نقد سينمائي

"مُعاذي المُشمس".. تناقضات امرأة تشيكية في منزل أفغاني

 

د. أمــل الجمل

اسمه محمد، لكنهم كانوا يُنادونه معاذ أو "ماد" كما يُنطق بالإنجليزية. ومن هنا يأتي عنوان الفيلم "مُعاذي المُشمس" (My Sunny Maad). وهو طفل أفغاني شديد الذكاء ومرهف الإحساس، لا يعرف شيئا عن والده، وفي المرة الوحيدة الذي يتذكره فيها يتحدث عنه باحتقار شديد، أما أمه فهي امرأة فقيرة لم تقدر على إطعامه، فتركته ليتبناه زوجان لا يُنجبان.

مع ذلك لا يزال معاذ يُكن الحب والتقدير لأمه، رغم أنه يشعر أن ميزته الوحيدة أن لا أحد يرغب فيه بسبب شكله ورأسه الضخم الأصلع، هكذا يُصرح للزوجين الذين قاما بتبنيه، إنهما "هيرا" و"نذير".

هيرا ونذير.. حُب في براغ وزواج في كابل

يتأمل نذير في معاذ بابتسامة ملؤها الحب الكبير، مؤكدا أن مُعاذ طفل ذكي يمتلك مزايا عديدة، ربما لم ينس نذير أيضا أنه لم يحصل على وظيفته الحالية إلا بعد أن دخل معاذ حياتهم، وكأنه الفأل الحسن، أما هيرا فتشعر أن هناك قاسما مشتركا بينهما، فهي امرأة تشيكية لا تعرف شيئا عن والدها، وعندما تزوجت أمها مجددا انخرطت في حياتها الزوجية الجديدة، ولم تعد تشغل بالها بالسؤال عنها.

 

كانت هيرا تشعر بالاغتراب وسط أبناء وبنات مجتمعها في براغ، فهي تجده مجتمعا شديد التعقيد، لم تكن منسجمة مع زملائها وزميلاتها في الكلية، ربما لذلك عندما التحق نذير بفصلها الدراسي انتبهت له ووقعت في غرامه، فقد بادلها نذير الحب، ثم قررا الزواج والعودة إلى مدينته كابل في أفغانستان.

باستثناء المشاهد الافتتاحية في براغ تدور باقي أحداث الفيلم -الذي أخرجته "ميكايلا بافلاتوفا"- في أفغانستان، فنتعرف على ماضيها المختلف كليا عن حاضرها البائس المتشدد تحت حكم طالبان، لقد كانت النساء تمتلك حريتهن ويحددن مصيرهن في الزواج والتعليم، يلبسن ما يردن من أحدث الأزياء سواء كانت قصيرة أو طويلة، يعملن جنبا إلى جنب مع الرجل، وكانت الموسيقى تصدح في كل مكان.

هكذا يُخبرنا جد نذير بالصوت والصورة، فذلك الرجل الليبرالي المُسن المتعاطف مع النساء كان مُصوّرا فوتوغرافيا وشاهدا على أحداث عدة مرّت بها بلاده، بما فيها الحروب التي أتت على الأخضر واليابس، وراح فيها والد نذير وأخوه الأكبر.

أجنبية في الزي الأفغاني.. استباحة الجسد في أسواق كابل

عندما وافقت هيرا على الارتباط بحبيبها نذير لم تكن لديها فكرة عن الأسرة التي هي على وشك الانضمام إليها، ولا تعرف شيئا عن التقاليد والثقافة البطريركية التي ستحكمها بقبضة حديدية، والتي ستفرض عليها البرقع والزي الأفغاني الذي سيُغطيها كاملا.

لقطة من حفل زفاف التشيكية هيرا والأفغاني نذير، حيث تعرفا على بعضها في براغ، ثم تزوجا في كابل

 

هذا الزي بدوره لن يحميها من التحرش في الأسواق، خصوصا عندما يجري تمييزها كامرأة أجنبية، ففي هذا الوسط الأفغاني تحت حكم طالبان أصاب الهوس الجنسي الرجال والأطفال، كأنهم يغرسون تلك الثقافة في النشء منذ نعومة أظفاره، فيتعاملون مع أي امرأة أجنبية على أنها امرأة عاهرة ومُنحلّة، ويحق لهم انتهاك جسدها.

ستُعايش هيرا ذلك بنفسها، ولن يشفع لها وجود زوجها بصحبتها، حتى عندما يضرب نذير المتحرش بها، فإن ذلك لن يحميها من سلاطة لسانه.

