نقد سينمائي

"هذا بيتُنا".. قصة لاجئ سوري في أمريكا

 

قيس قاسم

بين مطرقة حرب أهلية طاحنة دفعت الملايين للخروج بحثا عن مأوى بعيد يحميهم من دمارها، وبين سندان قرارات دول تريد منعهم من دخول أراضيها؛ يعيش الكثير من المهاجرين السوريين في عذاب وقلق.

يرصد الوثائقي الأمريكي "هذا بيتُنا.. قصة لاجئ" يرصد حياة متنازعة لعوائل سورية وصلت إلى الولايات المتحدة ومع ذلك لم تشعر بالاستقرار التام، وذلك بفعل القرارات التي أصدرها الرئيس الأمريكي ترامب وبسبب الحنين إلى ماضٍ ما زال حاضرا في وجدانهم.

يُعرض وثائقي المخرجة الأمريكية ألكسندرا شيفا في الصالات في وقت بدأت فيه مَوجة الهجرة السورية تخف نسبيا، فجاء معبرا عن مرحلة مهمة من حياة المهاجر تعقب وصوله إلى المكان الجديد ليواجه فيه أسئلة وجودية تتعلق بمصيره وكيف عليه أن يتعايش مع مجتمعات وبيئات مختلفة.

الحرب هناك.. الغربة هنا

تُحيل اللقطة الأولى إلى صعوبات الوجود الجديد للمهاجر السوري عبر عجز "خلدون" عن فهم سؤال موظفة "مركز المساعدة الدولية" له: من أين أنت؟ وهو السؤال الذي يلازم المهاجر أينما حل. وبعد توضيح يقول لها أنا من سوريا، من البلد الذي سيعمل الوثائقي على رصد حياة مجموعة جديدة من مهاجريه وصلوا إلى مدينة بلاتيمور في ولاية ماريلاند، فيما لا تزال الحرب مستمرة هناك.

"خلدون" من حمص التي نرى خرابها من خلال لقطات تلفزيونية أُخذت في العام ٢٠١٦، وتصور القصف المخيف الذي تتعرض له المدينة من قبل قوات النظام. فإضافتها إلى جانب الحوار الدائر بينه وبين موظفة المنظمة الإنسانية يقول للمشاهد: الحرب ما زالت مشتعلة هناك وعودة اللاجئين السوريين إلى موطنهم شبه مستحيل. على هذه الأرضية تُشيّد المخرجة شيفا معمار وثائقيها الصبور المليء بالمشاعر الإنسانية وبالأمل أيضا.

فيلم "هذا بيتنا.. قصة لاجىء" من إخراج المخرجة الأمريكية ألكسندرا شيفا

تأقلم سريع وإجباري

إلى جانب خلدون وعائلته ترافق كاميرا الوثائقي ثلاث عوائل أخرى وصلت إلى نفس المدينة، لتتمكن عبر التقاطها تفاصيل حياتهم من عرض حال المهاجرين السوريين إلى الولايات المتحدة الأمريكية بأكبر قدر من الموضوعية، ولتُقدم صورة عن محاولاتهم الصادقة للتأقلم مع اشتراطات المكان الجديد.

زمن الخامات التصويرية الخاصة بوجودهم في المدينة انحصرت بثمانية أشهر، وهي الفترة التي يحصل فيها المهاجر على مساعدات كاملة تؤهله للدخول إلى المجتمع الأمريكي، وبعدها عليه الاعتماد على نفسه في تدبير أمور حياته.

اختيار ألكسندرا شيفا لتلك الفترة الزمنية من حياة اللاجئ وفر لها مساحة درامية كبيرة سهلت على مُتابعها التعرف على حيوات وبَشر أجبرتهم الظروف القاسية على طلب اللجوء في أمريكا، ومن خلال تجاربهم أخذتهم في رحلة سينمائية إلى سوريا حيث الحرب والدمار والخراب.

تُروى التجارب على شكل قصص في كل مكان يحلّون فيه، ففي صفوف تعلّم اللغة الإنجليزية للمبتدئين، يحكي اللاجئ السوري عن الحياة الطيبة التي عاشها في بلاده قبل نشوب الحرب؛ حكايات مروية بلغة جد بسيطة، وفي الغالب بأسلوب كوميدي يعكس روحا حلوة.

