نقد سينمائي

نتفليكس تهزّ قواعد تلقي المواد الفنيّة

محمد موسى

تُجري اليوم نتفليكس تعديلات على المواد الحصرية التي تطرحها على خدمتها

في الماضي كانت علاقة شركات الإنتاج السينمائي والتلفزيوني بالأعمال الفنيّة التي تنتجها تنتهي في الغالب بوصول هذه الأعمال إلى محطات العرض، وكان العرض التلفزيوني أو السينمائي حاسما على صعيد هذه العلاقة، ويعني النهاية الفعليّة لأيّ تغييرات مُحتملة يمكن أن تجريها هذه الشركات على أعمالها.

صحيح أن هذه التقاليد تغيرت قليلا مع بداية عصر الفيديو والأسطوانات الرقمية، وذلك عندما أصبح مُمكنا لشركات الإنتاج إجراء بعض التعديلات على محتوى أعمالها عندما تُصدرها في السوق مجددا على أشرطة وأسطوانات، بيد أن هذه التعديلات تبقى محدودة كثيرا، إذ إن تلك الشركات كانت تتجنب المغامرة بإجراء تغييرات كبيرة على أعمال شاهدها جمهور واسع في الصالات أو المحطات التلفزيونية، والذي يُمكن أن يزعجه تعديلات كبيرة مُحتملة على أعماله المفضلة.

هذه التقاليد الراسخة والقديمة في عالم الصناعة الفنيّة تهتز هي الأخرى بفعل الزلزال الذي أحدثه وصول شركة نتفليكس لتجهيز المحتوى الفنيّ عن طريق الإنترنت، فهذه الشركة لا تكتفي بتصدر هذا المشهد في العالم الغربي الترفيهي على صعيد عدد المشتركين فيها، والميزانية التي تملكها لإنتاج أعمالها الحصرية، إذ إنها أدخلت مفاهيم جديدة على العلاقة بين المادة الفنيّة والمتلقي.

فمن المعروف اليوم أن الشركة تُجري تعديلات على المواد الحصرية التي تطرحها على خدمتها إذا تبيَّن لها أن مشاهدي هذه المواد توقفوا عن المشاهدة في الحلقات أو الدقائق الأولى من هذه الأعمال، على أمل أن تساعد هذه التعديلات في الإبقاء على اهتمام مشاهدين جدد للأعمال ذاتها، ودفعهم لإتمام مُشاهدة هذه الأعمال.

يُمكن لشركة نتفليكس عن طريق البيانات التي تجمعها عن مستخدميها أن تعرف بالتحديد الأزمان التي توقف هؤلاء المستخدمون عن مشاهدة الأعمال الفنيّة

محاولات لتدارك ذائقة المشاهد

يُمكن لشركة نتفليكس عن طريق البيانات التي تجمعها عن مستخدميها أن تعرف بالتحديد الأزمان التي توقف هؤلاء المستخدمون عن مشاهدة الأعمال الفنيّة التي تطرحها على خدمتها، حيث تُخضع الشركة هذه البيانات إلى دراسات مفصلة، وتخرج منها بنتائج لا تؤثر على سياساتها الإنتاجية المستقبلية فقط، بل تصل اليوم إلى بناء وتوليف الأعمال التي تنتجها حصرا، حيث تحاول أن تنقذ الشركة أعمالها التي صرفت عليها الملايين بإعادة توليفها مثلا، أو حذف بعض المشاهد التي يمكن أنها لعبت دورا في إزعاج فئة واسعة من المشاهدين.

كل هذا يجب أن يتم في زمن سريع كثيرا، وقبل أن يبدأ مشاهدون جدد في مشاهدة هذه الأعمال المتوافرة على الخدمة، والذي سيكون له عواقب كبيرة على الشركة، إذ إن المستخدم الذي يتوقف عن مشاهدة عمل ما لن يعود بسهولة إلى مشاهدة العمل ذاته، خاصة مع اتساع المشهد الترفيهي وتنوعه وكثرة الخيارات المتوافرة.

يُمكن لشركة نتفليكس عن طريق البيانات التي تجمعها عن مستخدميها أن تعرف بالتحديد الأزمان التي توقف هؤلاء المستخدمون عن مشاهدة الأعمال الفنيّة

إرضاء الجمهور أولا

لم تكن نتفليكس من كشف عن هذه الإستراتيجية الجديدة، فمن المعروف عن الشركة تحفظها الكبير عندما يتعلق الأمر بأعداد مشاهدي أعمالها الحصرية، أو الأعمال التي تشتري حقوق عرضها على منصتها الإلكترونية، بل متعاملين مع الشركة نفسها.