تفوق الأجانب.. عصر الاحتلال الأمريكي المهين

رغم تحذيرات الأصدقاء والمعارف لها، أصرت هيرا على الزواج من نذير، وكأنها تهرب من حياتها الباردة، من دون أي اهتمام بمعرفة شيء عن الحياة التي تنتظرها في أفغانستان ما بعد طالبان التي أعادت المجتمع الأفغاني عصورا للخلف، فالآن الاحتلال الأمريكي رابض على قلوب الأفغانيين، يعاملهم معاملة سيئة، يتعامل مع الأجنبي باحترام كأنه هو صاحب البلد، وليس الأفغاني نفسه.

هذا ما نراه بأحد المشاهد عندما تعمل هيرا في إحدى المنظمات الدولية، وتُكلف بالذهاب لمكان محدد للحصول على المساعدات من الأدوية. هناك لن يُسمح لزوجها باجتياز بوابة السور الشائك المبني على أرض أفغانستان، بينما يسمح لهيرا فقط لأنها تحمل جواز سفر أوروبيا.

بينما يُسمح لهيرا التي تعمل في إحدى المنظمات الدولية وتملك جواز سفر أوروبي بمرور السور الشائك المبني على أرض أفغانستان، يُمنع زوجها نذير بالمرور

 

ورغم أن اسم زوجها مقرون باسمها في جواز السفر، فإنه مُنع من الدخول وأهين وكاد أن يتعرض للاعتداء عليه بقسوة لولا تدخلها، ثم يشترط رجال الأمن أن يظل الزوج السائق في السيارة، بينما يصطحبون هيرا بسيارتهم إلى مكان تسلم الأدوية.

"هل هذا وطننا أم وطنكم؟".. صفعة لتنفيس الغضب المتصاعد

ترتبك العلاقة بين الزوجين، وتقع هيرا في ورطة كبيرة لأنها كامرأة أفغانية -بحكم زواجها من أفغاني- غير مسموح لها أن تكون بصحبة رجل أجنبي في غياب زوجها، فهل ترفض وتخسر الوظيفة التي تمنحها 500 دولار، وهو مبلغ أكبر مما يتقاضاه زوجها من العمل كسائق في المنظمة نفسها؟

هل ترفض وتخسر راتبها في ظل ظروف البطالة القاسية، وفي ظل احتياج الأسرة بأكملها لهذا المبلغ، إذ يعولان الأم والجد والأخت فريشتا وأولادها الأربع وزوجها العاطل، لكن السؤال الأهم هل تملك هيرا حق الرفض أو القبول؟ إن صاحب القرار الفعلي هنا هو نذير، فكيف يتصرف؟

ظاهريا يوافق نذير، لكن عندما تعود هيرا وهي تحمل صناديق الأدوية الثقيلة لن يحمل معها أي شيء، ولن يساعدها، ثم ينتهز أي بادرة خطأ منها ليصفعها على وجهها، ويُهينها بكل طاقة الغضب المتصاعدة والمكتومة في داخله، ثم يصفها بأنها مثلهم بإمكانها فعل أي شيء منحل، مُتسائلا: هل هذا وطننا أم وطنكم؟

فترد عليه بحزم: هذا أصبح وطني أنا أيضا.

غشاء البكارة.. صراع داخلي بين التقاليد والتحرر

رغم المشاحنات والاختلاف في ثقافتي الزوجين، فإن ذلك لم ينجح في القضاء على حبهما، لكن مشاهد الفيلم تشي بأن شخصية نذير لا تنتمي لتلك الثقافة المتشددة، وأنه يمتلك قدرا من التسامح، أو على الأقل لديه صراع داخلي يجعله يتأرجح بين ضفة أولئك الذين ما زالوا يلتزمون بالقواعد الأبوية القديمة، وبين أولئك الذين يرغبون في إحداث تغيير جذري في حياة المرأة وأسلوب النظر إليها، سواء كانت محلية أو أجنبية.

 

يتضح هذا التأرجح وعدم التشدد منذ البداية، فهو مثلا ليلة العرس حين يكتشف أن عروسه فقدت غشاء بكارتها قبل سنوات بعد صمت وصدمة واضحة؛ سيختار أن يصيب نفسه بجرح في ساقه لتنزف الدماء على الملاءة بديلا لدماء العروس، ولن يُؤثر ذلك على تعامله معها لاحقا.

