نقد سينمائي

"ملاك أشقر".. روبرت ريدفورد وجه أمريكا المضيء

ندى الأزهري

"ملاك أشقر".. هذا ما يوحي به شكلُه وما اختار المخرج الفرنسي وضعه عنوانا لفيلمه عن الممثل الأمريكي روبرت ريدفورد. لوحة لن تكون إلا جزئية عن هذا المخرج والممثل والمنتج والإنسان الملتزم بقضايا البيئة، فهو "حامي الحلم الأمريكي" والمواطن المثالي.

يحاول الفرنسي "بيار هنري سلفاتي" في فيلمه الوثائقي "ملاك أشقر" (2019) (52 دقيقة) الإحاطة بحياة هذه الشخصية، فكل ما عبر حياتها وما أثرت به في حياة الآخرين، فهو يعتمد الأرشيف ومقتطفات من بعض أفلام روبرت ريدفورد ممثلا ومخرجا ولقاءات سابقة معه، كما يعتمد لقاء خاص مع كاتب سيرته "ميكائيل مينّي كالان" والناقد الفرنسي "سيرج كاغنسكي".

إن بدت صورة الشخصية أكثر وضوحا في بعض جوانبها فإن كونها أسطورة تربعت بكل عظمة على عرش السينما الهوليودية دون أن تنكر مع هذا مبادئها واعتمادها السرد الفيلمي والتقطيع المستمر للمراحل وخلط المسارات عبر التنقل بين المواضيع وبين أعمال ريدفورد القديمة والجديدة؛ سبّب أحيانا ارتباكا في ذهن المتلقي، وجعل من صورة ريدفورد وما تعكسه أعماله أكثر تعقيدا.

ما يجب تقبّله هو أن الفيلم ليس سيرة، وهو ليس فيلما تقليديا يسرد مراحل حياة ريدفورد بتسلسل زمني مريح للمشاهد، فهو يخلط الأزمنة والأمكنة والمواضيع في أسلوب يليق بهذه "الأيقونة" المتعددة الوجوه بأسلوب غير تقليدي، ليعبّر من خلاله عن رمز غير تقليدي من أهم رموز السينما الأمريكية في الخمسين سنة الأخيرة، وكذلك السينما عامة.

الفيلم الذي عرضته المحطة الفرنسية الألمانية "آر تي" في أمسية خاصة عن الممثل الشهير؛ كان لوحة مليئة بالألوان والخطوط المتشابكة لممثل رائع لا يقف شيء أمام جاذبيته، ومخرج مهم ومنتج ناطق باسم "أمريكا مثالية"، وإنسان في بحث دائم عن الحرية متجاوزا صورة أراد الآخرون فرضها عليه دائما كمثال للجمال.

إن أكثر ما برز في الفيلم كانت صفات ريدفورد كإنسان محبّ للطبيعة ومدافع عنها، فهو قلق من الاحتباس الحراري، وإنسان ملتزم لم يتراجع ولم يتنازل ولم يفقد الشجاعة يوما في الدفاع عن كوكبنا وعن "الصغار" في هذا العالم، مُعلنا كل مبادئه في أفلامه سواء تلك التي مثّل فيها أو أخرجها.

لقطة من فيلم "الرجل الذي يهمس في أذن الحصان"

"الوجه المضيء لأمريكا"

ولد روبرت ريدفورد عام 1936 لأم تقدمية وأب محافظ، وكان تأثير أمه عليه قويا، لا سيما في حب الطبيعة والذهاب دائما أبعد في أحلامه.

يكشف الفيلم عن حلم قديم لريدفورد بأن يكون رساما، فقد سافر إلى باريس حين كان في الـ18 ليدرس الفنون الجميلة مُعارضا رغبة والديه، لكنه نفر من التدريس الأكاديمي، وحين درس الفنون الدرامية فيما بعد في بلده قال إنه لم يتعلم خلالها التمثيل، فكل ما تعلمه آنذاك كان "ألا يخاف الجمهور، وأنه كي تكون جيدا يجب العمل على ألا تكون سيئا"، لكن فكرة فن الرسم لم تفارقه وبقيت في خياله إلى أن قال لنفسه يوما وقد أصبح ممثلا شهيرا "أنت تحب مهنتك وتؤديها جيدا، انسَ هذه الفكرة".

بدايته الحقيقية التي جعلت منه نجما محبوبا على الفور كانت في فيلم "بوتش كاسيدي وكيد" (1970) لجورج روي هيل مع بول نيومان، حيث كانا شقيين يهاجمان القوافل في بداية القرن العشرين، وتتابعت أفلامه إلى أن وصلت إلى 67 فيلما ممثلا، وتسعة أفلام مخرجا.

لقد جسّد ريدفورد أكثر من أي أحد آخر "الوجه المضيء لأمريكا" كما كان يحلم به، واعتُبر "بطل القيم الأميركية الأصيلة" مع مثابرته ونزاهته واستقلاليته ومثاليته، كما كرّس إنتاجاته الفنية -سواء في الأفلام التي مثّل فيها أو التي أخرجها- لخدمة التزاماته ومبادئه السياسية.

فقد بدأ ارتباطه بالديمقراطية وانتقاده اللاذع للمؤسسات في فيلمه الشهير مع فاي دوناواي "3 أيام من كوندور" لسيدني بولاك، حيث الهجوم الواضح على وكالة المخابرات الأمريكية والتنديد بالمؤسسات الأمريكية. وقد اعتبر ريدفورد في حوار أن الفيلم كان مخاطرة آنذاك قائلا "نتخذ فيه المواقف ونطرح التساؤلات على حكومتنا، وإن كانت تتضمن عناصر ليست تحت السيطرة".