فقد صرّح البريطاني بن تايلور الذي أخرج أربع حلقات من مسلسل “توعية جنسية”، والذي يعرض حصريا على نتفليكس في حوار مع برنامج “ميديا شو” على المحطة الرابعة لراديو هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”؛ أن أيّ تعديلات تجريها الشركة على أعماله وبعد طرحها على الخدمة هو أمر لا يُزعجه، بل يعتبره استجابة لذائقة المشاهدين، وتطورا مهما كثيرا على صعيد العلاقة بين المادة الفنية والمتلقي، لأن الهدف في النهاية إرضاء الجمهور الواسع.

 

أرِّستِد دِفلوبمنت.. تعديلات أساسية

لا ينحصر التغيير على الأعمال الحديثة التي تعرض على خدمة نتفليكس، إذ إن الأخيرة سمحت أيضا للأمريكي ميتش هورواتسز مُؤلف المسلسل الكوميدي المعروف “أرِّستِد دِفلوبمنت” ( Arrested Development) بإجراء تعديلات أساسية على الجزء الرابع من المسلسل بعد خمس سنوات من عرضه، وبعد أن تبيّن من ردود أفعال معجبين بالمسلسل على مواقع التواصل الاجتماعي (وعلى الأرجح من بيانات المشاهدة لشركة نتفليكس ذاتها) أنهم غير راضين عن بناء الجزء الرابع، والذي يتّبع في كل حلقة شخصية من المسلسل، مُختلفاً بذلك عن البناء الأصلي للمسلسل الذي يجمع عدة شخصيات وحكايات في كل حلقة من حلقاته، فأعادت الشركة المنتجة توليف المسلسل وسارت على نهج الأسلوب القديم في بناء العمل، وهو الأمر الذي أدى لزيادة حلقات المسلسل إلى 22 حلقة بدل 15 حلقة طويلة تألف منها المسلسل عندما عُرض على خدمة نتلفيكس عام 2014.

ليس من المعروف إذا كانت التغييرات الأخيرة ستُرضي الشركة المنتجة أو نتفليكس، بيد أنه سيكون من المثير كثيرا تتبع نتائج هذا المثال، وإذا كان الجمهور سيزور المسلسل مرة أخرى ويشاهد النسخة المُعدلة من الجزء الرابع منه، وذلك بعد ما يقارب خمس سنوات على عرضها.

 

الحاقدون الثمانية.. من فيلم إلى مسلسل

التعديلات وصلت أيضا إلى الأفلام السينمائية، إذ تم الإعلان أخيرا أن فيلم “الحاقدون الثمانية” للمخرج الأمريكي المعروف كونتن تارنتينو سيتحول إلى مسلسل تلفزيوني من أربع حلقات، ويُعرض على خدمة نتفليكس.

نال المشروع موافقة المخرج الأمريكي الذي اشترك هو نفسه في تحويل فيلمه الطويل زمنيا (168 دقيقة) إلى مسلسل من أربعة أجزاء، فيما لا يزال من غير المعروف إذا كان المسلسل الجديد سيحتوي على مشاهد لم تصل إلى النسخة النهائية من الفيلم عند عرضه في عام 2015، أو أن إعادة المونتاج ستنحصر على المادة التي ظهرت في الفيلم.

هناك دون شك بُعد تجاري لإعادة مونتاج فيلم تارنتينو المذكور، فالتقسيم على حلقات هو أكثر إثارة من مشاهدة فيلم طويل، كما ينسجم كثيرا مع شعبية المسلسلات التي نشاهدها اليوم، كما أن هذا الفيلم تحديدا وبسبب قصته وتأثره بمسلسلات أمريكية من عقد الستينيات في الولايات المتحدة الأمريكية؛ سيكون مرنا كثيرا للتغييرات القادمة، وينسجم مع الترتيب الزمني لحضور الشخصيات على الشاشة والغموض الذي يلف أصلها ودوافعها.

غيّرت نتفليكس في الدعاية الخاصة بفيلم "إكستريملي ويكد، شوكنغلي إيفل، آند فايل" الذي يحكي قصة القاتل الأمريكي المعروف تيد بندي

تغيير في الدعاية

تفرض نتفليكس أسلوبها اليوم على الأعمال التي لم تشارك في إنتاجها، لكنها اشترت حقوق عرضها الحصرية بعد نجاح هذه الأعمال في دائرة المهرجانات السينمائية. ويبدو ذلك مثلما كان الحال عندما غيّرت نتفليكس في الدعاية الخاصة بفيلم “إكستريملي ويكد، شوكنغلي إيفل، آند فايل” (Extremely Wicked, Shockingly Evil, and Vile) الذي يحكي قصة القاتل الأمريكي المعروف تيد بندي، وذلك قبيل عرضه على خدمتها، فبعد أن كانت الدعاية الخاصة بالفيلم عند عرضه الأول في مهرجان سندانس السينمائي الأمريكي تحتفل على نحو ما بجاذبية ووسامة الشخصية، فإن دعاية نتفليكس تبرز سوداوية هذه الشخصية والعالم المُغلق المظلم الذي كانت تتحرك به، والذي قادها لاقتراف جرائم بشعة كثيرا.