صحيح أنه سيلتزم بثقافته وتقاليده فيفرض عليها الزي الأفغاني، وعدم الظهور أمام الأجانب، وعدم الاختلاء برجل غير محرم، لكنه سيكشف عن جوانب أخرى مضيئة في شخصيته، منها أنه سيرفض الاشتراك مع رجال طالبان في تفجير مقر العمل للقضاء على الأمريكان، وهو ما سيجعله يدفع حياته ثمنا له لاحقا.

وعندما يزوره أصدقاؤه الأمريكان -من محل عمله- في بيت العائلة، فإنه يقوم بحبس النساء في الدولاب لكيلا يراهم الأغراب، لكن في لحظة ما سينفتح الدولاب وتسقط أبوابه وينكشف الأمر، وعندها تتساءل زميلته الأمريكية هناك امرأة شقراء أجنبية بين نساء العائلة؟

يخبرها نذير بأنها زوجته وأنها تشيكية، ومن هذا الموقف سيُولد ترشيح هيرا لوظيفة جيدة مع الأمريكان، خصوصا أنها تجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

عالم المرأة الأفغانية.. محاولات إشعال فتيل التمرّد لأجل الحُرية

ستفتح لنا -كمشاهدين- وظيفة هيرا التي عرضها عليها الأمريكان؛ أبوابا على المجتمع الأفغاني لمزيد من مناقشة وضعية المرأة هناك، والتناقض بداخل شخصية هيرا وزوجها، وكذلك زوج الأخت، ورغبة المرأة الأمريكية في أن تساعدها هيرا في تثوير وعي النساء الأفغانيات، وإشعال فتيل التمرد بينهم لخلع البرقع والزي الأفغاني الذي تفرضه طالبان عليهم، واستعادة حريتهن كما في الماضي.

لقطة تتخيل النساء الأفغانيات بعد إشعال فتيل التمرد بينهن لخلع البرقع الذي تفرضه عليهن طالبان

 

لكن هيرا ترفض المشاركة في ذلك، مقتنعة بأن ذلك مستحيل، مما يجعلنا نتساءل أليست الحرية قرارا، وإلا كيف لامرأة أوروبية أن تقبل بهذه القيود، وتعيشها وتلتزم بها أكثر من أي امرأة أفغانية، في حين أن الفتاة الأفغانية المراهقة روشان تكون أكثر تمردا من هيرا، وتنجح في الهرب لتواصل تعليمها، وتفلت من الزواج الإجباري في سن البلوغ.

أثناء ساعات العمل سيدور الحوار بين المرأة الأمريكية وهيرا، وتعبر فيه الأولى عن دهشتها من الثانية، لأنها قادمة من مجتمع متفتح، فكيف تتحمل هذا الزي وهذه الثقافة المضادة للنساء؟

تبرر هيرا الأمر بأنها اعتادت عليه، وأن المجتمع الأفغاني دين واحد وثقافة واحدة، مما يجعل الأمر بسيطا وبعيدا عن التعقيد بعكس مجتمعها، فهل هذا صحيح، أم أنها مناورة نفسية من هيرا التي لم يعد يهمها شيء سوى أن يحبها زوجها وأن تعيش معه في سلام فقط؟

هروب المراهقة وأمها.. تناقضات هيرا المتشددة أكثر من الأفغان

سنلاحظ تناقضا في شخصية هيرا في موقفين آخرين، وذلك عندما تهرب روشان ابنة أخت زوجها -فريشتا- حتى لا تتزوج من الرجل الأربعيني الذي يفرضه عليها والدها، فهي فتاة لا تزال في سن المراهقة، لكنها مُفعمة بالآمال والأحلام، وعقدت العزم على الهرب وحققته بالفعل، وقد ساعدها في ذلك بسرية تامة الطفل معاذ الذي تحوّل إلى مصور محترف بمساعدة الجد.

تصرفات هيرا تعكس شخصيتها المُتناقضة، فهي تردد أصول تقاليد المجتمع الأفغاني أكثر من الأفغانيات أنفسهن

 

هنا ستبحث هيرا عن الابنة الهاربة لتُعيدها بكل السبل، كما أنها لاحقا سترفض المشاركة في تهريب فريشتا (أخت نذير) لتفلت من قبضة زوجها المتسلط، مثلما ترفض مساعدتها للزواج بأمريكي، إذ تظل تردد عليهما أصول تقاليد المجتمع الأفغاني، والأخطار الناجمة جراء تفكيرهما، وهي تفعل ذلك كأنها امرأة أفغانية متشددة، رغم استسلامها في النهاية.

