نقد سينمائي

مُعلّم الموسيقى.. النهاية المفتوحة على كل الاحتمالات

عدنان حسين أحمد

الفيلم يُمجّد الحُب والبراءة والعمل، ويسعى بطله إلى الكمال في العشق والموسيقى والعلاقات الإنسانية

رغم هيمنة المسحة الميلودرامية على كثير من الأفلام الهندية فإنّ بعضها يتخلّص من الميوعة العاطفية والشغف الزائد بالتعلق مع ثيمات أخرى تخفف من وطأة الحُب، وتُقلّل من جُرَع الاشتياق إلى المحبوب الذي نأى واشتطّ به المزار.

فيلم ”معلّم الموسيقى“ للمخرج الهندي سارثك داسكوبتا هو من نمط هذه الأفلام التي تجمع بين القصة الرومانسية الخالصة والنَفَس الدرامي العميق الذي يحافظ على إيقاعه السردي المتوازن، وذلك عبر التلاقح مع قصص وثيمات فرعية أخرى تضع المتلقي في دائرة الاستغراق الذهني بقضايا متعددة، مثل الحُب والموهبة والنجومية والتشبث بالمكان الأول.

مع ذلك لا يفرّط المخرج بعناصر الشدّ والترقب والإثارة، خصوصا وأن ثيمة الفيلم الرئيسية هي الانتظار بمعناه الحقيقي والرمزي، فالشخصيات تنتظر، والمُشاهدون ينتظرون، وكلنا كبشر ننتظر شيئا ما قد يتحقق أو لا يرى النور أبدا.

 

كمالٌ في العشق والموسيقى

الفيلم يُمجّد الحُب والبراءة والعمل، ويسعى بطله إلى الكمال في العشق والموسيقى والعلاقات الإنسانية، لذلك لم يكن المال شغله الشاغل، فقد أتقن الغناء بنفسه، وتعلّم الموسيقى من أبيه، وصار يعلّم تلامذته بقسوة وصرامة بغية ملامسة الكمال أو تحقيقه في حالات نادرة.

كما ينطوي الفيلم على رسائل متعددة من بينها حُب القرية التي وُلد فيها، وتعلّقه بالنبع الأول، ورفضه فكرة الإثراء السريع رغم حاجته المادية الواضحة، ناهيك عن الطقوس الدينية والاجتماعية التي أضفت على الفيلم نكهة خاصة كالزواج وحرق الميت وحفل الغناء الذي أحيته الفنانة في مدينتها بعد غياب طويل. هذه الأفكار الجذابة والمَشاهِد الفنية والأداء المبهر للشخصيات هي التي تغرينا بمتابعة أحداث الفيلم وترقّب نهايته المفتوحة على كل الاحتمالات.

لا تعتمد القصة السينمائية على بنية خطيّة متصاعدة، وإنما تقوم على نسق سردي يتداخل فيه الماضي بالحاضر، ويستشرف المستقبل في بعض اللقطات الرمزية المعبّرة لشخصية البطل الذي تشتتت مشاعره أول الأمر، لكنه سرعان ما عاد إلى رشده ليكتشف أنه يحب تلميذته بجنون.

لم تكن جوتسنا تحب الموسيقى أصلا، لكنها اضطرت لتعلّمها بسبب ضغط الوالدين الموسِرَين

الموسيقى.. كل ما يمسّ القلب

وبغية متابعة الأحداث بدقة لا بدّ من سردها بزمن خطيّ مستقيم يبدأ من لقاء معلّم الموسيقى بَني مادهاف (مانِف كول) بتلميذته جوتسنا (أمريتا باغجي) لإعطائها دروسا في الموسيقى، فالأسرة متمكنة ماديا لكنها لا تريد أن تدفع أكثر من ألف روبية في الشهر. ومع أنه يمتنع عن تدريسها أول الأمر، لكنه يعدل عن رأيه لأنه متحمس للموسيقى ووفيّ لهذا الفن الذي يعشقه ويتماهى فيه.

ثمة لمسات فكرية وفلسفية في هذا الفيلم ترفعه إلى مصاف الأفلام الإنسانية المتفردة، فحين تسأله جوتسنا عن معنى الموسيقى وتعريفها يقول: إنها كل ما يمسّ القلب ويحرّك المشاعر، وما عداه هو مجرد ضجيج صوتي لا غير.

