نقد سينمائي

"معركة لبنان".. ندوب الحرب الأهلية وسوداوية الحاضر

 

محمد موسى

وقَفَ فادي أمام محل فلافل على ناصية ما كان يُعرف سابقا بخط التماس بين متحاربي الفصائل اللبنانية في الحرب الأهلية التي عصفت في لبنان لأكثر من 15 عاما. يستذكر الرجل الذي تجاوز الخمسين من عمره بقليل وهو يلتهم سندويش الفلافل بأنه في زمن الحرب تلك كان يُسدّد طلقات رشاشه إلى المبنى ذاته الذي يقف أمامه اليوم.

يفتح فادي قلبه للبرنامج الهولندي "معركة لبنان" الذي يقدمه الهولندي من أصول لبنانية "داني غصن"، والذي كان مع فريقه الفنيّ يبحث عن نماذج تمثل الزمن اللبناني المُعقّد والعنيف بكل أضداده والتباساته وجنونه.

يقارب "غصن" -الذي عُرِفَ في التلفزيون الهولندي ببرامجه الوثائقية الجريئة- للمرة الأولى في برنامجه التسجيلي الجديد قضية بلده الأُمّ، وقد كان غادره برفقة أهله عندما كان في الـ15 من عمره هرباً من الحرب الأهلية اللبنانية قبل 25 عاماً.

فادي.. شهادة مُتشائمة

يُعاود فادي الحضور في زمن البرنامج التسجيلي الهولندي (عُرض على حلقتين على شاشة التلفاز الهولندي الرسمي)، فبعد أن تذكر أمام محل الفلافل أنه أُجبِر وقتها على حمل السلاح، عاد واعترف في مناسبة أخرى وفي مكان آخر أن خيار القتال في صفوف حزب القوات اللبنانية وقتها كان شخصيا، وأنه تمّ دون تدخل من العائلة أو المحيط، وأنه نادم عليه اليوم.

فادي الذي يُدرّس التاريخ للطلاب يعرف أكثر من غيره تعقيد الواقع اللبناني، ويعتقد أن البلد لن يتقدم خطوة واحدة إذا حَمل أبناؤه السلاح ضد بعضهم.

وعندما يرافق البرنامج حفل تعميد ابن فادي، يعترف الأب (الذي تزوج متأخراً وكان متأثراً بأجواء المناسبة السعيدة) أنه رغم اختياره البقاء في لبنان، فإنه يتمنى لابنه الذي يبلغ تسعة شهور فقط حياة ومصيراً مختلفين وبعيدين جغرافيا كثيراً عن بلد المتاعب الذي سرق سنوات جميلة من حياة أبنائه، فالواقع اللبناني حسب فادي مُعقد كثيراً، والفجوة بين اللبنانيين اليوم أكثر عمقاً عمّا كانت عليه في زمن قتال اللبنانيين بالسلاح قبل عقود.

يُهمين التشاؤم -الذي يطبع شهادة فادي عن لبنان- على البرنامج التسجيلي لدرجات قاتمة جدا، حتى بدا البلد العربي وكأنه شديد القُرب من هاوية أشدّ عمقاً من الحرب الأهلية اللبنانية التي هشّمت وحدته ونسيجه الاجتماعي.

ولعلّ هذا التشاؤم يعود إلى مقدم البرنامج التسجيلي نفسه الذي يفتتح برنامجه بمقدمة قانطة عن البلد الذي وُلد فيه، وبحث طوال زمن البرنامج عن قصص ولبنانيين أكدوا وجهة نظره الشخصية المتشائمة.

قابل غصن عبود في الشارع، حيث يعمل الأخير سائق تاكسي

"عبّود" وأمراض الحرب

اختار مُقدم البرنامج الذي امتلك حرية كبيرة على صعيد الإعداد وكتابة نص البرنامج؛ أن يتفاعل مع ما يجري في الشارع دون أن يُحضّر كثيراً لجولاته اللبنانية، فهو مثلاً عندما يقابل شخصيات يعتبرها مثيرة يبقى معها ويرافقها لأيام، ويزورها في بيتها وبيوت أهلها. ذلك تماما ما فعله مع فادي المذكور سلفا، وعبود اللبناني الآخر الذي يكبر داني غصن بعامين، لكنه عاش حياة مختلفة كثيراً عن تلك التي عاشها المذيع اللبناني الهولندي.

