نقد سينمائي

"من رمل ونار".. إسباني استشراقي اندسّ في مراكز القرار العربي

المصطفى الصوفي

هنا في هذا المشهد البطولي تتسارع الأحداث التاريخية بشكل قوي، لتجعل المشاهد يطرح أكثر من سؤال عما حصل بالفعل في تلك الفترة الزمنية من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث كانت الأمم القوية تتجه بكل مخططاتها إلى استعمار البلدان المستضعفة والنيل منها بطريقة لا تخطر على بال.

في باقي المشاهد الملحمية يوجد صراع مُبطّن وضغينة وأحقاد، مؤامرات ومغامرات ودسائس وانتقام، قصور فاخرة وصحارٍ شاسعة، مخططات أجنبية ومقاومة محلية شرسة، حِيَل خطيرة ومكائد، عشق وغرام ورومانسية وهيام، كرّ وفرّ وحروب مُجحفة من الشمال إلى الجنوب بحثا عن نخوة مفقودة ومجد زائف على جثث بريئة، وأحزان شعوب مسالمة لكنها صامدة تغِير على المعتدين والظالمين دفاعا عن قوس النصر والشرف.

طفرة تكسر النمطية

نفحة التاريخ تفوح بقوة من فيلم "من رمل ونار.. الحلم المستحيل" لمخرجه المغربي سهيل بن بركة، والذي يُعرض حاليا في عدد من صالات العرض المغربية والأجنبية. يُعدّ هذا الفيلم علامة فارقة في المشهد السينمائي المغربي والعربي الملحمي، وذلك لما يشكله من تحدٍ فني وإبداعي كبير يكسر النمطية والأعمال العادية والمبتذلة باسم السينما، كما يُعدّ طفرة عالية على المستوى التقني والجمالي والاحتفالي.

مَنْ شاهد هذا الفيلم التاريخي الضخم الذي كتبه المخرج رفقة الكاتب برنار سطورا، وإنتاج مشترك مغربي إيطالي؛ سيقف على سحر إبداعي من ثنايا المشاهد المختلفة الرائعة التي صورها المخرج متنقلا بين عدد من الأمكنة في المغرب وإسبانيا وإيطاليا وإنجلترا، وهو الأمر الذي أعطى للفيلم هالة من المتعة البصرية والفنية التي يشاهدها المتلقي من البداية إلى النهاية بلقطاتها وموسيقاها وأداء شخوصها اللافت، وسلاستها في نقل الأحداث إلى الواقع بأسلوب فني غاية في الدقة والاحترافية.

تتعدد القراءات والتأملات في هذا الفيلم من أجل فهمه واستلهام مواطن القوة فيه، واستخراج كنوزه الجمالية والشاعرية التي جعلت من السينما في هذا الإطار فنا إبداعيا رائعا، وصناعة احترافية واحتفالية تسمو بالروح إلى مواطن الإحساس بنقل المستحيل إلى الحقيقة، والأسطورة إلى الواقع، وجعل التاريخ والأحداث بشخوصها ووقائعها تتحدث عبر الصورة، وذلك هو سحر السينما.

الفيلم الملحمي الذي رُصدت له ميزانية مهمة يحمل الكثير من الدلالات العميقة الرامزة لنوع من العنف والصراع

حدث تاريخي ملحمي

عَرَف المخرج سهيل بن بركة في هذا الفيلم الدرامي والتراجيدي كيف يصوغ الحدث التاريخي، وذلك من خلال قصة واقعية لشخصية إسبانية استشراقية جريئة ومغامرة اندسّت في مراكز القرار العربي والإسلامي بحثا عن السبل الكفيلة للتغلغل والإضعاف وقلب السلطة والتمكن والاستعمار، وهي العملية التي شهدت نوعا من التشويق الزائد انتقالا من مشهد إلى مشهد.

لعلّ ملصق الفيلم كنظرة أولى يفي بالشيء الكثير، فمن خلاله نكتشف عالما من المعطيات الحارّة والحارقة التي تميز هذا الفيلم الضخم، وذلك من خلال النار المشتعلة في المنطاد، والبطل بملامحه العربية يُصوّب بندقيته باتجاه العدو للإجهاز عليه، فضلا عن الحروب والاشتباكات الملحمية التي تقع على الأرض، فيما تقف بطلة الفيلم بسحرها الأخّاذ شامخة مزهوة بشبابها، ومُحتمية وراء البطل كصمام أمان يحميها من المتآمرين والمعتدين.

