نقد سينمائي

مجزرة ماريكانا.. القتل بدم بارد

قيس قاسم

لأول مرة وبعد القضاء على نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا "الأبارتايد"، قامت وحدات مسلحة من الشرطة في السادس عشر من شهر أغسطس/آب عام 2012 بارتكاب مجزرة فظيعة بحق عمال مناجم البلاتين في منطقة ماريكانا، راح ضحيتها العشرات وأثارت أسئلة غاضبة عن سبب حدوثها ومن الذي يقف وراءها ولماذا خذلت حكومة "المؤتمر الوطني الأفريقي" شعبها، أسئلة هزت كيان الدولة الحديثة في العمق وأحدثت صدمة في نفوس الناس حاول جاهداً المخرج ريهاد ديساي البحث عن أجوبة شافية عليها في فيلمه الصادم "عمال المناجم يسقطون بالرصاص".

ريهاد ديساي

من خلال أعادته فتح ملفات القضية ثانية وترتيب الأحداث بمنطوق جديد يعتمد على الكشف والتحري بعيداً عن نتائج لجنة التحقيق الرسمية معتمداً على تحليل ما سجلته كاميرته المتوثبة من تفاصيل سبقت المجزرة بثلاثة أيام وأيضاً على تسجيلات فيديو مسربة من أرشيف الشرطة السرية دامغة في قوتها طرحت بدورها أسئلة جديدة، تجاوزت البحث عن حقيقة ما جرى في ذلك اليوم المشؤوم في حياة جنوب أفريقيا إلى أخرى تتعلق بطبيعة النظام السياسي الاقتصادي الجديد وهل تغيرت حقاً تركيبته عن النظام القديم، فيما يخص نوع العلاقات القائمة بين السلطة ورأس المال؟
على لسان أحد العمال الناجين منها نسمع قصة المجزرة التي وقعت بالقرب من التلة الواقعة بالقرب من مناجم ماريكانا، والتي ستغدو شاهداً على تجمع ما يقرب من ثلاثة آلاف عامل، فوق ترابها، طالبوا إدارة شركة لونمين البريطانية بزيادة رواتبهم، ولكن وبدلاً من تحقيق مطالبهم العادلة تدخلت الشرطة وأطلقت النار عليهم فسقط  أكثر من ثلاثين عاملاً منهم قتيلاً وأصيب ضعفا عددهم بجروح بالغة بعضها أعاقهم عن الحركة مدى الحياة. يسرد العامل مجريات الأحداث بصوت امتزج فيه الحزن بالغضب ولم تتخلص نبرته من هول الصدمة التي شعر بها في تلك اللحظات التي لن ينساها أبداً، لا لبشاعتها فحسب، بل لأن فيها الكثير ما يوجع القلب ويختلف تماماً عن بقية المجازر التي ارتكبت ضدهم من قبل في زمن "الأبارتايد" كمجزرة شاربفيل عام1960 أو مجزرة سويتو الرهيبة عام 1975، لأن من قام بها كان أبيض مَثّل حكومة عنصرية أما مجزرة اليوم فترتكبها بذات الدم البارد شرطة تأتمر بأوامر وزراء حكومة يقودها حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، حزب نيلسون مانديلا وقادة النضال الوطني ضد الحكومات العنصرية البيضاء، بل إن تلك المجازر نفسها من ساعد على التفاف الناس حول مانديلا ونضاله التحرري! على عكس ما جرى في السادس عشر من أغسطس/ آب "فمن أعطى أوامر القتل كان واحداً من أعضاء حكومتنا الجديدة والمجزرة كلها لابد أن تكون ضمن خطة لوقف التغيير المنشود الذي يقف رأس المال في وجهه ويريد منعه بكل قوة!" كلمات العامل أيقظت سؤالاً كان نائماً، فالبحث كان مسلطاً  على معرفة تفاصيل وقوع المجزرة لا على تحليل دوافعها لكن وعي العامل وحصافته الطبقية ستُغير وجهة الوثائقي وتجعله يبحث في اتجاهين: تحري استقصائي وتحليلي اجتماعي سيما وأن أحد قادة النقابات العمالية كان له الدور في وقوعها.

القتل بدم بارد

يستأنس الوثائقي الجنوب أفريقي برأي بعض أعضاء لجنة التحقيق الخاصة بالمجزرة دون ارتكان كامل لآرائهم فما توفر عنده من أدلة تغنيه عنهم لكنه أراد بهم إضافة المزيد من المصداقية إلى النتائج التي سيتوصل إليها ومنها أن الشرطة قد وُضعت ومنذ البداية كمفاوض بديل عن أصحاب الشركة ما أثار شكوكاً حول حياديتها إلى جانب وجود ممثلين عن (نقابات عمال المناجم) التي فقدت مصداقيتها عند العمال، في إدارة الشركة، بل إن أحد قادتها السابقين قد أصبح مديراً تنفيذياً فيها وأخذ يدلي بتصريحات مبطنة تدين العمال المضربين وتلمح إلى تبنيهم  القوة أسلوباً بديلاً عن التفاوض السلمي الذي يحفظة النظام الديمقراطي الجديد، فيما كانت الإدارة ترفض التفاوض المباشر وتتعمد نقل مواقفها عبر أوراق تقدمها للعمال كحجج قوية تعزز موقفها الرافض لزيادة أجورهم، مع كامل علمها أن أغلبية العمال وحتى ممثليهم في الإضراب لا يعرفون القراءة والكتابة، ومن هذا الباب سيدخل الوثائقي إلى مناطق الفقر في المنطقة وإلى معرفة أحوال العمال الاقتصادية حيث يتقاضون إزاء جهدهم المبذول في إنجاز عمل هو الأصعب في العالم والأخطر راتباً شهرياً لا يزيد عن ثلاثمئة دولار، لا تكفي سد رمقهم ولا تؤمن مستلزمات عيش أبنائهم، ما يولد عندهم شعوراً  بأنهم مازالوا يعاملون كعبيد وأن الأسياد هم أنفسهم في النظام الجديد: أصحاب الشركات الإنجليزية، مع تغيير جديد تمثل بدخول الأثرياء السود الجدد إلى نواديهم ضمن تحالف رأسمالي لا يقبل بأي مطالب للعمال.