ويأتي مستوى السرد والتعبير وفق أسلوب المتحدث وطريقته الخاصة في توصيل أفكاره، فليس كل القادمين من فئة عمرية واحدة ولا من مستوى تعليمي واحد. هذا أمر طبيعي ينعكس بأشكال وبدرجات على سرعة تَكيُّف كل واحد منهم مع "الوضع الجديد"؛ جديد في كل شيء: اللغة والعادات والثقافات والمناخ، لكن الجامع الإنساني يظل باقيا فيه لم يغب أبدا.

إلى جانب خلدون وعائلته ترافق كاميرا الوثائقي ثلاث عوائل أخرى وصلت إلى نفس المدينة

تغريبة سورية

كل عائلة لها ظروف خروج مختلفة عن الأخرى، دافعها تقريبا واحد هو التخلص من الموت والتعذيب في السجون.

يركز الوثائقي على الوجود الحالي لهم، واحدة من التحديات التي تواجههم تتمثل باقتراب انتهاء مدة التأهيل، فبعدها مباشرة عليهم قبول أي عمل يُعرض عليهم.

يلاحظ المتابع لمسيرة وسلوك السوريين رغبتهم في الاستقلال الاقتصادي رجالا ونساء. يواجه بعضهم صعوبة في قبول المعروض عليه من عمل لأنه لا يناسب ميوله وخبرته السابقة، ومع ذلك يقبل أغلبهم الأعمال المقدمة إليهم. دافعهم القوي في التكيُّف والاعتماد على الذات هو أطفالهم، فكل العوائل السورية المرصودة في الوثائقي تحلم بتأمين مستقبل أفضل لأطفالها في البلد الجديد.

أما الأطفال أنفسهم فوضعهم مختلف، فسرعة تعلمهم اللغة تقابلها صعوبة تخلصهم من آثار ما عاشوه ورأوه من مشاهد مرعبة ظلت عالقة في أذهانهم. فبعضهم حتى اللحظة يهرع راكضا كلما رأى أو سمع صوت طائرة قريبة في السماء، الكوابيس لم تغادر مناماتهم ولا ذكريات الغائبين من زملائهم وأصدقائهم.

الكبار لم يتخلصوا من حنينهم، ما زالوا –وسيظلون- عالقين بماضيهم، يسترجعون بألم ذكرياتهم في مدنهم وقراهم ويتحسرون عليها، وبوجع يحكون قصصهم مع نظام لم يتردد في إبادتهم. قصص عن القتل الوحشي بالقنابل والبراميل المتفجرة وتحت التعذيب، تأتي كلها دون مقدمات في سياق الكلام عن الاغتراب والحاضر الغامض.

يركز الوثائقي على الوجود الحالي لهم، واحدة من التحديات التي تواجههم تتمثل باقتراب انتهاء مدة التأهيل

سوريات مِقدامات

بين دواخل مشحونة بالأوجاع وبين ضغوط حكومية تريد الإسراع في دخولهم سوق العمل؛ يعيش المهاجر السوري في الولايات المتحدة. واللافت في الأمر حرص المرأة السورية على التَكيُّف والعمل، فما يعرضه الفيلم لهن يكشف عن رغبة المضي مع أطفالهن وعوائلهن في حياة جديدة، وأنهن عازمات على العمل والتَعلُم.

يقدم الوثائقي دون انحياز أنثوي تجارب ملموسة، فهذه زوجة "خلدون" تريد تعلم قيادة السيارة حتى تذهب إلى العمل بها، والطبيبة السورية وبناتها يتأقلمن بسرعة لمعرفتهم المسبقة باللغة، والشابات يدخلن الجامعة ووالدتهم تعمل مترجمة للمهاجرين الجدد، ومديحة تريد الدخول إلى المدرسة وهي رغم ضعف لغتها كونت علاقات طيبة مع أمريكيات وبدأت العمل في المطبخ وبيع الطعام الشرقي.