من الوهلة الأولى نستنبط أن هذا الفيلم الملحمي الذي رُصدت له ميزانية مهمة يحمل الكثير من الدلالات العميقة الرامزة لنوع من العنف والصراع، والذي تحدده المشاهد المتعاقبة واحدة تلو الأخرى، حيث الرمل في الصحراء الملتهبة، والنار الحقيقية والرمزية التي تشتعل هنا وهناك لأجل بلوغ الهدف، بحثا عن حلم مستحيل.

إن الحلم المستحيل الذي يبحث عنه سهيل بن بركة في هذا الفيلم على مدى 166 دقيقة هو صناعة فيلم ملحمي تاريخي قضى في بناء معماره الفني زهاء عشر سنوات، متنقلا بين الرمل والصحراء والقصور وعلى صهوات خيول مطهمة (جميلة)، وذلك بحثا عن الحقيقة التي تبقى في السينما إبداعية نسبية، وعلى المتلقي والنقاد أن يكتشفوها أو يعيشوها عند نهاية آخر مشهد من الحكاية.

أميرة تدمر الممثلة والنجمة الإيطالية كارولينا كريسانتيني

"علي باي".. دهاء ومكر وثقافة

يحمل الملصق أيضا الكثير من الصور والإيحاءات والعديد من الرسائل، بدءا من السماء الزرقاء المُلبدة بالغيوم كإحالة على تشابك الحبكة وعدم شفافيتها بشكل واضح، مرورا بالقلعة التاريخية الشامخة رمزا للقوة والحضارة التي بناها الملوك العظام.

في الفضاءات المفتوحة جَلَبة قوية تحدثها حوافر الخيول بصهيلها الجامح، صياح الجنود وحماسهم، وأعلام يحلم أصحابها بأن ترفرف عليهم دون أن تسقط أو تُنكّس، وفي الأعلى بَطلان تدور حولهما رحى الفيلم في جانبه الوجداني والسياسي والتاريخي؛ أنثى تهزم الآخر بابتسامتها وجمالها الباهر، ورجل شجاع يستعين ببندقيته للدفاع عن أحلامه وعشقه ومخططاته، فيما الحلم المستحيل يتبخر مُحترقا كالمنطاد.

ولعل الطريقة الاحترافية التي جنّد بها الإسبان في عهد الملك كارلوس الرابع هذه الشخصية التاريخية الواقعية كانت دقيقة نوعا ما، فهو يتقن خمس لغات بما فيها اللغة العربية، وهو ما جعله يكسب ثقة وعطف الكثير من المسؤولين في مراكز القرار، والاقتراب منهم أكثر والتعرف على سياساتهم وطموحاتهم، والبحث عن الطريقة المناسبة لتحقيق الحلم والهدف الذي تدرّب عليه.

البطل "علي باي" في أكثر المشاهد أظهر ثقافة عالية ودهاء ماكرا، وذلك وهو ينتقل بين إسبانيا وفرنسا وإنجلترا وسوريا والمغرب لإنجاح مخططه السرّي، لكن جرّة تجسسه لم تسلم كل مرة، وتنكسر ليفتضح أمره.

إذا كان "علي باي" العباسي يُدرك في الفيلم أنه تجاوز مرحلة الخطر بتمكنه من التغلغل في المجتمع، وبسط أفكاره وسيطرته لإنجاز مخططه بالطريقة التي يريد؛ فإن جواسيس آخرين يتعقبونه لمصلحة بلدانهم، لينكشف أمره ويموت في نهاية المطاف بطريقة مأساوية مسموما من قبل ملكة "تدمر" آنذاك "هايستر سطانوب"، وهي كريمة رئيس الوزراء البريطاني اللورد "وليامز بايت"، والتي جمعتها بالأمير علي قصة غرام مجنون لمدة تزيد عن 15 عاما.

