نقد سينمائي

معركة أوكرانيا من أجل الحرية

عدنان حسين أحمد

حقق المخرج الروسي يفغيني أفاينيفسكي نجاحًا منقطع النظير في فليمه الوثائقي الجديد “شتاء مُلتهب: معركة أوكرانيا من أجل الحرية “، ومردّ هذا النجاح يعود في جانب كبير منه إلى تزايد طاقم التصوير بحيث بلغ عددهم ثمانية وعشرين مصورًا كان بعضهم يصوِّر بالهواتف المحمولة، وبعضهم الآخر بكاميرات منزلية، إضافة إلى المصورين المحترفين الذين حاصروا الحدث الجلل من الجهات الأربع وأحاطوا الميدان الأوروبي في قلب العاصمة الأوكرانية كييف التي انطلقت منها شرارة التظاهرة الطلابية التي تحولت لاحقًا إلى ثورة شعبية أسقطت زعيم البلاد فكتور يانوكوفيتش وأجبرته على الفرار إلى حليفته روسيا الاتحادية التي آوتهُ ومنحته حق اللجوء.

لا يقتصر نجاح الفيلم على التصوير المُذهل وتنوّع مستوياته العفوية والمدروسة على حدٍ سواء وإنما على يمتد إلى سيناريو الفيلم وقصته السينمائية التي كتبها دين تولمور بحرفية عالية أسهمت كثيرًا في بناء الفيلم وتقديمه كوحدة مترّاصة لا يعتورها الخلل. فالسيناريو الناجح، كما هو معروف، يصنع فيلمًا ناجحًا.

يمكن تتبّع الخطوط العريضة للقصة السينمائية لفيلم “شتاء مُلتهب” من خلال أهداف المظاهرة الطلابية الاحتجاجية التي كان يقول أبطالها بالفم الملآن أنهم يريدون الاندماج بأوروبا، والتكامل معها، والتماهي مع قيمها الثقافية والسياسية والاقتصادية. ولاغرابة في أن يطرح الطلاب شعارهم الأول بأن “أوكرانيا هي جزء من أوروبا”، بل هي “جزء من العالم المُتحضر”، وهذا يعني إدانة صريحة لعقود من الانضواء القسري تحت راية الاتحاد السوفيتي السابق الذي حكمهم بالحديد والنار على مدى سبعة عقود تقريبا.

ثمة أهداف وشعارات تعْلق في ذهن المتلقي وهو يشاهد هذا الفيلم الوثائقي الاستقصائي الذي لا يخلو من نبرة التحريض أو التنوير إن شئتم وسوف أنتقي على عجل بعضًا من الشعارات أو القيم الأوروبية التي أدامت زخم التظاهرات الطلابية وحوّلتها في خاتمة المطاف إلى ثورة شعبية امتدت لثلاثة وتسعين يومًا أجبرت الرئيس يانوكوفيتش على الفرار في ليلة ليلاء كي ينجو بجلده من شعبه الثائر الذي كان يهتف “نحن ضدّ الدولة البوليسية”، “الأمة لا تُقهر”، “الجبان فقط يستطيع أن يؤذي طفلاً”. وما يريده كل مواطن أوكراني هو “الحرية والكرامة الإنسانية”. وعلى الرغم من أهمية الشعارات السابقة إلاّ أن التركيز ينصّب على مفهومي الحرية والكرامة الإنسانية التي يتمتع بهما المواطن في البلدان المتحضرة فلاغرابة أن يستميت الأوكرانيون في القتال من أجل هذه القيم الأساسية التي لا تستقيم الحياة من دونها ففيها ضمان لهم ولمستقبل أطفالهم وأحفادهم.

ثمة خيط قصصي واضح يمكن للمُشاهد أن يتتبعهُ منذ مستهل الفيلم، مرورًا بذروته، وانتهاءً بالخاتمة “الإيجايبة” على الرغم من التضحيات الكبيرة التي قدّمها الشعب الأوكراني بمختلف أطيافه القومية والدينية والمذهبية. فالفيلم في جوهره يرصد الطاقة الكامنة في روح الشعب الأوكراني الذي شعر بالاستقلال الحقيقي بعد تقديمه هذه التضحيات الجسام التي بلغت حتى ربيع 2015 نحو ستة آلاف شهيد وبضعة آلاف أخرى من الجرحى والمصابين بدرجات مختلفة من العوق لكن الأمة الأوكرانية نهضت من رمادها مثل طائر العنقاء وطببت جراحها بعد أن شعر كل فرد فيها بطعم الحرية ونكهة الكرامة الإنسانية.

أفادَ مخرج الفيلم من المصورين غير المحترفين وخاصة حملة الهواتف النقالة وأصحاب الكاميرات المنزلية الذين اقتنصوا عشرات اللقطات والمَشاهد العفوية التي قد تفوت على طاقم التصوير المحترف خصوصًا في مظاهرة مليونية لا تستطيع أن تلّمها عين الكاميرا أو عدة كاميرات في آن واحد. كما أن عدد الأشخاص الذين ضمهم الفيلم كان كبيرًا إلى الدرجة التي يحتاج فيها مُخرج الفيلم إلى عدد كبير من المصورين، وواضعي الأسئلة المهمة التي تمس جوهر الحدث الاحتجاجي الذي أخذ طابعًا ثوريًا وحربيًا بعد عشرة أيام من اندلاعه.