هذه الوظيفة ستكشف أيضا التناقض عند نذير، فبعد أن كان يشترط عليها ارتداء الزي الأفغاني، فإنه فجأة يبدأ التفكير بنفسه في أن تتخلى عن زيها الأفغاني مع ظهور الوظيفة بالراتب العالي، وسيشترى لها زيا آخر حداثيا مختلفا، وإن كان محتشما جدا. كذلك حينما يدخل ذات مرة عليها بالمكتب ويجدها مع الأمريكي بمفردهما، يصرخ فيها بغضب قائلا كنت تجلسين مع أجنبي وحدكما؟ فترد بهدوء وتحدٍ: نعم، لأنه زميلي في العمل.

"كنت سأموت بدونك هنا".. نهاية غير متوقعة

لا يمنح الفيلم السياسة خيطا رئيسيا، بل يتعامل معها بشكل هامشي، لكنه يشي بقوة هذا الهامشي وتأثيره الخطير والمدمر على الشخصيات الرئيسية، فمثلا زمن الأحداث عام 2011، يظهر مقتل أسامة بن لادن كمجرد خبر، لكن آثاره الحزينة على العائلة كانت واضحة، كما أننا في أعقاب الخبر نفهم أن المقاتلين الأفغان يواصلون التخطيط للتفجيرات في أماكن عمل الأمريكان، ويحاولون إشراك نذير معهم.

عائلة نذير وهيرا أمام التلفاز خلال متابعتهم لأحداث مقتل أسامة بن لادن عام 2011، حيث تبدو العائلة حزينة

 

بقي أن نشير إلى أهمية دور معاذ في تسهيل هرب روشان، وفي مواجهة الزوج المسيطر، وفي تصوير روشان بأسلوب جمالي إبداعي، وفي التعاطف مع الأطفال المنتزعين من أمهم، وفي بث الحيوية والمرح في مفاصل عدة بالفيلم، والرقص على أغنيات مبهجة.

تنتهي الأحداث بهروب فريشتا مع الأمريكي بعد زواجهما، بينما تلغي هيرا سفرها، لأن معاذ يرفض ترك الأم والجد وحدهما. إنه شعور العاطفة القوي والشعور بالمسؤولية تجاههما، خصوصا بعد اغتيال نذير، لذلك يهرب من هيرا في المطار، وحين تتراجع عن السفر وتعود إليه يقول لها "كنتُ سأموت بدونك هنا".

"ميكايلا بافلاتوفا".. صانعة الرسوم المتحركة وصائدة الجوائز

ينتمي الفيلم للأنيميشن (مدته ساعة و25 دقيقة)، وقد تحقق عام 2021 عن طريق الإنتاج المشترك بين جمهورية التشيك وفرنسا وسلوفاكيا، ويعتمد في سرده على رواية "بترا بروتشازكوفا" المُعنونة بـ"فريشتا"، وهي إحدى الشخصيات الثانوية بالفيلم -الذي كتب له السيناريو "إيفان أرسينجيف" و"ياؤول جيوفانا".

المخرجة الموهوبة "ميكايلا بافلاتوفا" صانعة فيلم "مُعاذي المُشمس"

 

يحتوي الفيلم على شغل بصري شديد الثراء والتنوع، ويمتلك جاذبية سمعية بصرية، وينهض على سيناريو يدمج ببراعة بين خيوط السرد الرئيسي مع الحبكات الفرعية المختلفة الضرورية لبناء ذروة عاصفة، ونجاح هذا يكتمل بتوقيع المخرجة الموهوبة "ميكايلا بافلاتوفا" المعروفة كصانعة لأفلام الرسوم المتحركة، وقد فازت أفلامها القصيرة بترشيح أوسكار عام 1993، كما تُوجت بدب ذهبي في برلين عام 1995، ونالت غير ذلك من الجوائز الدولية.

ذات صلة

"أفغانيات في الملعب".. معركة لاعبات كرة القدم ضد المجتمع الأفغاني
نقد سينمائي

"أفغانيات في الملعب".. معركة لاعبات كرة القدم ضد المجتمع الأفغاني

في مجتمع محافظ كأفغانستان فإن قلة من النساء كن يتجرأن على الخروج لوحدهن إلى الشوارع حتى في عهد ما قبل طالبان، فكيف بفتيات أردن أن يحترفن كرة قدم في العاصمة كابل التي تعد إحدى أخطر المدن في العالم.