قابل غصن عبود في الشارع، حيث يعمل الأخير سائق تاكسي. لم يكمل عبود تعليمه الدراسي بسبب الحرب الأهلية التي أثّرت على جيل كامل من اللبنانيين، هذا ما نعرفه من والدَي عبود اللذين ما زالا يسكنان في البيت نفسه الذي يقع في حيّ شهد معارك ضارية في زمن الحرب تلك. عبود نفسه لا يتحدث كثيراً، فهو يعمل لساعات طويلة من أجل عائلته الصغيرة، ويُهيمن هاجس توفير مستلزماتهم الأساسية على حياته اليومية.

يزور فريق البرنامج الهولندي منزل عبود، ويقابل زوجته التي تشكو من قلة فرص العمل في لبنان بسبب عدد اللاجئين السوريين، وتفضيل أرباب العمل اللبنانيين لهم لأجورهم المنخفضة مقارنة باللبنانيين، كما يزور البرنامج أُمّ عبود التي كانت ترقد في مشفى حكومي في لبنان بسبب أزمات في التنفس، والتي يُقال إن الكثير من اللبنانيين يعانون من شبيهاتها بسبب آثار الحرب الأهلية ومشاكل التلوث والنفايات التي تُرمى في شوارع لبنان في الأعوام الأخيرة.

يكشف المقدم أيضاً أنه رغم سنوات الهجرة الطويلة فإنه لا يزال يَحنّ لبلده الأُمّ

ندوب الماضي وسوداوية الواقع

يَجمع البرنامج الهولندي بين التجارب الخاصة والعامة، ويربطها عبر تعليق "غصن" العاطفي غالباً. ويعترف المقدم في مقدمة البرنامج بأنه لم يشفَ تماماً من جراح الحرب الأهلية اللبنانية، وعندما وقف على أحد جبال لبنان خاطب المتفرج الهولندي بأنه لا يفهم كيف يُمكن أن يحمل أبناء البلد الواحد البغضاء لبعضهم كما يحمل اللبنانيين.

يكشف المقدم أيضاً أنه رغم سنوات الهجرة الطويلة فإنه لا يزال يَحنّ لبلده الأُمّ، وأن حاله حال معظم المهاجرين يعيش مُمزقاً بين الحنين للبلد الأصلي والبلد الجديد، حيث إنه يفتقد لبنان عندما يكون في هولندا والعكس.

لم يشأ التحقيق الهولندي الاكتفاء بالبحث في الماضي اللبناني الذي تركت فيه الحرب الأهلية ندوباً غائرة، بل يحاول أن يحلل الواقع الذي يراه لا يقلّ سوداوية عن سنوات الحرب، فالمجتمع اللبناني ما زال على حاله من التمزق، حيث الولاء للطائفة والحزب قبل البلد.

ستتكرر هذه النظرة القاتمة في شهادات أغلب من تحدث للبرنامج، سواء الذين عاصروا الحرب الأهلية، أو الذين وُلدوا بعد توقف القتال، حيث بدا اليأس وهاجس الهجرة يُهيمن على جميع من تحدث للبرنامج.

من قلب مخيم فلسطيني في لبنان يُحاسب البرنامج التسجيلي الضمير اللبناني الرسمي وسجله تجاه اللاجئين الفلسطينيين

المخيمات الفلسطينية.. فوضى وحرمان

من قلب مخيم فلسطيني في لبنان يُحاسب البرنامج التسجيلي الضمير اللبناني الرسمي وسجله تجاه اللاجئين الفلسطينيين.

يُذكّر "غصن" مجدداً بأن الفلسطيني في لبنان لا يملك الحقوق الأساسية، فهو ممنوع من العمل الرسمي أو التسجيل بالجامعات، ويكاد يكون محبوساً في المساحة القليلة التي قُدِّر له أن يعيش فيها، رغم أن هناك ثلاثة أجيال وُلدت في بقعة الأرض الصغيرة تلك.

يلتقط البرنامج مشاهد مؤثرة من حياة فلسطينيي المخيم، ويُركز على شابين يعملان في إصلاح شبكة الكهرباء في البيوت والحي (يشكل انقطاعها المستمر إحدى مشاكل الحياة الكبيرة في المخيم).

