارب ناجحة لعمل مشترك بين بعض الدول وبين شركات خاصة قَبِلت بمناصفة الأرباح مع تحملها تكاليف عمليات التنقيب والغوص كاملة. فقد حدّت هذه التجارب من عمليات النهب والسوق السوداء، لكنها فتحت بابا واسعا لتدمير البيئة البحرية. فعمليات كشط قيعان البحار بآلات حفر عملاقة تجرها السفن يُحدث خرابا وتدميرا للحياة البحرية. وتترك ملايين الأسماك بيئتها وتهرب إلى مناطق أخرى غير ملائمة لها، كما أن وجود السفن بأعداد كبيرة في البحار والمحيطات له آثاره السلبية لما تخلفه من نفايات سامة.

يستلهم العلماء والنشطاء تجربة سفينة تايتنك

لكل سفينة غارقة حكاية

لا يكتفي الوثائقي بعرض ما توصل إليه خلال بحثه الرائع، بل يذهب لسماع وجهات نظر بعض علماء الحياة البحرية ونشطاء بيئة حول الصراع القانوني المتعلق بمفهوم ”الملكيّة“. ومن أقوالهم أمام الكاميرا يفهم المُشاهد أن الموضوع لا يقتصر على الجانب القانوني بل يتعداه إلى الأخلاقي أيضا. فملكيَّة هذه السفينة الغارقة أو تلك لا يحل المشاكل المرافقة لها والتي لها أبعاد شخصية وعامة. فما هو موجود في السفن ليس الذهب وحده بل أشياء شخصية تعود إلى ركابها وملاحيها؛ رسائلهم الشخصية وأجهزة الملاحة المستخدمة ينبغي الحفاظ عليها إغناء للحياة الثقافية والعلمية وتعزيزا للوقائع التاريخية. فكل رسالة شخصية لم تصل تحمل في طياتها تعابير عن الحالة النفسية والجسدية التي كان عليها كاتبها. كما أن الكثير منها فيه وصف دقيق لطبيعة الحياة البحرية وظروف عيشهم. فليست كل السفن الغارقة تجارية، بل الكثير منها حربية ومدنية لنقل المسافرين.

يستلهم العلماء والنشطاء تجربة سفينة تايتنك. فسفينة واحدة حمل غرقها التراجيدي أسئلة وجودية عن الحب والموت والحياة. بقية السفن الغارقة تحمل أيضا مثل تلك الأبعاد الإنسانية التي يجب أن تأخذ طريقها إلى عامة الناس عبر المتاحف والمؤسسات العلمية لا أن يجري التعامل معها بوصفها ”كنوزا“ يجب السيطرة عليها كما سيطر عليها من قبل الاستعماريون بعد أن نهبوها من أصحابها الأصليين.