نقد سينمائي

"ليلى على الجسر".. أفغانية ودّت لو تُنقذ مُدمني بلدها

 

محمد موسى

"هل تُريد أن تُشفى من الإدمان؟"، تسأل ليلى الأفغانية رجلاً من أبناء بلدها كان يستلقي تحت أحد الجسور العامة. لا تنتظر ليلى طويلاً جواب ذاك الرجل، إذ سرعان ما ستنتقل إلى مجموعة من الرجال الجالسين الذين ألّفوا مجموعة صغيرة فيما بينهم، لتطرح السؤال نفسه على المجموعة كلها.

تتنقل ليلى التي تتبعها الكاميرا بين مجموعات الرجال الجالسين أو المنبطحين، لا يهمها أن حذائها كان يغطس في أقذار طين الشتاء والحقن الطبية الملوثة، وأن الكثير من الذين كانت تتوجه إليهم كانوا لا يكادون يفتحون عيونهم بسبب ما تعاطوه من مخدرات.

تجمع ليلى التي تقترب من العقد الرابع من عمرها في الفيلم التسجيلي القاسي كثيراً "ليلى على الجسر"؛ مجموعة صغيرة من الأفغان، حيث تضعهم في حافلة صغيرة وتنقلهم إلى مركزها لعلاج الإدمان على المخدرات الذي أسسته بمبادرة شخصية، وتنفق عليه من أموالها الخاصة، حتى أنها خصصت الكثير من عائدات المطعم الذي تملكه لدفع نفقات مركز علاج الإدمان الفقير الإمكانات.

 

مركز علاج الإدمان.. بؤس كابُل

تضطلع ليلى بالكثير من المهمات الصغيرة والكبيرة في مركزها، فعليها إقناع المدمنين بأهمية طلب العلاج، وهو ما تقوم به بنفسها كما صورتها المَشاهد الافتتاحية للفيلم التسجيلي، إذ رافقتها الكاميرات في واحد من أكثر أحياء العاصمة الأفغانية كابُل بؤساً.

توزع ليلى المهام في المركز، وتنظم الحياة اليومية فيه، وعليها أيضاً إدارة مركز علاج النساء الأفغانيات المدمنات، وهو مركز مفصول عن المركز الرجالي، حيث ينطوي العمل في المركز النسائي على تحديات مُختلفة جسيمة، يركز على بعضها الفيلم التسجيلي، إذ يُرافق إحدى الأمهات المُدمنات متتبعا الرحلة المضطربة التي أخذتها للعلاج من الإدمان.

الشخصية التي تطرق لها الفيلم هو الرجل الأفغاني المدمن

 

حارس "كرزاي" المُشرّد.. سعي لأجل حقنة هيروين

ينتقي الفيلم التسجيلي الذي أخرجته "إليزابيث ميرزاي" و"غولستان ميرزاي" شخصيتين من المدمنين، ويرافقهما لفترة من الزمن، وحتى نهايتهما التي ستكون مأساوية للغاية.

ستكون الشخصية الأولى لرجل يُخفي نصف وجهه بقطعة قماش يلف بها الرجال الأفغان عادة أعناقهم، وذلك لأنه أصيب إصابات بليغة في الوجه تركت آثارها الواضحة، إذ يكشف الرجل أنه كان في حماية الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي، وأنه جُرح في وجهه أثناء محاولة لاغتيال الرئيس قبل سنوات.

أصبح ذلك الماضي الحافل بعيدا جدا، فالرجل الأفغاني يعيش اليوم مُشردا تحت أحد الجسور العامة، ويقضي معظم يومه في السعي للحصول على حقنة هيروين جديدة. ما زال هذا الرجل الأفغاني يحتفظ بهيبة تاريخه السابق، فوقفته المنتصبة وفصاحته هما مِنْ بقايا ماضيه البعيد، ولم يغلبهما إدمانه على المخدرات القاتلة بعدُ.

يرفض هذا الرجل في البداية أن يحلق شعره، وهو جزء من تقاليد مركز علاج الإدمان، لكنه يعود ويذعن، وعندما شارك في جلسات العلاج الجماعية بدا وكأنه على الخطوة الأولى في طريق الشفاء الطويل. البشارات ذاتها ستتكرر عندما يزوره أخيه، حيث بدأ المُدمن بالبكاء وهو يتذكر ما كبّد عائلته من جهد وحزن أثناء إدمانه، وتعهّد أنه سيتوقف تماماً عن تعاطي المخدرات.

