نقد سينمائي

"لم الشمل".. عائلة من اللاجئين تسعى لكسر بيروقراطية العالم

 

قيس قاسم

ينقل الوثائقي الدنماركي "لَمّ شمل" حال عائلة سورية لاجئة، فالأب في كندا والأم في الدنمارك والأطفال في تركيا، وقد تمزقوا هذا التمزق لكون الحرب الأهلية في سوريا أجبرت هذه العائلة على الهرب من البلد إلى جهات متفرقة من الأرض، وعندما حاولت أن تجتمع ثانية تحت سقف واحد واجهتها صعوبات وموانع بيروقراطية حولت محاولاتهم إلى كوابيس لا يمكن تصورها، ولولا جهد المخرجة "ميرا يارغيل" في نقل بعض تفاصيلها لبدت مثل قصة خيالية من أدب الواقعية السحرية.

لم تكتفِ "يارغيل" برصد غرابة الحالة فحسب بل اقترحت تناولها من منظور مختلف جدا، ففيه تركيز خاص على حالة الطفل والتغيرات التي تطرأ على وعيه حين يعيش بعيدا عن عائلته، مما يضع فيلمها بين قلة من الأعمال الأوروبية المهمومة بتوثيق الانفعالات والتوترات النفسية الملازمة لأفراد العائلة المبعثرة، وخوفها من تشتت دائم يقضي على طموحاتها في العودة إلى وضعها الطبيعي الذي كانت عليه قبل نشوب الحرب، أو على الأقل في أن يعيش أفرادها في الغربة سويا وتحت سقف واحد.

 

واقع الطبقة المتوسطة.. ظلال الحرب السورية الأليمة

بين خلاصهم الفردي من ويلات الحرب ودخولهم معترك اللجوء مضت سنوات شهد وضع العائلة السورية خلالها تحولات ومُتغيّرات حاول الوثائقي عدم التفريط في التقاطها لما فيها من خصوصية تلقي الضوء على فئة من المجتمع السوري تنتمي إلى الفئة العليا من الطبقة المتوسطة.

عمل الزوج مخلص فارس والزوجة رنا أغا طبيبين في بلدهما، وقد كانت أحوالهما في مدينة حلب جيدة حسب ما تبوح به تسجيلات مصورة خاصة بالعائلة التقطت في مناسبات مختلفة، وأظهرت سعادة طافحة تجمعهما بولديهما نضال وجاد، لكن الحرب وزعت ويلاتها على الجميع، ولم تمنح لهم امتيازا.

تتبع مسار تطور وضع العائلة داخل البلد وخارجه يعزز الانطباع بأن الحالة التي أفرزتها الحرب الأهلية السورية ألقت بظلالها حتى على الهارب منها إلى الخارج، كما يطرح سؤالا على المستويين الخارجي والداخلي حول واقع الطبقة المتوسطة ومستقبلها في سوريا وطريقة تعامل الدول التي طلبوا اللجوء إليها.

لا يذهب الوثائقي الدنماركي للإجابة المباشرة على تلك الأسئلة المتشعبة لأن هاجسه واهتمامه كانا في الأساس منصبّين على ملاحقة تفاصيل قصة العائلة المشتتة ومعرفة نتائج محاولات لَم شملها ثانية، لكنه أتاح للمتلقي ضمنيا -من خلال تتبع مسار حياة أفرادها المنتسبين للطبقة الوسطى- إمكانية التفكير بها وبما ينتظر وجودها مستقبلا.

الزوجان الطبيبان "مخلص فارس" و"رنا أغا" في صورة تذكارية لهما في حلب قبل الحرب الأهلية

 

وضاقت عليهم الأرض بما رحبت.. عائلة القارات الثلاث

ظهرت الأم طيلة زمن الوثائقي قلقة متلهفة لسماع خبر انتقال ولديها من تركيا إلى الدنمارك، حيث حصلت على حق الإقامة المؤقتة فيها، وصار من الممكن لها طلب "لَمّ شمل" عائلتها، كما يبدو القلق مسيطرا أيضا على الأب الذي وصل إلى كندا، لكنه لم يحصل على حق الإقامة فيها.

لم تشفع للأب مسيرته المهنية كطبيب رياضي خدم مع أندية معروفة ومع منتخب بلده لكرة القدم ولا توضيحاته حول الأسباب القاهرة التي دفعته للخروج من مدينته وترك أهله وأحبته فيها، ولا حتى الفكرة الإنسانية التي تبيح له حق البحث عن مكان آمن له ولعائلته يقيهم شر الموت والخراب، فكان عليه استئناف قرار المحكمة، وتأمين عيشه ومصروف ولديه في بلد ثالث في الوقت ذاته.

لم ينقطع التواصل بين الأطراف الثلاثة بفضل الهواتف الذكية وبرامج الاتصال، حيث كان "سكايب" الوسيط العصري الذي ينقل أخبار كل طرف منهم إلى الآخر وينقل أيضا هواجسهم ومشاعرهم التي لم يعد من الممكن توصيلها بطرق مباشرة بعد أن صار كل واحد منهم تحت سماء مختلفة.