يتوفر بَني على خبرة فنية تراكمت لديه سواء من والده أو من موسيقيين آخرين، لذلك كانت ملاحظاته تصبُّ في الصميم، فقد كان يطلب منها أن تركّز على نبرة الصوت ”الجهير“، وألا تنظر إلى الجانبين، وإنما تتطلّع إلى عيون النظّارة لأنهم يشعرون بالتواصل الحميم مع المطربة التي يهيمون بها حُبا.

تتضمن غالبية الأفلام الروائية الناجحة قصصا جانبية لها وقع المفاجآت المدهشة

فازت بالمسابقة ولم تفز بقلبه

لم تكن جوتسنا تحب الموسيقى أصلا، لكنها اضطرت لتعلّمها بسبب ضغط الوالدين الموسِرَين، كما أنها كانت تُحب بَني مادهاف، وطلبت منه غير مرة أن يتزوجها كي تبقى في مدينتها شميلا الواقعة على سفوح الهملايا، فهي تحب جبالها الشاهقة وشلالاتها المتدفقة وأشجارها الباسقة الملتفة، كما تحب رائحة البيت والحيّ والمدينة التي احتضنت قصة حبها الأول لمعلّم الموسيقى الذي لم ينتبه إلى الخطأ الفادح الذي ارتكبه، ليُضيع أثمن فرصة عاطفية طرقت باب قلبه، بينما كان هو منغمسا في تعليم الموسيقى واكتشاف المواهب الغنائية الجديدة التي تحلّق بعيدا عنه ما إن تلامس أذيال الشهرة والثراء.

لقد حرّضها على خوض المسابقة الغنائية، وفازت بالجائزة القومية الأولى، لكنها لم تفز بقلبه ومشاعره كليا، إذ انصرف إلى بومباي على أمل أن يغني في الأفلام السينمائية، لكنه عاد خالي الوفاض، بينما ذهب ليتورط في علاقة جانبية لم تسفر إلاّ عن الإحساس بالخيانة والندم جرّاء النداءات الغريزية للجسد الإنساني الذي يفقد براءته في لحظات الهشاشة والضعف.

ثمة لمسات فكرية وفلسفية في هذا الفيلم ترفعه إلى مصاف الأفلام الإنسانية المتفردة

قصص لها وقع المفاجآت

تتضمن غالبية الأفلام الروائية الناجحة قصصا جانبية لها وقع المفاجآت المدهشة، والتي تنبثق من الخط السردي العام، لكنها تحتفظ بخصوصيتها.

فمنزل البطل نفسه ينطوي على قصة شقيقته أورمي التي زوّجها بَني مادهاف من مهندس كهربائي ضامنا لها حياة زوجية مريحة. أما الأب الذي ترك مذكراته القيّمة التي تشتمل على بعض الأسرار من بينها صورة ”شاليني“ التي وجدتها شقيقته، فطلب منها إعادتها فورا إلى دفتر المذكرات من دون أن نعرف عنها شيئا، رغم أنّ توقعات المُشاهدين تذهب نحو علاقة عاطفية مخبأة، أما الأم فهي تنتظر بفارغ الصبر أن تزوّج ابنها سواء من الفتاة التي يحب أو من غيرها.

على مسافة قريبة منه حيث يتدرب على الغناء كل ليلة، ثمة امرأة تُدعى غيتا (جسّدت دورها الممثلة ديفيا دوتا) هجرها زوجها ”أميت“ وقيل إنه تزوّج في دلهي، وقد عذرتْهُ غيتا بحجة عدم قدرتها على إجبار القلوب، وظلت هذه المرأة تعاني من الوحدة القاتلة، ثم وجدت ضالتها في معلّم الموسيقى لبعض الوقت، لكنها فقدت في المقابل والدها وقررت أن تقوم بالطقوس الدينية المتّبعة حتى لو كلفها الأمر الدخول إلى الجحيم.

كان مشهد المحرقة من المَشاهد الفنية التي لا تُنسى، بينما كانت تدور حول الجثة المسجّاة حاملة جرّة فخارية مملوءة بالماء الذي يتدفق منها، حتى تسقط الجرّة على الأرض وتتحطم، وسط نظرات المؤبِّنين الغاضبة من انتهاك الطقوس الدينية المُتعارَف عليها في تلك المضارب.