لا تقل رغبة أزواجهن عن رغبتهن في الحصول على عمل متناسب مع خبراتهم المهنية ومستوى تعليمهم الأكاديمي. إنها صورة إيجابية لكنها واقعية بامتياز تلك التي يقدمها الوثائقي لمجموعة جاءت حديثا وبسرعة تريد التأقلم والعيش بسوية مع الآخر الأمريكي، لا ترغب العيش عالة على أحد.

هذه التوصيفات تفيض بها مشاهد الفيلم، لكنه في لحظة يقدم منغصات أخرى متعارضة معها. من بين أكثرها إثارة للسجال والقلق قرارات الرئيس ترامب بتحجيم الهجرة وتصعيب وصول المهاجرين إلى الولايات المتحدة، وهي قرارات يكرس لها الوثائقي وقتا كافيا ليعرض كيف ينشأ في أثرها تعارض غير مبرر بين حماسة وإيجابية المهاجر السوري وبين قرارات ضده تؤذيه وتضعف حماسته للتَكيُّف.

يختلس الوثائقي مكالمات بعضهم مع أهاليهم عما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية وانعكاساته على السوريين

ترامب.. قرارات محبطة

يُثبت "هذا بيتنا.. قصة لاجئ" عمليات التفتيش القسرية التي يقوم بها موظفون في دوائر الهجرة ورجال شرطة لمنازل طالبي اللجوء رغم سلامة وجودهم وقانونيته، وهي أفعال تُعيد الخوف ثانية إلى قلوب الأطفال بعد أن نسيتها قليلا، كما تثير سؤال المستقبل ثانية عند الكبار: ما الذي ينتظرنا في ظل إدارة سياسية لا ترحم ولا تأخذ بعين الاعتبار الظروف الصعبة التي نعيشها ويعيشها أهلنا داخل الوطن وخارجه؟

يختلس الوثائقي مكالمات بعضهم مع أهاليهم في سوريا وخارجها عما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية وانعكاساته على السوريين؛ خوفُ من تبقى على من خرج، وخيبة أمل الخارجين في لمّ شمل عوائلهم، وغيرها من تداعيات قرارات لا يقبل بها من يريد معاونة الغير والترحيب به في مكان يتحمل استقبال الكثير من الهاربين من أوطانهم خوفا على حياتهم.

يُثبت الفيلم عمليات التفتيش القسرية التي يقوم بها موظفون في دوائر الهجرة ورجال شرطة لمنازل طالبي اللجوء

في مواجهة القسوة

روح فيلم ألكسندرا شيفا إيجابي، لا يذهب إلى السلبي ولا يبرزه، لكنه لا يتغاضى عنه، يثبته بسرعة ليذهب إلى الجامع الإنساني الأهم.

العنصرية لا تغيب عن مشهد الهجرة في أمريكا، فمظاهرها كثيرة يشعر بها اللاجئ السورين وتتجلى غالبا عبر أسئلة عنصرية مبطنة مثل "هل أنت مسلم، عربي، أو لماذا أتيت إلى هنا؟". حتى الأطفال يشعرون بها.

وفي بادرة ملفتة لمقاومة سلمية مناهِضة للفكر العنصري تباشر امرأة سورية بارتداء "شال" يحمل ألوان العلم الأمريكي. وتقول "هذا علم الدولة التي استضافتني، ولكني أبقى مسلمة ملتزمة بعاداتي وتقاليدي".

ويأتي الرد الأكثر قوة على سياسات الرئيس ترامب من الأمريكان أنفسهم، من أولئك الذين تملأ قلوبهم الرحمة وترفض عقولهم التمييز بين أجناس البشر. ويرصد الوثائقي بحرص تلك السلوكيات ويثبتها بوصفها تعابير إنسانية، منطلقها المحبة والتآزر بين البشر، وهذا ربما أكثر ما حرص الوثائقي على تثبيته ليأتي مفعما بقوة الأمل والحياة، وربما لهذا السبب أيضا منحه جمهور مهرجان ساندانس جائزته الخاصة بالسينما الوثائقية العالمية.