اعتُبرت هذه الشخصية من أشهر الرحالة وأخطر الجواسيس على المغرب في عهد المولى سليمان

أشهر الرحالة وأخطر الجواسيس

لعلّ القصة الكاملة التي يقدمها بن بركة بكثير من الاحترافية في هذا الفيلم، تجعل من هذا الأخير أحد الأشكال الإبداعية السينمائية العالمية الذي يكشف جانبا مظلما من العلاقات الدولية، خاصة بين الشمال والجنوب، حيث تحكي قصة الفيلم مع مطلع القرن التاسع عشر (1802-1818) عن ضابط إسباني يسمى "دومينكو باديا"، تنكّر باسم أمير عربي يُدعى "علي باي العباسي"، فشغل بال العالم آنذاك.

واعتُبرت هذه الشخصية من أشهر الرحالة وأخطر الجواسيس على المغرب في عهد المولى سليمان الذي كانت فترة حكمه قوية عسكريا وسياسيا، وكانت لديه طموح كبيرة لغزو إسبانيا من أجل استرجاع الأندلس وإعادة الأمجاد العربية والإسلامية في أرض الأندلس.

وليُبعد عنه الأنظار والشكوك درس هذا الجاسوس علوم الفلك والفلسفة والتاريخ، لكن في مخططاته وتوجهاته البعيدة كان لديه طموح أبعد من ذلك، وتمثل في دراسة الأوضاع الاجتماعية والسياسية، ودعم الحركات الاحتجاجية والتمردية في القبائل المغربية من أجل إعداد البلدان العربية والمغاربية لاستعمارها.

إلى جانب الحبكة والقصة العامة التي يعالجها الفيلم اعتمد المخرج سهيل بن بركة على عدد من النجوم المغاربة والأجانب، وذلك لتحقيق نوع من التوازن البطولي في تقمص الأدوار، ويأتي في مقدمتها الممثل الإسباني الشهير "رودولفو سانشو"، والنجمة الإيطالية المتألقة "كارولينا كريسانتيني"، وجيانكارلو غيانيتي من إيطاليا وأمانول أرياس والإسبانية مارتسا بارداس، إضافة إلى ممثلين مغاربة أبرزهم الممثل والمخرج حميد باسكيط وجمال لعبابسي ومحمد العزوزي وكمال موماد ويوسف كركور وآخرين.

برع كل هؤلاء الممثلين في أداء الدور المنوط بهم، بأزيائهم وملاحمهم وقوة شخصيتهم، سواء داخل الفضاءات المغلقة أو المفتوحة، أو في علاقاتهم بباقي الممثلين، وكذلك من خلال الحوار المباشر المليء بالكثير من القيم السياسية والتاريخية والعقائدية.

مشهد عام لإحدى الحروب في الفيلم

حمولة توثيقية وكثافة تاريخية

 كما تفاعل هؤلاء الممثلون مع كل أشكال التعبير السينمائي منطوقا كان أو على شكل كتابة سينمائية عبر الصورة وإيحاءاتها، وهو ما أكسب الجو العام للفيلم نوعا من الهالة والحس الفني الجمالي، وذلك لتمرير مختلف العلامات التي يتوفر عليها السيناريو، وفي ذلك تأثير كبير على المظهر الخارجي والداخلي للممثلين ومدى تفاعلهم مع الأحداث والوقائع وباقي الشخوص، وهو ما أعطى نوعا من التناغم الجماعي في الأداء.

واستطاع بن بركة أن يقدم متواليات شعرية وجمالية التقطتها مختلف الصور المتحركة، والتي رُصدت في كثير من الفضاءات الجغرافية والأزمنة والأمكنة المتنوعة (صحراء، سهول، جبال، قلاع، رمال، قصور مخملية، مكتبة، دمشق، برايس، طنجة، فاس، متاحف، أطلال..)، بتقطيع مشهدي مرتب ومترابط، وهو ما أعطى الفيلم تلك الصورة التي فرضت نفسها على المتلقي بشكل كبير.

ويبرز في هذا السياق خيط رفيع يجمع الحس الفني والجمالي بين هذا الفيلم وبين أعمال أخرى للمخرج، منها "معركة الملوك الثلاثة"، و"أموك" في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، مما شكل انطباعا قويا بأن المخرج ظلّ وفيا لمشروعه السينمائي المستلهَم من الروح التاريخية والملحمية والبطولية، وجعل أفلامه تحظى باهتمام وتقدير كبير من قبل الجمهور والنقاد والمتتبعين والمهنيين.