قصة هذا الفيلم مستوحاة من قصيدة للشاعر البنغالي جوي غوسوامي

قصيدة الانتظار الأبدي

تؤكد الكاتبة الهندية تشنكي سينها أن قصة هذا الفيلم مستوحاة من قصيدة للشاعر البنغالي جوي غوسوامي، وهي تتمحور حول ”فتاة صغيرة تكبر لتصبح معلمة تطريز، ثم تبدأ ببثّ لواعجها إلى رجل التقته في سن السادسة عشرة عند الجسر، وظلت تنتظره إلى الأبد“. فلا غرابة أن نرى بَني مادهاف ينتظر حبيبته جوتسنا عند الجسر الذي تمرّ من تحته مياه الشلاّل الهادرة.

وبعد ثماني سنوات تعود جوتسنا من مومباي إلى مدينتها وقد أصبحت نجمة لامعة تحيي الحفلات في المدن الهندية وخارجها وتتقاضى مبالغ خيالية، وقد قررت المجيء إلى شيملا مقابل 800 ألف روبية، عندها يتهيأ بَني مادهاف لهذه المناسبة التي صادفت زفاف أخته، فيركب دراجته النارية وينطلق نحو الصالة.

أثناء القيادة يسترجع بَني مادهاف كل اللقاءات الجميلة التي جمعته بجوتسنا، ولعل هذه اللقطات التي صُوِّرت وهما يمشيان أو يغنيان تحت المطر هي من أروع المشاهد السينمائية وأجملها في هذا الفيلم، ناهيك عن مشاهد التدريب التي تتألق فيها جوتسنا، لكنه لم يثنِ عليها أبدا لأنه كان يريد أن يستخرج أفضل ما عندها من موهبة غنائية راكدة في الأعماق.

تتعطل الدراجة فيذهب راكضا ليصل في منتصف الأغنية الأخيرة التي تتحدث عن الانتظار، ومنها نقتبس الأسطر الآتية:

”عيناي مجنونتان لا يمكنهما التوقف عن انتظارك
عيناي لا تكلاّن من تذكّرك
لا تعاقبني هكذا يا صديقي
يمكنني العيش فقط بالنظر إليك
سأكون مُلكك حتى وأنا ميتة“..

بعد ثماني سنوات تعود جوتسنا من مومباي إلى مدينتها وقد أصبحت نجمة لامعة تحيي الحفلات في المدن الهندية وخارجها وتتقاضى مبالغ خيالية

هشاشة الكائن البشري

وحين تنتهي من الأغنية تذهب إلى الغرفة الخاصة بها، وتستعيد معه قصة السنوات الثماني التي مرت عليهما، ليكشف عن ضعفه الإنساني حين يلتمسها أن تتزوجه لأنه كان مغفلا، وقد لعن نفسه مرات عديدة لأنه لم يقل لها شيئا خاصة في تلك الأمسية الحاسمة التي وقفا فيها على الجسر.

تسيل دموعه ويتحشرج صوته لكنه يقول لها ”جوناي تزوجيني، أنا أحبك بجنون“، وبعد نقاش عسير تخبره بأن جوناي البسيطة البريئة التي يعرفها قد ماتت، وهذا أول احتمال يبيّن عدم إمكانية العودة إليه حتى لو أرادت هي ذلك، فيعرض عليها من جديد أن يعلّمها الموسيقى كي تغنّي بطريقة أجمل وهذا احتمال ثانٍ، أو أن يصبح سكرتيرا خاصا لها وهذا احتمال ثالث.

ولكي تضع حدا لضعفه البشري وانكساراته المتتالية تقول له ”اسمع يا بَني مادهاف، هذه كلها أكاذيب، أتيت هنا لأراكَ فقط“. وقبل أن يغادر الغرفة تسأله السؤال المتواضع الذي كان يتردد كثيراً على لسانها ”لم تخبرني قط كيف أغنّي الآن“، فيردّ عليها بأنها لم تتوقف عن النظر إلى الجانبين، بينما يريدها أن تركز على أعين الحاضرين.

عودًا على بدء، يستفسر منها بَني مادهاف إن كانت تعرف بأنه قد انتظرها عند الجسر القديم في الساعة الرابعة مساء، وهل أخبرتها الفتاة بذلك؟ ومن دون أن يتلقى الإجابة واصل الحديث قائلا بأنه ظل ينتظر زمنا طويلا لأن انتظارها جميل جدا، ويبعث في نفسه شعورا غامضا ولذيذا بطعم العسل.