نجح مُخرج الفيلم في استقطاب أعداد كبيرة من “الرؤوس المتحدثة” التي جمعت بين الطلاب، وأساتذة الجامعة، والأطباء، والمهندسين، والمحامين، والصحفيين، وكُتّاب المدونات، والفنانين، ورجال الدين، والمتقاعدين، ورجال الأعمال، وعمّال النظافة، وحرّاس الميدان الأوروبي “ساحة الاستقلال”، وطفل صغير اسمه رومان سافلييف لم يجتز عامه الثاني عشر الذي أصرّ على تواجده اليومي في الميدان وتقديم خدماته في شحن هواتف المتظاهرين، وتهيئة الإنترنيت لهم بغية ربطهم بالعالم الخارجي.

اللافت للانتباه أن “البلطجية” أو “الأشقياء” حاضرون في كل زمان ومكان حتى وإن تغيّرت أسماءهم وعناوينهم والغريب في هذا الفيلم أن الميدان قد ضجّ بهم منذ الأيام الأولى للمظاهرة الاحتجاجية التي تطالب بضم أوكرانيا إلى أوروبا والعالم المتحضر بعد أن انسلخت عن حاضنتها الطبيعية لأكثر من تسعة عقود لأن الأوكرانيين لا يعتبرون عام 1991 عامًا للاستقلال الناجز وذلك بسبب هيمنة روسيا الاتحادية على حكومتها ومقدرات شعبها، وأن يوم الاستقلال الحقيقي بالنسبة لهم هو اليوم الذي فرّ فيه فكتور يانوكوفيتش تاركًا وراءه دولة مُفلسة وفاسدة بكل المقاييس.

يُطلق على “البلطجية” في أوكرانيا كلمة تيتوشكي Titushky وهي ليست بعيدة عن المُرتزَق الذي يتقاضى أجرًا على أفعاله الإجرامية المُخالفة للقانون لكن الغريب في الأمر أن التيتوشكي الأوكراني يتقاضى أجرًا زهيدًا لا يزيد عن عشر دولارات يوميا! أما أفعالهم المُنتهِكة للقانون فهي مروّعة جدًا لأنهم لا يتورعون عن القتل أو الضرب المبرّح بالعصي والهراوات الحديدية.

لا تُسهب “الرؤوس المُتحدثة” في الكلام على الرغم من أهمية الأفكار والآراء التي يطرحونها فالصحفي مصطفى ناييم الذي يبذر فكرته التنبؤية الأولى في مستهل الفيلم ينوّر أذهان الناس ويحذرهم في الوقت ذاته بأن رئيس الوزراء مايكولا أزاروف قد قال بأنّ الحكومة لن توقِّع اتفاقيتي الشراكة والتجارة الحرّة مع الاتحاد الأوروبي. وأن الصحفية كاترينا أوفرتشينكو قالت في الشأن ذاته: “أنها خطوة للوراء، خطوة ليست لجيل واحد وإنما لجيل أجدادي في زمن الاتحاد السوفيتي السابق”. وأشار طبيب القلب فاليري زاليفيسكي بأن الناس غاضبون ليس بسبب الظروف الصعبة وإنما لأنهم سرقوا مستقبل أولادنا”. وقد عززت رأيه الناقد الفنية أوليتا ستادنيك التي أكدت بأن المتظاهرين قد “جاؤوا رغم المطر كي يدافعوا عن مستقبلهم ومستقبل أولادهم”.

تجدر الإشارة إلى أن السياسة لا محل لها في هذه التظاهرة المليونية فحينما أطل السياسي المعارض فيتالي كليتشكو، زعيم التحالف الديمقراطي الأوكراني للإصلاح، طلب منه المتظاهرون أن يرفع شعاراته لأن المحتجين لا يبالون بالسياسة مع أنهم احتفوا بكل مكوّنات المجمتع الأوكراني وأطيافه الدينية المتنوعة لكنهم أرادوا أن ينأوا بأنفسهم عن السياسيين ويفسحوا المجال لمختلف الشرائح الاجتماعية الأوكرانية التي تحملت ظلم السلطة، وعسف الحكومة لعقود طويلة من الزمن.

كشف هذا الفيلم الاستقصائي الوجه القبيح للسلطة الأوكرانية التي لجأت إلى التيتوشكي من جهة ولاذت بالبيركوت من جهة أخرى، والبيركوت هي قوات مكافحة الشغب التي تماهت مع السلطة المستبدة ولم تقف إلى جانب الشعب المقهور فليس من المُستغرَب أن تستعمل القوة المفرطة في البطش بالمواطنين الأوكرانيين، وضربهم بالرصاص الحي، والهراوات الحدية التي أسفرت عن استشهاد 125 مُحتجًا و 1890 جريحًا و 62 مفقودًا خلال 93 يومًا من التظاهرات والمواجهات البطولية ضد البيركوت والتيتوشكي والتي انتهت بهروب الرئيس يانوكوفيتش إلى موسكو وانتصار الشعب الأوكراني الذي طالب باجراء انتخابات مبكرة جرت وقائعها في 25 مايو / أيار 2014 ليطوي الأوكرانيون صفحة الاستقلال المزيّف على الورق، ويُنهوا عصر التبعية المقيتة لروسيا الاتحادية ويتلذذوا بطعم الاستقلال الحقيقي الذي شعروا به بعد هزيمة الطاغية، وعودتهم المباركة إلى الحضن الأوروبي الدافئ الذي يبجِّل الحرية، ويقدِّس الكرامة الإنسانية.