إن المشهد العام لفيلم "من رمل ونار.. الحلم المستحيل" مفعم بفيض من الحمولة الفنية والمعرفية التثقيفية والتوثيقية، والكثافة التاريخية في المعلومات والمغامرات والحيل والدسائس، والأحلام الشاعرية والرومانسية التي يجب أن تعرفها الأجيال الصاعدة اليوم.

وفي مقابل هذه المعطيات داخل الفيلم نجد ضراوة في الصراع من أجل بلوغ الأهداف وتحقيق المصالح، ورغبة في إخضاع الآخر والنيل منه، وصولا إلى النهاية التراجيدية لبطل مثقف ومحبوب عرف كيف يتوغل ويلج إلى البلاط مُتنكرا في الأماكن التي لا يمكن الدخول إليها كتاجر مُتخفّ وعالِم حصيف (حكيم)، وعرف أيضا كيف يسرق قلب أميرة، لكنه للأسف لم يصل إلى الضفة الأخرى من الحلم والتطلعات، لتكون نهايته غير سعيدة.

بطل الفيلم الممثل الإسباني رودولفو سانشو

شاعرية المكان ورؤية عالمة

كل هذه الأنساق الفيلمية التي رافقت مغامرات البطل ومختلف شخوص الفيلم تمت بطريقة بارعة في التصوير، حيث تعامل معها سهيل بن بركة بكثير من الحكمة الفنية والمهنية الإبداعية التي راكمها منذ أكثر من أربعين عاما في المجال السينمائي، فكان له الوقت الكافي لجعل الكاميرا تتحرك وفق رؤية عالمة لاستنطاق سحر الأمكنة وخبايا الشخصيات، بكل الاستفزاز والقوة والصمت والصراخ والنظرات التائهة في الصحراء والفراغ.

وعلى الرغم من أن الفيلم كان يحكي قصة تاريخية لأحداث سياسية ودينية في الزمان والمكان، وأن المخرج حاول أن ينقل قصة شخصية واقعية حامت حولها الكثير من الأطياف الأسطورية؛ فإن كل من شاهد هذا الفيلم يقف على توليفة سينمائية غاية في الإبهار والجمال والشاعرية والسحر الأخّاذ.

وتُترجم تلك التوليفات مجموعة من العناصر المكوّنة للنسق الفيلمي بشكل عام، ويمكن استنباطها من خلال العلاقة الرومانسية التي ربطت بين ملكة تدمر والأمير التاجر من سلالة شريفة، وكذلك من خلال الصور المتناسلة عبر الموسيقى التصويرية وفضاءات التصوير الملحمية، خاصة في مناطق مرزوكة وورزازات التي صُوّرت بها أشهر الأفلام السينمائية العالمية التي حازت جوائز أوسكار، منها "المُحارب" لريدلي سكوت.

كما يمكن الوقوف على تعدد تلك التوليفات من خلال شاعرية المكان والزمان وسحر الإضاءة والمؤثرات الصوتية والضوئية والإكسسوارات والأزياء، وهو ما يجعلنا نؤكد أن الفيلم عمل توثيقي نادر، ووثيقة فريدة كشفت القناع عن النفائس والكنوز والرموز التراثية والحضارية والإنسانية التي تزخر بها العديد من البلدان العربية والإسلامية، وكذلك الأجنبية.

عموما تتعدد قراءات هذا الفيلم بحمولته التاريخية والسياسية والثقافية، فمضمون الفيلم السردي والحكائي كان واضحا، وقدّم فيضا من المعطيات الدقيقة والكافية لأحداث تاريخية بين المغرب وإسبانيا وإنجلترا، وذلك لشخصية واقعية داهية صنعت لنفسها مجدا يُحاكي تفاصيل الأسطورة، وحكاية بطل إشكالي في رواية أكثر تراجيدية.

كما أن المعنى الدلالي والرمزي والإيحائي في الفيلم، والمُتمثل في أشكال الصورة المتنوعة من حوار وديكورات وإكسسوارات وفضاءات وغيرها؛ شكّل هو الآخر مجالا آخر لشد الانتباه والولع بمتابعة الفيلم إلى آخر المطاف، لتكتمل الصورة والمعنى بشكل أفضل لدى الجمهور الذي وجد في فيلم بن بركة صحراء شاسعة للحلم، والبحث عن ليلى أخرى يحكي لها بطولاته تحت سماء تُضيئها النجوم.