يكشف الشابان أن هناك العشرات من الفلسطينيين يموتون بسبب الصعقات الكهربائية في المخيم كل عام، فالفوضى ضاربة في المكان الذي تُرك لمصيره عدا مساعدات قليلة من مؤسسات دولية.

يقابل البرنامج أيضاً فلسطينيين متنوعين من أهل المخيم، منهم شاب هاجر أخواه إلى أوروبا في حين بقي هو بسبب والده العاجز. يخطط هذا الشاب الفلسطيني أن يذهب بأبنائه الصغار إلى أوروبا، فلا مستقبل للفلسطينيين في لبنان على حدّ قوله، كما استطرد حين وصف أوضاع الفلسطينيين في المخيم بمشاكلهم وصعوبات حياتهم، وأنهم لا يختلفون كثيراً عن اللبنانيين الفقراء أمثالهم والذين يسكنون على مرمى حجر فقط من المخيمات الفلسطينية في لبنان.

لا يبقى البرنامج في حدود بيروت، بل يسافر إلى صيدا جنوبي لبنان

فقر في الشمال والجنوب

لا يبقى البرنامج في حدود بيروت، بل يسافر إلى صيدا جنوبي لبنان، حيث يُسجّل يوميات صف مدرسي في مرحلة التوجيهي يجمع طلابا من مدارس مختلفة ليُدرّسهم تاريخ لبنان الحديث، فتكشف المعلّمة التي تنظم هذا الصف أن مدارس لبنان لا تُدرّس التاريخ الحديث، وأنها تتجنب الخوض في غمار الحرب الأهلية اللبنانية. وذلك يعني أن البلد بسياسييه وشخصياته العامة ما زالوا عالقين في تعقيدات الحرب، وأن البلد برمّته لم يتصالح مع تلك الصفحة من تاريخه، لذلك يتجنب اللبنانيون التعرض لهذا الموضوع الحسّاس.

في طرابلس المدينة التي زارها البرنامج وقضى فيها عدة أيام؛ بدا الانفجار اللبناني قريباً للغاية. وقد حَدَثَ فعلاً قبل عامين عندما تفجرت اشتباكات مُسلحة بين علويين وسنّة من سكان المدينة على خلفية الاحتقان الطائفي الذي شكلته الثورة في الجارة الكبيرة سوريا. لا يزال عنف تلك السنوات ماثلاً في بعض بنايات طرابلس التي حفر الرصاص جدرانها، بيد أن المشكلة الأهم في المدينة هو الفقر وغياب الأفق للكثير من سكانها.

يُرافق الفيلم شاباً من أهل طرابلس اضطر بسبب الظروف المادية أن يُسكّن زوجته وأولاده في بيت أهلها، فيما هو عاد للسكن في بيت أهله لأنهم لم يعدوا قادرين على توفير أجرة البيت الذي يسكنون فيه.

بدا الفقر في طرابلس أشد وطأة من العنف نفسه، وهو الذي يستدرج شبابا من كل الطوائف يجمعهم الفقر لحمل السلاح أحياناً ضد بلدهم. وبينما كان البرنامج الهولندي يصور هناك، عصفت بالمدينة مشكلة بسبب الانتخابات النيابية، إذ شهد البرنامج على نقاشات اقتربت من الصراخ بين سياسيين وسكان المدينة.

يفرد التحقيق التسجيلي مساحة للوضع الاقتصادي المتردي في لبنان

اقتصاد مُنهار ولاجئون سوريون

يفرد التحقيق التسجيلي مساحة للوضع الاقتصادي المتردي في لبنان، فديون الدولة هناك وصلت إلى مئة مليار دولار أمريكي، كما أن الوضع السياسي في البلد والمنطقة يعرقلان أيّ إصلاحات اقتصادية ضرورية للغاية.

يحصر البرنامج نفسه ببضعة نماذج وأمثلة عن تردي الوضع الاقتصادي، ولا يخرج من أسر العناوين الشائعة عن اقتصاد لبنان، فيقابل بهذا الخصوص مزارع موز وَرِثَ زراعة هذه الفاكهة عن آبائه، لكنه يعاني من إهمال الدولة له ولأمثاله من المزارعين.