الأم الأفغانية التي تعاني الإدمان على يسارها ليلى

 

الأم المُدمنة.. انهيار ومجهول مُنتظَر

يتنقل الفيلم من قصة الرجل الأفغاني ذاك إلى أُمّ أفغانية تعيش مع أولادها الصغار في المركز النسائي لعلاج الإدمان، حيث بدت هذه المرأة المدمنة في حالة أسوأ بكثير من ابن بلدها الآخر، فهي تعيش مُختبئة من زوج غاضب، ولا تحمل أي عواطف (كما تكشف هي بنفسها) تجاه أولادها الصغار، بل إنها تدفع في مشهد قاس كثيراً ابنها الذي لم يتعد العامين بعيداً عنها.

لا يكشف الفيلم جميع التفاصيل التي قادت المرأة إلى الإدمان، ربما لأنها هي نفسها لم تشأ أن تبوح بكل شيء لاعتبارات اجتماعية معروفة، بَيد أن الفيلم سيصور الانهيار البطيء والمُتواصل لهذه المرأة التي ينتظرها الشارع والمجهول، وذلك بعد الإغلاق الذي كان يلوح في الأفق لمركز علاج النساء الذي كانت تسكن فيه.

حياة ليلى ويومياتها المُضنية تُشّكل الخط الأهم في هذا العمل التسجيلي

 

ليلى.. القاسية الهشة

تُشّكل حياة ليلى ويومياتها المُضنية الخط الأهم في هذا العمل التسجيلي، وسنرى انعكاس الأحداث الكبيرة في أفغانستان عبر ما تتركه من آثار بليغة على نفسية المرأة الأفغانية، فقد ظهرت ليلى في بداية الفيلم قاسية كثيراً كما في المَشاهد التي كانت تطرد بعنف جمهور الناس الذي تجمّع حولها وهي تحاول أن تُقنع مدمنين في الطرقات بالالتحاق بمركزها لعلاج الإدمان.

ما أزعج ليلى في تلك المشاهد أن الناس كانت تسخر من المدمنين الملقيين في الشوارع، وهو تصرف غير أخلاقي بنظرها، ويقود إلى مزيد من العزلة لهؤلاء المدمنين.

غير أن الفيلم لا يكتفي بعرض الجانب الخارجي القاسي للمرأة الأفغانية، بل يغوص في حياتها الخاصة، فليلى امرأة تم تزويجها في عمر الـ14 لرجل يكبرها سنا، وعندما انفصلا أخذ زوجها السابق أولادها إلى إيران، حيث تعيش جالية كبيرة من الأفغان الهاربين من عنف بلدهم. وفي واحد من المشاهد الكاشفة عن الحياة العائلية لليلى، يسجل الفيلم مكالمة هاتفية لواحدة من بنات ليلى مع أُمّها، حين اتصلت بها بعد سماعها خبر انفجار عبوة ناسفة قريبا جدا من سكن والدتها.

والحال أن توجّه ليلى إلى علاج الإدمان له جانب شخصي، فأخوها المفضل -كما وصفته- عانى لسنوات من الإدمان على المخدرات، ويعمل الأخ منذ أن ترك الإدمان قبل عامين في مركز علاج الرجال، ويمثل بتجربته الطويلة أحد الملهمين في المركز، حيث يقود حلقات النقاش، بالإضافة إلى مساعدته في إدارة المركز مع مجموعة العاملين فيه.

ليلى تتحدث مع الناس في إحدى الحافلات الأفغانية

 

ليلى والحكومة.. مشروع في مهب الريح

"المشكلة فيكِ أنتِ، غضبكِ وانفعالاتكِ تعديا كل المعقول"، هكذا خاطب وزير أفغاني ليلى التي كانت عنده من أجل الاعتراض على عدم شمول مركزها لعلاج الإدمان بمساعدات الحكومة المركزية. لم ترتبك المرأة الأفغانية كثيرا وهي تسمع هذا النقد القاسي من الوزير، بل كانت تُجهّز جواباً حماسياً له.

ليلى التي صوّرها الفيلم وهي تناقش في برنامج تلفزيوني مشكلة الدعم الحكومي للمنظمات الأهلية؛ بدت أحياناً غير مهتمة بآراء الناس من حولها، فقد فقدت الثقة بالحكومة الفاسدة برأيها، بعد أن تركتها مع مشروعها المهم فريسة للاحتياج المالي والقلق.