ما تقوم به شركة نتفليكس من تعديلات على موادها المتوافرة أصلا على خدمتها يُشبه إلى حدود كبيرة العروض الاختبارية التي تنظمها شركات الإنتاج الفنيّ التقليدية

بين إرضاء الناس وضياع الهوية

ولعل ما تقوم به شركة نتفليكس من تعديلات على موادها المتوافرة أصلا على خدمتها يُشبه إلى حدود كبيرة العروض الاختبارية التي تنظمها شركات الإنتاج الفنيّ التقليدية لأعمالها قبل طرحها للسوق، حيث تنتخب هذه الشركات جمهورا متنوعا وتعرض عليه أعمالها، وتطلب بعد ذلك من هذه العينة من الجمهور رأيه بالتفصيل، وذلك ليساعدها على تحديد ما يُمكن أن يكون عليه رأي الجمهور الواسع تجاه هذه الأعمال، وبالتالي عمل التعديلات المناسبة قبل وصول هذه الأعمال إلى منصات العرض المتنوعة.

بيد أن إستراتيجية التعديلات لشركة نتفليكس تفتح الباب لنقاشات وأسئلة لن تتوقف قريبا عن الهوية الأصلية للأعمال الفنيّة، وما يتبقى من هذه الهوية إذا بقيت هذه الأعمال تخضع لمراجعات وتعديلات مُتواصلة لتناسب أهواء الجمهور الواسع، وبعد أن مرّت الأعمال ذاتها بطريق طويل من التسويات والبحث عن الحلول الوسطى والتنازلات حتى وصلت إلى مرحلة الإنتاج. ولماذا يتوجب على جميع الأعمال الفنيّة أن تُرضي جهورا واسعا يصل إلى عشرات الملايين؟ وماذا حدث لمفاهيم الأعمال الخاصة التي تتوجه إلى فئات محدودة من الجمهور، أو ضرورة الحفاظ على هوية فنيّة أصيلة عنيدة تكون أمينة بالدرجة الأساس لصانعيها الأصليين؟

وتفرض هذه الرؤى الجديدة على صناعة وتلقي الأعمال الفنيّة ضغوطا كبيرة على الأعمال ذاتها، فهي يجب أن تثبت نفسها وتجذب جمهورا كبيرا في الأيام الأولى من طرحها على الخدمات الإلكترونية، وإذا صادف أن شاهد هذه الأعمال جمهور معين ربما لا تكون موجهة له أصلاً، فهذا يعني أنها ستمرّ بتعديلات جديدة تُبعدها في النهاية عن الجمهور الأصلي الذي تتوجه له بالأساس، والذي عندما تتوفر له الفرصة لمشاهدتها سيجد مقارباتها عامة أو باهتة، ليتم في الطريق الإمعان في تمييع هوية هذه الأعمال، ويجعلها تتشابه من ناحية البناء وأحيانا الحبكة، لأنها جميعا تسير على الخط نفسه، وذلك لجهة محاولاتها المستميتة لإرضاء جمهور عريض، والتي يجب أن تتم في وقت قياسي، وإلا فقدت هذه الأعمال الجمهور.

لا مفرّ من الإقرار بأن نتفليكس تتعامل مع واقع معقد ومتشعب كثيرا

واقع فنيّ معقد

لا مفرّ من الإقرار بأن نتفليكس تتعامل مع واقع معقد ومتشعب كثيرا، فالمعروض على خدمتها أو على القنوات التقليدية يفوق في عدده في الوقت الحالي أي حقبة تاريخية من عمر الترفيه الفنيّ المنزلي، والمشاهد اليوم غير مُجبر أبدا على الصبر لمشاهدة عمل فنيّ ومحاولة فهمه والتآلف مع مقاربة صانعيه، حيث إن القرار بمواصلة المشاهدة أو عدمه يتم اتخاذه في دقائق قليلة، والذي يعني أحيانا أن عملا ما صرفت عليه نتفليكس أو غيرها من الشركات المشابهة الملايين لن يصل إلى جمهور كبير، وبالتالي ستضيع الفرصة لتقوية علاقة المستخدم بالشركات التي يشترك بها.