الأخ الأكبر نضال يمارس دور الأم والأب في آن معا مع أخيه الصغير جاد بسبب غياب والديهما

 

سند الضعيف على الضعيف.. مسؤولية فوق عمر صاحبها

ذهب الفيلم من اللقطة العامة للعائلة السورية إلى التفاصيل مركزا بشكل خاص على أطفالها، إذ يظهر الأخ الأكبر نضال في الفيديوهات الشخصية دائم الاهتمام والعطف على أخيه الأصغر جاد، فقد انتقل معه من سوريا إلى تركيا، وحمله وجوده معه في مدينة مرسين مسؤولية كبيرة فوق طاقته.

فالصبي المراهق نضال الذي يحتاج من يُعينه في غربته يجد نفسه ملزما بلعب دور الأم والأب مع أخيه الأصغر، يُحضر له الطعام ويتابع دروسه في المدرسة الخاصة باللاجئين السوريين، رغم حاجته هو أيضا إلى الأب والأم.

وبسبب الظروف والحالة النفسية التي يعيشها نضال في تلك الغربة بات يميل إلى الانطواء وقلة التعبير عن مشاعره الداخلية، بعكس أخيه الأصغر الذي يعلن ما يحس به، ومن ذلك شوقه لوالدته، بينما يتردد الأكبر في التعبير عنه.

الأم رنا تظهر قلقة متلهفة طوال الفيلم تحلم بسماع خبر انتقال ولديها من تركيا إلى حضنها في الدنمارك

 

ألا ليت الزمان يعود.. تشبث بطفولة تأبى أن تنقضي

تشعر الأم من طرفها بتغيير ما يطرأ على شخصيات أطفالها وطريقة تفكيرهم، فلم يعودا كما كانا، لقد غيرتهما الغربة وأربكت طفولتهما، كما يشعر الأب أيضا بذلك التحول، لكنه لا يريد الإقرار به كواقع فيهرب منه إلى الماضي.

يتذكر طفولتهما من خلال الصور الفوتوغرافية القديمة التي يُظهران فيها براءة يريد التشبث بها، كما يريد التشبث بتلك اللحظات الجميلة المصورة في فيديو عائلي، فلا يريد أن يراهما إلا في تلك الصورة المحيلة إلى زمن جميل عاشوه سويا وكان يتمنى أن يستمر طويلا.

لا يختلف الأطفال أيضا كثيرا عن أبيهم، فدائما ما يتذكرون في غربتهم مدينتهم وساحات لعبهم والأيام الجميلة التي عاشوا جزءا من طفولتهم فيها، ويحنون إلى أقاربهم وأصدقائهم، ففي البلد المؤقت يشعران بالوحدة والعزلة، ويتجنبان الاختلاط خوفا.

 

"سوري".. أحاديث الموت والغرق والتنمر

يتبادل الأطفال في صفوفهم المدرسية أثناء وقت فراغهم الحديث عن عائلاتهم ومصيرهم، ويتناقلون فيما بينهم أخبار موت أقاربهم أو اعتقال السلطات لهم، والحديث عن موجات الهجرة وغرق محاولي عبور البحر.

لا يتوقف جاد عن نقل مخاوفه وهواجسه من المكان الذي يعيش فيه بعيدا عن والديه، فيخبر والدته في لحظة حزن عن سوء تعامل الأطفال الأتراك معه، وكيف يتهربون من الاختلاط به ويؤشرون إليه استنكافا بأنه "سوري".

فكم كان يحتاج وجود أمه معه لتخفف عنه ذلك الشعور بالعزلة والاختلاف؟ أما الأخ الأكبر فكان يمتص عزلته بصمت محاولا الظهور بمظهر المتماسك الصبور وفي داخله قلق لا يريد البوح به خشية نقله إلى أخيه الأصغر.

 

تضحيات الوالدين.. آلام وعرق على هيئة نقود

لا يعاني الطفلان من سوء أحوال مالية، فوالدهم يرسل لهم باستمرار مبالغ معقولة يضمنان بها عيشهما في بلد لا معيل لهم فيه، لكن هذا الوضع المادي لم يغير الشيء الكثير في حالتهم النفسية، ولم يقلل من شعورهم بالعزلة والخوف من الخارج الرافض لوجودهم، لكنه يحيل إلى تتبع حال الوالدين المهمومين بحل مشكلتهما وضمان نقلهما إلى الدنمارك.

يشغل الأب نفسه بالعمل في مطعم للتخلص من الفراغ القاتل، ويوفر له العمل مصدرا ماليا معقولا، غير أن الاستمرار به يزيد من إحساسه بالخجل من ممارسته، ويتكتم على ممارسته عملا غير الطب الرياضي ويخفي ذلك عن معارفه وأهله، ويخفي حتى وجوده بعيدا عن زوجته، فليس من السهل على البعيدين عنه وغير العارفين بتفاصيل حالته وعجزه عن لَمّ شمل عائلته تفهم وجود كل فرد منها في مكان منفصل وبعيد.

