نقد سينمائي

مؤرخ مصري: أفلام التاريخ لا علاقة لها بالتاريخ

القاهرة (رويترز) – ينفي كاتب مصري عن معظم الأفلام التي أطلق عليها "تاريخية" في السينما المصرية صفة التاريخية بل يرى أن بعض هذه الأفلام غلبت عليها النظرة الاستشراقية.
ويقول قاسم عبده قاسم في دراسة عنوانها (السينما والتاريخ.. هل هناك أفلام تاريخية مصرية) أن الأفلام المصرية التي اقتربت من التاريخ تتواضع كثيرا إذا قورنت بأفلام أجنبية مثل (الفارس الثالث عشر) المأخوذ عن كتاب (رحلة ابن فضلان) و/مملكة السماء/ ففي هذين الفيلمين يمثل التاريخ "كما حكاه المؤرخون وكما كتبته المخطوطات التاريخية."
وتناول الكاتب بالتحليل أفلاما مصرية حملت صفة التاريخية منها (شجرة الدر) الذي كتبه وأخرجه عام 1935 أحمد جلال (1897-1947) عن رواية الكاتب اللبناني جرجي زيدان و/فتح مصر/ الذي أخرجه عام 1948 فؤاد الجزايرلي (1910-1979) و/صلاح الدين الايوبي/ الذي كتبه وأخرجه عام 1941 إبراهيم لاما (1908-1952) الذي أخرج أيضا فيلم (كليوباترا) عام 1943.
وجاء إبراهيم من أمريكا الجنوبية واسمه الأصلي أبراهام لاماس مع شقيقه بدرو إلى مصر وغيرا اسميهما إلى إبراهيم وبدر وعملا في السينما تمثيلا وإخراجا.
ويقول قاسم أن الأحداث في فيلم (شجرة الدر) بعيدة عن " الحقيقة التاريخية التي تحمل الدراما أكثر مما تحتمل رواية جرجي زيدان.. من شروط الفيلم التاريخي الالتزام بخيوط الحقيقة التاريخية في بناء درامي محكم لم يكن متوفرا في الفيلم."
ويضيف أن التاريخ في فيلم (صلاح الدين الايوبي) لم يكن موجودا إلا "في خيال المخرج.. القصة بأسمائها لا وجود لها في صفحات التاريخ جملة وتفصيلا."
ودراسة قاسم هي فصل من كتاب عنوانه (السينما المصرية.. التأصيل والانتشار.. 1935-1953) أشرف عليه وحرره هاشم النحاس وصدر عن المجلس تسجيلا لحلقة بحثية موسعة عقدت الشهر الماضي وناقشت عددا من قضايا السينما في فترة ما قبل ثورة 23 يوليو تموز 1952 التي أنهت الحكم الملكي في البلاد.
وقاسم من أبرز المتخصصين في تاريخ العصور الوسطى وله كتب منها (ماهية الحروب الصليبية) و/النيل والمجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك/ و/الرواية التاريخية في الادب العربي الحديث/ و/بين الأدب والتاريخ/ و/بين التاريخ والفولكلور/ و/رؤية إسرائيلية للحروب الصليبية/ و/اليهود في مصر منذ الفتح العربي حتى الغزو العثمان/.
ويعرف قاسم الفيلم التاريخي بأنه عمل فني يتخذ من التاريخ موضوعا له ويتناول الفيلم التاريخي حدثا مهما أو شخصية بارزة أو ظاهرة تاريخية بحيث يتضافر التاريخ والدراما لإنتاج فيلم قائم على معرفة جيدة بالتاريخ.
ويرفض ما يسميه العبث "بالصدق التاريخي بحجة الحفاظ على الصدق الفني" كما يرفض أن يتحول الفيلم التاريخي إلى محاضرة أكاديمية تسبب الملل ويدعو لابتكار شخصيات درامية غير تاريخية لإثراء الفيلم فنيا "دون الإخلال بالصدق التاريخي على نحو ما حدث في فيلم (العدو على الأبواب) الذي جعل من شخصية خيالية لقناص ألماني الشخصية المركزي في الفيلم الذي صور معركة ستالينجراد في الحرب العالمية الثانية."
وتناول الكاتب فيلم (ظهور الإسلام) الذي أخرجه عام 1951 إبراهيم عز الدين عن كتاب (الوعد الحق) للدكتور طه حسين ونجح الفيلم جماهيريا كما "نجح في تقديم الحكاية الدينية لكنه فشل في تقديم الحكاية التاريخية" إذ ابتعدت الخلفية التاريخية عن واقع مكة والحجاز قبل الإسلام.
ويضيف أن نجاح فيلم (ظهور الإسلام) شجع المخرج أحمد الطوخي على تقديم فيلم عن الموضوع نفسه في العام نفسه بعنوان (انتصار الإسلام).
ويقول قاسم إن المقارنة بين ما يعتبره فقرا في الفكر التاريخي في فيلمي (ظهور الإسلام) و/انتصار الإسلام/ وبين الاهتمام بدراسة التاريخ في فيلم (الرسالة) لمصطفى العقاد توضح " الفرق تماما" اذ اعتمد الفيلم المصري على خيال صانعيه أو توهمهم عما اعتبروه خلفية تاريخية "وقد تجلى هذا الفشل واضحا" في تصوير حياة أهل مكة أو قبيلة قريش قبل الإسلام وطرز بيوتهم وحاناتهم إضافة إلى الملابس والأسلحة.
ويضيف أن بعض الأفلام "التاريخية" المصرية حلمت "تولفية غريبة من النظرة الاستشراقية الغرائبية إلى المنطقة العربية والى الشرق بصفة عامة وبعض التوابل الفنية التي صاحبت معظم هذه الأفلام بصورة ممجوجة مثل حفلات الرقص والغناء في قصور الخلفاء والأمراء والسلاطين التي تصحبها المنادمات وشرب الخمر على طريقة الكباريهات الرخيصة" مضيفا أنه لا فرق كبيرا بين هذه المشاهد ومشهد الحانة أو الملهي في فيلم عصري.
ويشيد بفيلم (مملكة السماء) الذي أخرجه ريدلي سكوت من زاوية رسمه شخصية صلاح الدين الأيوبي وعرضه جانبا من تاريخ الصراع العربي الصليبي.
ويضيف أن فيلمي (الرسالة) و/مملكة السماء/ استندا إلى "دراسة تاريخية حقيقية قام بها متخصصون" في حين كان صناع الأفلام المصرية "يؤلفون تاريخا يخصهم ولم يقرأوا التاريخ."