نقد سينمائي

”كوكبنا الأزرق“.. هل يصمد أمام شراسة الإنسان؟

 

قيس قاسم

بعد عمله الطويل على الجزء الثاني من البرنامج الوثائقي التلفزيوني ”الكوكب الأزرق“؛ يخرج معده ومقدمه البريطاني ”السير ديفد أتينبورو“ بخُلاصات وتوصيات يوجهها إلى سياسيي العالم وإلى عامة الناس، توصيات تُركز على ضرورة إيلاء البشرية اهتماما أكبر بالبيئة وبالبحار خاصة، وذلك بعد أن لاحظ الخطر المحدق بها، والذي يهدد بدوره حياة البشر المعتمدة كثيرا عليها، فبدون البحار لا حياة على كوكبنا الذي سُمي بالأزرق نسبة إلى البحار التي تُغطي أكبر مساحاته.

عنونت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) -الجهة المنتجة للبرنامج- هذه الخلاصات بـ“ديفد أتينبورو.. كوكبنا الأزرق 2″، وذلك في إشارة واضحة إلى العلاقة المهنية بين رجل كرّس حياته المهنية لنقل الحياة البرية بكل تفاصيلها إلى الناس في كل مكان، وبين البحار والمحيطات الزرقاء التي جابها وخَبِر أسرارها، وبالتالي فما يقوله حولها يكتسب مصداقية وأهمية.

يؤكد أتينبورو في مُفتتح وثائقيه التأثير الكبير للإنسان على البحار والمحيطات رغم سعتها، فمع أنه جاب الكثير من مساحاتها ووصل إلى أقصى زواياها، فإنه أدرك بالتجربة أن كل ذلك العمق والتنوع البيئي الهائل لها لم يصمد أمام شراسة الإنسان.

لقد وصلت يد التخريب إلى أقصى أعماقها وخربت توازنا عمره ملايين السنين، كل تلك الحقائق لم تمنعه من ملاحظة مبادرات متطوعين شجعان تنشد الحدّ من الخراب الحاصل فيها، ولم يُغفل تجارب دول نجحت إلى حد معقول في إصلاح بعض ما خُرّب من بحارها.

النرويج.. سمك الرنغة والحيتان والإنسان

سجّل علماء الأحياء المائية ظاهرة تَجَمّع سمك ”الرِنغة“ قبالة سواحل النرويج القريبة من المدار القطبي، وذلك بأعداد هائلة تزيد أحيانا عن مليار سمكة تسبح على شكل كتل عملاقة. وخلال ثلاث سنوات من الذهاب المستمر للمنطقة وتصوير حركة الأسماك؛ لاحظ العلماء عودة ”حيتان الأوركا“ -أو ما يطلق عليها أحيانا اسم ”الحيتان القاتلة“- إلى المكان نفسه، وذلك بعد أن غابت فترة طويلة عنه وقلّت أعدادها إلى مستويات كبيرة.

لقد وجدوا ثمّة علاقة بين وجود أسماك الرنغة وبين الحيتان التي تعتمد في طعامها عليها، ومن جهة أخرى وجدوا ارتباطا بين تحسين طرق صيد الأسماك وبين تكاثرها بشكل لافت.

يؤكد بعض العلماء للوثائقي أنه خلال 50 عاما كادت أسماك الرنغة تنقرض من المياه النرويجية لعشوائية طرق صيدها وبكميات تزيد كثيرا عن حاجة الإنسان، فقرارات الحكومة النرويجية بالحدّ من صيدها نجحت، ونجحت معها عودة الحيتان.

لكن كما يقولون ”حيثما يوجد الإنسان لحق الضرر بالطبيعة“، لقد انتبه العلماء إلى أن تَغيُّراً طرأ على سلوك الحيتان، وتمثل في ترتيب مواعيد غذائها مع مواعد رمي الصيادين لشباكهم في البحر.