تقبل الزوجة الطبيبة العمل كمتدربة في أحد مستشفيات الدنمارك على أمل الاعتراف بشهادتها مستقبلا، فتقبل بالعرض على مضض ما دام يُقوي من موقفها كلاجئة عاملة معتمدة على نفسها في تأمين مصدر رزقها، وهذا يساعد بدوره على إتمام معاملات وصول أطفالها إليها.

الوالد المتواجد في كندا يتحدث مع أبنائه في تركيا ليطمئن عليهم إن كانت وصلتهم الأموال التي أرسلها

 

منح وثيقة سفر.. شموع أمل تخفت مع كل نهاية

لم تترك الأم بابا إلا وطرقته من أجل ضمان دخولهما الدنمارك، فقدمت الطلب تلو الطلب وسعت للحصول على وثيقة سفر أملا في أن تمكنها من الذهاب بنفسها إلى تركيا، وبعد محاولات ومساعي كبيرة حصلت على موافقة دائرة الهجرة بمنحها وثيقة السفر.

أشاع هذا الخبر الفرح بين جميع أفراد العائلة لكنه سرعان ما خبا بريقه. تتكرر هذه المشاهد في أكثر من مكان وحالة، فكلما ظهر ضوء في نهاية النفق ليعلن عن نهاية تشتت طويل؛ يأتي من يطفئ نوره ويحيله إلى حزن وألم.

رفض السفارة التركية.. مشهد إخفاقات متكررة

إنَ مقاومة الصدمات عند الكبار لا لوجود لمثيلاتها عند الصغار، فكل إخفاق يعني لهم مزيدا من الانتظار وحدهم ومزيدا من القلق والانفعالات الحادة التي تفكك تماسكهم وتضعف من إيمانهم بوجود حل حقيقي لوضعهم المتأزم الذي تتصاعد وتيرته مع كل محاولة جديدة فاشلة.

إحدى هذه المحاولات الفاشلة واجهتها الأم عند إعلان السفارة التركية رفض منحها تأشيرة دخول لأراضيها، وستسعى من جديد للحصول على موافقة "لَمّ شمل" تتيح للأطفال الخروج بأنفسهم بشكل شرعي من تركيا.

الطفلان نضال وجاد يجهزان شنطة سفرهما للرحيل من تركيا إلى الدنمارك بعد أن استطاعت الأم الحصول على موافقة لضم أطفالها

 

صعود الطائرة.. تبخر حلم اللقاء الجميل

ينتقل الوثائقي إلى مرحلة جديدة من قصة العائلة السورية وهي لحظة حصول رنا على موافقة دائرة الهجرة بضم أطفالها إليها، لنتابع في تركيا تفاصيل تجهيز حقائب السفر بعدما نقلت لنا كاميرات الوثائقي لحظات الفرح التي عاشها الطفلان غير مصدقين أن قصتهم قاربت الختام.

ينتاب الأم في مطار كوبنهاغن وهي تترقب وصولهما شعور بالخوف من حدوث شيء ما بعدما لاحظت خروج كل مسافري الطائرة التي كان من المفترض وجودهم على متنها، فتعلم من تركيا أن شرطة المطار قد منعت صعودهم إلى الطائرة كونهم أطفالا من دون ذويهم ومن دون وثيقة تخول أحد الأشخاص البالغين مصاحبتهم، لتُعيد المحاولة مجددا، ولكن هذه المرة من داخل تركيا وعبر السفارة الدنماركية هناك.

الأم رنا تنتظر طفليها نضال وجاد في مطار كوبنهاغن بعد انتظار للم شمل دام سنوات

 

لمّ شمل ناقص.. قوانين تسبح عكس تيار الإنسانية

يكرس الوثائقي في كل محطة من محطاته وعقب كل إخفاق في جمع شمل العائلة؛ الضوء على التعامل البيروقراطي وغير الإنساني مع قضية إنسانية بامتياز، فكل طرف رسمي يتشبث بقوانينه ويتبع مسارا إداريا بيرقراطيا لا يريد الانزياح عنه قيد أنملة.

يدفع هذا الوضع المتضررين للتذمر ويزيد من إحساسهم بالضعف، أما "رنا" فمع كثرة المحاولات الفاشلة والخيبات بسبب القوانين والبيروقراطية فقد ظلت مُصرة على إتمام معاملة عودة أطفالها إليها، وبعد محاولات عديدة نجحت المحاولة الأخيرة ووصل أطفال العائلة إلى الدنمارك، وكان عليهما أن يبدآ حياتهما فيه من جديد.

لا يضيف الوثائقي الشيء الكثير عن مرحلة التكيف وصعوبتها، فقد سبقته أفلام كثيرة تناولت هذا الجانب، لكنه يذهب إلى زاوية أخرى من المعالجة ليذكر مشاهديه بوجود نقص في المشهد الجديد للعائلة يتمثل بغياب الأب، فتبدو أمامه عقبات كثيرة تُحيل دون وصوله إلى عائلته، ليبقى "لَمّ الشَّمل" ناقصا في انتظار قرارات جهات رسمية ما زالت تتعامل مع اللاجئ كرقم لا يتحرر من قيودهم إلا بعد استيفائه شروطهم البيروقراطية القاسية.

ذات صلة