تقترح عليه أمه أن يذهب إلى بومباي ويحقق كل الأحلام التي تدور في مخيلته، لكنها تلغي هذا الاقتراح حينما تكتشف بأنه سعيد جدا الآن لأنه حصل على متدربَين جديدَين من سولان، وسوف يذهب غدا لإعطائهما حصتهما الموسيقية الأولى.

يقتني بَني مادهاف سيجارة وقدّاحة ويذهب إلى قمة الجبل المطلة على الوديان، يوقد سيجارته وقبل أن يسحب منها النّفَس الأول يقذف بها مُستذكرا العهد الذي قطعه على نفسه بترك التدخين إن هي فازت بالجائزة القومية للغناء.

الكثير من الأفلام الهندية لا تفكر بأسواقها المحلية فقط، وإنما تتطلع دائما للأسواق العالمية التي تحبذ هذا النمط من الأفلام العاطفية

تجليات الصوت والصورة

مع أنّ أي فيلم يتكون من صوت وصورة، فإنّ النقاد السينمائيين نادرا ما يركِّزون على الصوت في كتاباتهم، ونعني بالصوت هنا الأصوات الحقيقية الناجمة عن عناصر الطبيعة مثل حفيف الريح وصوت الأمطار المتساقطة وهدير الأمواج ورقرقة المياه وما إلى ذلك.

ولأن أحداث هذا الفيلم تدور في شيملا، وهي مدينة جبلية عالية تقع عند سفوح الهملايا المغطاة بالأشجار الكثيفة، فلا غرابة أن تتوفر على مجمل الأصوات التي تصدر عن الطبيعة، الأمر الذي أثرى الفيلم وأغنى معظم المَشاهِد التي تدور فيها أحداث القصة السينمائية، كما نعني بالصوت أيضا كل المؤثرات الصوتية التي تتناغم مع طبيعة الأحداث الدرامية والرومانسية التي جاءت مستوفية لكل الشروط التي يتوفر عليها هذا الفيلم المؤثر الذي نال استحسان النقاد والمُشاهدين.

وجدير بالذكر أن الكثير من الأفلام الهندية لا تفكر بأسواقها المحلية فقط، وإنما تتطلع دائما للأسواق العالمية التي تحبذ هذا النمط من الأفلام العاطفية التي تنطوي على قصة حُب تنتهي نهاية سعيدة أو غير مُحبطة على الأقل، أو تضع المتلقي أمام احتمالات متعددة تجعله ينهمك في التفكير بها كنوع من التفاعل الخلّاق بينه وبين الخطاب البصري الذي يراه ويتمثله بعمق شديد، فالأفلام النوعية توفر المتعة والفائدة، وتحثّ على التأمل والتفكير.

أبهرنا المصور كوشيك موندل ببراعة لقطاته وسحرنا بمَشاهدِه الجميلة

فرادة التصوير وعذوبة السردية

لا بدّ من الإشارة إلى براعة المصور كوشيك موندل الذي أبهرنا بلقطاته وسحرنا بمَشاهدِه الجميلة لأنه يمتلك عينا شاعرية ذكية تلتفت إلى ما لا يراه الآخرون، وهنا تكمن فرادة المصور المبدع الذي يجعلنا نتعلق ببعض اللقطات المميزة كما هو الحال في مسير العاشقَين تحت المطر، أو اللحظات التي يغني فيها مُعلم الموسيقى لوحده وكأنه يناجي حبيبته التي ضاعت من بين يديه في غفلة من الزمن.

وفي مقابل القصة السينمائية المُحترفة واللقطات المُبهرة للمصور والأداء المعبّر للشخصيات، تقف المونتيرة المتميزة أنوبما جابوكسوار كعلامة فارقة في هذا الفيلم الذي استمدّ سلاسته وعذوبته السردية من حرفيتها الدقيقة في التخلّص من اللقطات الزائدة والمَشاهد الميتة التي تثقل كاهل النص البصري الذي استوى بهذا الشكل الفني الذي لم يُسبّب الملل طوال مدة العرض التي استمرت ساعة وواحدا وأربعين دقيقة.