أما فضيحة ووترغيت فكانت موضوع فيلمه مع داستن هوفمان "رجال الرئيس" (1976) الذي أخرجه آلان باكولا.

ولم تكن الأفلام التي أخرجها مثل "الرجل الذي يهمس في أذن الحصان"، و"تحت الرقابة" (2013) و"أُسود وحِملان" (2007) بعيدة عن توجهاته البيئية والسياسية. وعن فيلمه السابع "أسود وحملان" (2007) يقول ريدفورد عن السياسة "كنت على الدوام مهتما بالسياسة كموضوع، لأنني أهتم بالولايات المتحدة، وعمل أفلام عن بلاد أخرى لا يهمني حقا، فهؤلاء الذين يعيشون فيها سيقومون بها جيدا، الموضوع الأساسي والأهم لي هو بلدي بقضاياه التي تبرز أو تتطور، وهذا الفيلم يدخل ضمن هذا الإطار، بمعنى أن الفيلم ليس عن الحرب، بل هو يتساءل عن تلك العناصر التي تتكرر دائما في التاريخ".

فيلم "3 أيام من كوندور" لسيدني بولاك، حيث الهجوم الواضح على وكالة المخابرات الأمريكية والتنديد بالمؤسسات الأمريكية

التزام بيئي وأوسكار شرف

ظهر التزام ريدفورد البيئي في "جيريميا جونسون" (1971) لسيدني بولاك، وكانت الشخصية التي جسدها فيه من أحبّ الشخصيات إلى قلبه، "لأنه رجل يذهب حتى النهاية ولا يتخلّى عن هدفه" كما ذكر كاتب سيرته كالان، فقد كان الفيلم عن متجوّل وحيد يجوب السهوب والجبال ويجابه بمفرده الطبيعة. لقد صرّح ريدفورد عن دوره هذا بالقول "أومن بالطبيعة أكثر من الحضارة، لقد كان مثيرا إظهار جبروتها في الفيلم".

أخرج ريدفورد تسعة أفلام، ونال عام 1981 جائزة الأوسكار عن إخراجه الأول "أناس كالآخرين"، وهي دراما نفسية، كما مُنح أوسكار الشرف عن مُجمل أعماله عام 2002، وكان أحد أسبابها دعمه للسينما المستقلة وإنشاءه مهرجان صندانس.

رؤية شمولية وحلم أمريكي

بعيدا عن أضواء هوليود وفي الطبيعة البريّة لوادي "أوتاه"، استقرّ روبرت ريدفورد مع زوجته الأولى "لولا فان واغنن" الآتية من هناك، حيث جعل من المنطقة منصّة رائعة للعمل على مبادئه في حماية البيئة وعلى مفهومه لدَوْرِ السينما.

وفي وقت لم تكن قضية البيئة بعد مركز اهتمام الكثيرين؛ كان روبرت يندد بكوارث الغابات وبانحراف عالم مهدد، ويؤكد أهمية المحميات الطبيعية بالقول "الشمس ستشرق دوما، الشمس لن ترفع أسعارها لتدفئتنا، ولن تلوث هواءنا وتؤذي أنهارنا".

من هناك دعا خبراء ودبلوماسيين روساً وأمريكيين إلى مؤتمر عن الاحتباس الحراري، محولا بذلك المكان إلى منصّة سياسية. وحين وقف عام 2015 في الأمم المتحدة ليحث قادة العالم على اتخاذ قرارات للعمل على حماية الأرض لم يتنازل، وبدلا من خطاب متشائم بدا مؤمنا بقدرة الإنسان على تدارك الأخطاء والعمل.

لقد أجمع عدد من المقربين منه والعارفين به على أنه وإن لم يكن ثوريا فإنه يطرح تساؤلاته وشكوكه وهواجسه على السلطات دون تراجع، وأنه دون شك مرتبط ببلده وبهذا "الحلم الأمريكي" الذي جسدته أمريكا لأجيال، كما أنه "لا يركز على السياسة الأمريكية بل يرتبط بالقضايا العالمية، فرؤيته شاملة واهتمامه بأمريكا آتية بكل بساطة من ارتباطه بكوكبنا وبالعالم أجمع"، إنه يريد إنقاذ البشرية قبل أن يفوت الأوان.

أسس ريدفورد عام 1985 مهرجان صندانس لدعم السينما المستقلة

دعم السينما المستقلة

ومن واديه الجميل أيضا أسس ريدفورد عام 1985 مهرجان صندانس لدعم السينما المستقلة، وهو المهرجان الأبرز للمخرجين الشباب وهؤلاء المُبعدين عن هوليود. فـ"الملاك الأشقر" الذي عرف عندما كان شابا متى يقول "لا" لهوليود وللثروة التي وعدته بها، فإنه عرف في الوقت ذاته كيف يلعب لعبتها، وكيف يستخدم بكل حكمة شهرته للدفاع عن القضايا التي يؤمن بها. وكما أورد الوثائقي فإنه قال في تصريح له "مهنتي التمثيل، لكن طبعي الالتزام".

يعطي الفيلم هذا "الملاك الأشقر" حقّه، ويبديه مواطنا منفتحا على العالم دون أن يكون ثوريا، ويظهر طيبته كإنسان، وكأنه الوجه الأكثر تمثيلا له، أما على الشاشة فهو رجل "لا تمكن مقاومته". لقد غيّر ريدفورد السينما الأمريكية وكان تأثيره فيها عميقا.