نقابيون يريدون وقف المجزرة وآخرون يخططون لها

هذا التحول سيمثله النقابي الشهير سيريل رامافوزا  الذي قاد سابقاً نقابات العمال ضد سياسة أثرياء الأبارتايد لكنه اليوم غيَّر موقعه في الطاولة وصار يجلس إلى جانبهم. أما الشرطة فقد التزمت بالتعليمات التي كانت تصلها وتشدد على التعامل بقسوة مع المضربين وحتى قتلهم إذا تطلب الأمر.
يتوصل الوثائقي إلى الرسائل المتبادلة بين الجنرال المشرف على كسر الإضراب وقادته والتي توضح الموقف المسبق الذي اتخذته القيادة العليا لوزارة الشرطة من العمال والطريقة التي خططوا لها لحسم الموقف، واتفقوا على أن تكون إفادات الشرطة بعدها موحدة: "لقد استخدمنا القوة دفاعاً عن النفس وخوفاً من بطش المتظاهرين". لهذا السبب لا يركن الوثائقي إلى يوم وقوع المجزرة وإلى تسجيلات الفيدو الخاصة بالشرطة ورجال الأمن بل سيعود إلى الأيام الثلاثة التي سبقتها لأنها توضح بدورها تطور المواقف وتصعيدها وكيف رفضت الشرطة وإدارة الشركة أي حلول ممكنة بل إن رجال الشرطة قد قطعوا على العمال طريق العودة إلى بيوتهم حتى يجبروهم على البقاء في العراء. لقد سعى أصحاب النقابي السابق إلى استفزاز المضربين في اليوم الثالث الذي سبق المجزرة حينما قاموا بقتل عاملين منهم ما اضطرهم إلى الرد ليقتلوا شرطيين بدورهم، وهذا ما كانت تنتظره قيادتهم ليبرروا  بموتهما الأمر المبيت، ليبدو ما سيجري لاحقاً وكأنه في الظاهر حقا مشروعا للدفاع عن النفس. كان هذا قبل أن يشاهد العالم الوثائقي الجديد الذي كشف كل المواقف وتصعيدها خلال الأيام الثلاثة وصولاً إلى لحظة وقوع المجزرة التي تعمدت أجهزة الشرطة الفنية تسجيلها في موقع واحد فقط  لتخفي الجرائم المرتكبة في ساحة ثانية ما كانوا يتصورون قط أن كاميرا محايدة وسينمائية تسجل تفاصيلها. لم يخطر على بالهم أن المخرج النبه والمتنبئ ريهاد ديساي قد أخذ موقعه الصحيح ونصب كاميرته فيه ليوثق بما لا يقبل الشك الطريقة المخيفة التي أُبيد بها العمال رغم استسلامهم ورفع أياديهم عالياً بوضوح أمام أنظار رجال الشرطة.

العمال يفاوضون الشرطة

من الحجج التي ساعدت محامي العمال على طرحها في المحكمة أن العمال لم يدخلوا الشركة مطلقا وظلوا خارجها عند التلة الأمر الذي لم يشكل خطرا جدياً على إدارتها وما صوره الوثائقي يبيّن أيضا أن العمال كانوا في طريقهم إلى بيوتهم بعد أن يئسوا من المفاوضات وأن الجنرال المشرف على مراقبتهم قد اتفق معهم على تسليم أسلحتهم الرمزية وتم كل شيء بهدوء لولا وصول مكالمة في نفس اللحظة غيّرت موقف الجنرال رأساً على عقب، فرفض فجأة عودتهم، وأجبرهم على البقاء وسط الطريق حتى يتمكن من تصفيتهم. مجزرة متعمدة لم تتوصل المحكمة ولا لجنة التحقيق فيها إلى نفس الحقائق التي توصل إليها الوثائقي المذهل والرائع التصوير "عمال المناجم يسقطون بالرصاص" فبرأتا لذلك ساحة الشرطة وأدانتا في خطوة تدعو للسخرية بعض العمال بجرائم التسبب في القتل. وبعد مدة قصيرة تولى ممثل الرأسمالية الجديد/ النقابي القديم منصب نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بعد أن بلغت ثروته أرقاما فلكية ما دفع أحد الصحفيين إلى المطالبة بمحاسبة الحكومة بوصفها المسبب الرئيسي للمجزرة وتقديم  الوزراء المسؤولين عن إعطاء الأوامر بإطلاق النار على العمال المساكين إلى المحكمة ومحاسبة حكومة جاكوب زوما وكل نظامه الذي يهدد الديمقراطية الفتية ويضع البلاد على عتبة مرحلة جديدة يتحكم فيها الرأسماليون بالفقراء كما كان يتحكم في السابق البيض بالسود.