ليلى تضحك من كل شيء، فالحياة في أفغانستان تركت آثارها العميقة على المرأة التي لم تعد تهتم بما تخسره

 

موت مجاني.. على حافة الانهيار

تسير ليلى على حافة الانهيار العصبي، إذ أنها تعرف في قرارة نفسها أن الموت المجّاني في بلدها ينتظرها في كل زاوية. "من هنا دخل الرصاص"، تشير ليلى إلى ثقوب في غطاء سريرها، حيث دخلها رصاص سلاح رجل مجهول هاجمها في بيتها.

"استيقظت على صوت في الغرفة، والغريزة وحدها هي ما جعلتني أمسك مقدمة البندقية التي كان يحملها ذلك المجهول"، هكذا تصف ليلى ما حدث معها في الليلة المرعبة، حين كادت أن تفقد حياتها.

تضحك ليلى من كل شيء، فالحياة في أفغانستان تركت آثارها العميقة على المرأة التي لم تعد تهتم بما تخسره.

صورة للمدمنين في مراكز العلاج في كابل

 

ورود على قبر متواضع.. نهايات المدمنين

الذي يبحث عن النهايات السعيدة في الأفلام لن يجدها بالتأكيد في فيلم "ليلى على الجسر"، فالرجل الطويل المدمن الذي يغادر المركز مع صُرّة صغيرة من المتاع هي جُلّ ما يملكه؛ سيعود مباشرة إلى الجسر الذي كان يعيش تحته، وسيعترف للكاميرا بصعوبة التخلص من إغراءات المخدرات، خاصة مع غياب الأفق. سيصل هذا الرجل إلى خاتمته السريعة بعد عودته، وسيُدفن في قبر بشاهد متواضع، وتزوره ليلى مع باقة من الزهور.

أما الشخصية المدمنة الأخرى فحياتها لم تتوقف عن التداعي، حتى أثناء وجودها في مركز العلاج، حيث بدت المرأة الشابة غائبة عن الوعي في كثير من الأحيان، وكانت تُوجّه اللوم والعتاب إلى ليلى نفسها، إذ كانت تتهمها بأنها قد عقّدت حياتها بجلبها للمركز.

تعود هذه المرأة أثناء تصوير الفيلم إلى استرجاع حياتها السابقة، وتصِف وهي تبكي جحيما عاشته مع زوجها الذي كان يُعذبها، مما دفعها إلى استخدام المخدرات رخيصة الثمن، والتي تترك آثارا جسيمة على مستخدميها.

الفيلم التسجيلي يُسلّط الضوء على ظاهرة المخدرات في أفغانستان

 

الجحيم الأفغاني كما لم يُر من قبل

يعرض مخرجا الفيلم "إليزابيث ميرزاي" و"غولستان ميرزاي" الجحيم الأفغاني كما لم نشاهده من قبل، فالمَشاهد التي تجولت فيها الكاميرا على تجمعات المدمنين تحت الجسور العامة كانت مُرعبة حقّا، رغم أنها لا تتضمن صور العنف الشائعة عن الحياة في أفغانستان، والتي يعرضها الإعلام الغربي منذ سنوات عديدة.

نتعرف عبر مَشاهد الفيلم على حياة المدمنين وليلى، وفي الوقت ذاته على الأثمان الإنسانية الفادحة التي دفعها البلد نتيجة الحروب والصراعات الخارجية والداخلية. ستكون ليلى بطلة الفيلم ومصدر تراجيديته، إذ أن هذه المرأة كانت تسير على خط رفيع بين ما بقي من حياة طبيعية في أفغانستان، وبين الانهيار العام الذي يكاد أن يُصيب جميع أركان البلد.

يُسلّط هذا الفيلم التسجيلي الانتباه على ظاهرة المخدرات في أفغانستان (90% من الهيروين الذي يُباع في العالم يُنتج في أفغانستان، وأكثر المدمنين في العالم يعيشون فيها)، والتي رغم أهميتها وخطورتها، فإنها إشارة لمعضلات ومشاكل عميقة للغاية، ترتبط –وهو وما أكده هذا الفيلم التسجيلي- بذهنيات الناس هناك وأنماط علاقاتهم ببعضهم ومع العالم الخارجي.