لقد تعلمت أن المُتسرب من الشباك يكفي لتوفير وجبات دسمة لها، لكن ذلك قد يكلفها غاليا، فبعضها كان يعلَق بالشباك، وعند قيام الصيادين برفعها يصيبها الخوف فتتحرك بقوة هستيرية قد تؤدي إلى موتها، والبعض الآخر يبقى داخل الشِباك لا يستطيع الخروج منها.

وعلى ضوء ذلك قررت الحكومة منع فتح الشباك المسحوبة من المياه إلى سطح المركب إلا بعد الحصول على موافقة مراقبين مختصين يتأكدون من عدم وجود حيتان أو أحياء أخرى داخلها.

ومن المراقبة الدقيقة عبر تثبيت أجهزة تصوير على ظهور الحيتان؛ رصد العلماء تكتيكاتها في الصيد، وتوصلوا إلى نتيجة مفادها أن نسبة ما تحصل عليه الحيتان من سمك الرنغة لا يزيد عن 1٪ من مجموعها، بينما يحصل الصيادون على أكثر من 10٪، مما يعنى أن البحر فيه ما يكفي لإشباع أحيائه والبشر معاً، لكن لو أحسن الإنسان طرق صيده وقلّل طَمَعه.

أصوات محركات السفن والقوراب تقطع التواصل الطبيعي بين الأسماك

ضوضاء قاتلة

صار في حكم المؤكد علميا أن أغلب الأسماك -صغيرها وكبيرها- يتواصل مع بعضه البعض عبر أصوات تطلقها، وهي بمثابة اللغة التي تتفاهم بها.

يلتقي الوثائقي عالِما أمريكيا عمل خلال عشرين عاما على فكّ شفرات أصوات الأسماك، وقد ذهب معه مصور الوثائقي في جولة إلى أعماق المحيط الهادئ ليطلع على الطريقة التي يتواصل بها سمك ”المهرج“ مع بعضه البعض، وكيف تُستخدم الأصوات كجهاز إنذار عند اقتراب الخطر منها.

من تجربته ورصده سجّل العالِم ملاحظة تفيد بأن أصوات محركات السفن والقوراب تقطع التواصل الطبيعي، وبالتالي تصبح تلك الأسماك عُرضة لهجمات أسماك أكبر منها في ظل فقدان ”جهاز إنذارها“ الخاص، مما يكسر توازنا بيئيا مهما.

الملاحظة نفسها تنسحب على الحيتان، فضوضاء المحركات تقطع موجات الصوت وبالتالي تنقطع صلاتها ببعضها، ما يؤدي إلى ضياع بوصلتها وازدياد تعرضها للمخاطر، ناهيك عن تمزيق المحركات نفسها لآلاف من الأحياء المائية.

ويوصي الوثائقي بإعادة النظر بكمية الضوضاء المتسربة من المحركات وتقليلها، بحيث لا تؤثر مباشرة على الأسماك التي تسبح تحتها وتعطل آليات تواصلها.

ازدياد نسبة حموضة المياه وارتفاع الحرارة يشكلان معا خطرا فادحا

حموضة وحرارة مياه البحر.. موت بطيء

ينتقل ”السير أتينبورو“ من كارثة وصول المواد البلاستيكة من اليابسة للبحار إلى موضوع أشمل يتعلق بارتفاع حرارة مياه البحار المرتبطة مباشرة بارتفاع درجات حرارة الأرض، فقد لاحظ العلماء الذين التقى بهم أن تلك الظاهرة هي الأشد خطورة اليوم، لأنها تُميت الحياة داخل المياه، وبشكل خاص الشُّعب المرجانية التي تكاد تختفي من المساحات الكبيرة التي كانت توجد فيها منذ ملايين السنين، مما يُحدث اختلافا في درجات حرارة الأرض.

أما تسرّب النفايات الكيميائية؛ فإنها لا تلوث مياه البحار فحسب، بل تتسبب بوصول جزيئاتها الكيميائية إلى أجسام الأسماك الكبيرة، ومنها تنتقل سمومها إلى الأسماك الأصغر، خاصة الثدييات المعتمدة على الرضاعة، وهو ما يؤدي إلى نهايتها قبل الأوان.