ثم يتجه التركيز كثيراً على وجود السوريين في لبنان، وكيف أثّر وجودهم على فرص اللبنانين في العمل، رغم أن هذه الموضوع لا يزال ينقصه الإحصاءات الاقتصادية المُحايدة حتى يتبيّن أثر وجود السوريين على الاقتصاد اللبناني.

في مقبرة حزب الله

يدخل البرنامج في حلقته الثانية إلى المناطق التي يُهمين عليها حزب الله اللبناني في لبنان، حيث يكشف "غصن" أنه أرسل قبل أشهر عديدة طلبات للحزب من أجل التصوير هناك، لكنه لم يتلق أي ردود، وما أن بدأ تصوير البرنامج الفعلي في لبنان حتى سمح الحزب لفريق البرنامج الدخول للتصوير في مقبرة مقاتلي الحزب، والذي قُتل بعضهم في الاشتباكات التي لا تتوقف مع إسرائيل، وزادت في السنوات الأخيرة أعداد قبور مقاتلي الحزب الذين قتلوا في الصراع في سوريا، إذ من المعروف أن الحزب وقف إلى جانب النظام السوري وشارك فعليّاً في الحرب.

يُفرد البرنامج مثلاً دقائق طويلة لما يجري في مُدرّجات مباريات كرة السلة في لبنان

سردية مُتشائمة

الحال أن البرنامج الهولندي اختار منذ بدايته سردية مُتشائمة كثيراً لبحث الحال اللبناني، ثم اتجه بعد ذلك من خلال بحثه لإثبات هذه السردية، سواء عن طريق انتقاء الشخصيات التي تتحدث في البرنامج، أو تسليط الضوء على قضايا بعينها.

يُفرد البرنامج مثلاً دقائق طويلة لما يجري في مُدرّجات مباريات كرة السلة في لبنان (الرياضة الأكثر شعبية في البلد)، إذ وصل التقسيم الطائفي إلى مُشجعي الفرق الرياضية، ويكاد الجميع يتورط في سكب الزيت على الاحتقان الطائفي والديني لهذه الرياضة (يعرض البرنامج الهولندي مشاهد مقلقة كثيراً لمعارك بالأيدي شارك فيها لاعبون من فرق رياضية مع الجمهور الذي كان يضرب بعضه بعضا أيضاً).

وحتى عندما تمرّ أحياناً ببعض النماذج التي تحاول رغم كل الظروف السائدة أن لا تنسى إنسانيتها ومسؤوليتها تجاه البلد الذي تعيش فيه؛ يُصرّ المقدم على إضافة مسحة من التشاؤم على هذه النماذج، فعندما يقابل "غصين" الشاب اللبناني "علي" الذي خصّص حقل زيتون تملكه عائلته لاستقبال عشرات من المهجّرين السوريين دون أن يطلب منهم أي مبالغ مالية؛ يحاصره المُقدّم بأسئلة من نوع: هل تعتقد أنني أخذت القرار الصائب بترك البلد في عمر الخامسة عشرة؟

هذا السؤال أو تنويعات منه سيتكرر مراراً أثناء البرنامج، ويسأل عنه كل الشخصيات التي تحدثت في البرنامج.

يفتح فادي قلبه للبرنامج الهولندي "معركة لبنان" الذي يقدمه الهولندي من أصول لبنانية "داني غصن"

هواجس المقدم الهولندي

يسير برنامج "معركة لبنان" على نهج خاص في صناعة البرامج التسجيلية في التلفزيون الهولندي، حيث تختلط الهواجس الشخصية مع العامة لمقدمي هذه البرامج. هذه الأسلوبية التي تمنح بعض القضايا البعيدة عن المتفرج العادي في هولندا وجهاً إنسانياً بفضل مقدمي هذه البرامج الذين يعيشون في هولندا ويتكلمون لغة البلد؛ كانت جرعتها زائدة جدا في برنامج لبنان، إذ إن "غصن" لم يترك لبنان بقرار شخصي منه، بل إن عائلته أخذت هذا القرار لصغر سنه حينها.

لم يتطرق البرنامج التسجيلي الطويل إلى وجه لبنان الصابر الليّن، والذي نجح منذ أكثر من عشرين عاما في تفادي كوارث الدول المحيطة بلبنان، هذه الدول التي تغرق اليوم في الفوضى والعنف.