فازدياد نسبة حموضة المياه وارتفاع الحرارة يشكلان معا خطرا فادحا ينبغي -كما يقول معد البرنامج- اتخاذ إجراءات سريعة لوقفه، وإلا فإن البحار في طريقها للموت البطيء.

بعض سكان دول الكاريبي تطوعوا لحماية سلاحفهم من الانقراض نتيجة لاعتماد قسم كبير من الناس في طعامهم على لحومها

سلاحف الكاريبي في خطر

مع كل مؤشر على التدهور يُقدّم الوثائقي نماذج واعية تعمل على تقليله، فبعض سكان دول الكاريبي تطوعوا لحماية سلاحفهم من الانقراض نتيجة لاعتماد قسم كبير من الناس في طعامهم على لحومها، ولتعرّض بيوضها للسرقة، مما قد يتسبب في انقطاع دورتها الطبيعية ليؤدي مع الوقت إلى انخفاض أعدادها وربما انقراضها.

مبادرة متطوعي جزر الهند الغربية ذكية؛ لأنها جمعت بين مصالح الناس ومساعدة السلاحف، حيث واجهوا خلال عملهم على حمايتها اعتراضا وصدّا من سكان المنطقة الذين اعتبروا عمل المتطوعين محاولة لتجويعهم. فقد تفهّم هؤلاء حاجة الناس فنظموا رحلات لسيّاح المنطقة لمشاهدة السلاحف العملاقة على اليابسة، وعلّموا سكان المنطقة كي يكونوا أدِلّاء للزوار. وهذه المبادرة أقنعت الناس بضرورة حماية السلاحف بعد أن وجدوا في تكاثرها منفعة لهم.

تنزل حيتان القرش عند اقتراب موعد ولادتها إلى كهوف عميقة في أعماق المحيطات

محميات بحرية

عند دراسة العلماء لسلوك حوت القرش في المحيط الهادئ قبالة جزر غالاباغوس؛ توصلوا إلى حقيقة مذهلة تتعلق بأماكن تكاثرها، فحيتان القرش تنزل عند اقتراب موعد ولادتها إلى كهوف عميقة في أعماق المحيطات، وبالتالي فإن أيّ تخريب محتمل لتلك المناطق المظلمة والبعيدة سيؤدي إلى قطع دورة حياتها.

ومن أجل تأمين سلامة تكاثرها يقترح أحد علماء البحريات الأوروبيين إقامة مناطق آمنة لها تشبه المحميات الطبيعية المقامة على اليابسة. ويكشف العالِم قصورا واضحا في هذا المجال رغم نجاح مجموعة من زملائه بإقناع دولهم للعمل على إقامة مثل تلك المحميات التي ما زالت -كما يؤكد- قليلة، ونسبة مساحتها أقل من 1٪ من مساحة مياه الكوكب الأزرق.

يُثبت الوثائقي حقيقة أن كل خطوة نحو تحسين صحة كوكبنا المريض مفيدة وقد تؤدي إلى شفائه

كل خطوة.. مهمة

يُثبت الوثائقي حقيقة أن كل خطوة نحو تحسين صحة كوكبنا المريض مفيدة وقد تؤدي إلى شفائه، حيث يقدم مثالا واضحا على قرار منع صيد الحيتان الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1986، ومن نتائجه أن إبادة الحيتان قد توقفت؛ ليس نهائيا، لكن المنع وضع حدا لانقراضها.

وللبرهنة أكثر يقدم تجربة سريلانكية ذات دلالة، فخلال الحرب الأهلية توقف الصيادون تقريبا عن صيد الحيتان، وبعد انتهاء حرب عام 2009 اكتشف سكانها أن نسبة الحيتان زادت في المياه القريبة من سواحلهم. هذا يعني أن فترة قصيرة من انقطاع صيدها أدى إلى نتائج باهرة، فالطبيعة نفسها معطاءة وقابلة للتجديد، والوقت لم يفُت بعد إذا ما قررت الحكومات والناس إحداث تغييرات إيجابية ومفيدة لكوكبنا الأزرق.