نقد سينمائي

هلأ لوين : نظرة نسوية للحرب اللبنانية

صفاء الليثى
هذا الفيلم يقرأ قراءة نسوية ، ليس فقط  لأن مخرجته امرأة، ولكن لأنها قدمت فكرتها بوجهة نظر نسوية منحازة كلية،  ترى من خلالها أن الحروب هى انعكاس لطفولة الرجال وعدم نضجهم. قدمت لبكى فيلمها بشكل أقرب إلى حلم يقظة مستعينة بمكر النساء لتصرف الرجال عن الرغبة فى الاقتتال وإشعال الحروب. كيدهن العظيم فى فيلم " هلأ لوين"، كيد فى الخير يسعى لتحقيق السلام فى الضيعة الصغيرة ، تقوم فيه النساء باستخدام حيلهن ومكرهن لصرف الرجال عن النزاع الذى يسبب حربا تنشب لأسباب تافهة.
التناول فى فيلم "هلأ لوين" ليس سطحيا ولا تافها، بل يمثل فهما خاصا لطبيعة الحروب التى يجد فيها الذكور حقلا لممارسة فحولتهم. بسخرية تقرر السيدات أن تضعن الحشيشة وغيرها من المخدرات فى الخبز ويقدمونه للرجال حتى تهدأ فحولتهم المشهد غنائى غير واقعى يخلق حالة فنية تجلب البسمة. تستجلب النساء أيضا فرقة من الفتيات من أوكرانيا لشغلهم عن الاقتتال. الفكرة التى سبقت إعداد الفيلم فكرة لامعة لها جذور فى الأدب والفن العالمى ولكن المعالجة شابها الضعف وعدم الاتساق. بدأت لبكى فيلمها بمشهد لجنازة السيدات يعود بنا إلى الدراما الإغريقية. وجنحت إلى تقديم شخصية أمال مع حبيبها الذى يقوم بإعداد المقهى الذى تجمع فيه النساء مسيحيات ومسلمات فى إطار رومانسى، نسوية لبكى ليست نسوية كارهة للرجال بل محبة لهم راجية أن يعاملونها برقة وشاعرية. تقدم نادين رجلها المحب فى مشهد يتوازى فيه الحلم مع الواقع مع أغنية فيروزية مليئة بالآهات يقطعها صفعة من أم مسلمة على وجه ابنها السمين الظريف. ولكنها فى مشاهد تالية تدخلنا فى تقديم ساخر ينتمى لما يمكن تسميته بالواقعية الفجة التى تبالغ فى رسم الشخصيات وتناولها بشكل ساخر كالسيدة إيفون وزوجها، والسيد أحمد وزوجته بحجابها الأسود. تعدد الأساليب ليس عيبا فى حد ذاته ، فكثير من الأفلام يمكن أن نشهد بها تعدادا لأكثر من أسلوب فنى بشكل ناجح، ولكن لبكى لم تستطع أن تقدم انتقالات سلسة بين الأساليب المختلفة فى نهايات المشاهد والتفاصيل داخلها، ولم تعمل عليها جيدا أثناء الكتابة لكى يستدرج المشاهد فى بحور أساليب الفيلم وموجاته مختلفة الارتفاع. الفيلم محاولة شاهينية تعيدنا بشكل خاص إلى فيلم "عودة الابن الضال" حيث تعبر الحالة الغنائية عن الشعور الوجدانى لأبطال العمل. أخفقت لبكى فى ربط خيوط عملها وتجميعه فى ضفيرة مترابطة إذ يعانى الفيلم من التفكك وعدم التناغم بين أجزائه.

                        لبكي : مخرجة الفيلم واحدى بطلاته

هناك لقطة فى الفيلم عندما ترفع أم نسيم بندقيتها لتهدد ابنها الأكبر لتمنعه من الشجار العنيف مع جاره المسلم ، أم نسيم  كانت فقدت ولدها الصغير برصاصة طائشة أصابته أثناء عبوره بين المقتتلين هناك بعيدا عن الضيعة ،  هو يذهب لإحضار ما يحتاجه أهل الضيعة من المدينة البعيدة هناك، يحضر ألف صنف وصنف معرضا نفسه لرصاص قد يأتيه من هذا الجانب أو ذاك، ذكرتنى لقطة أم نسيم شاهرة بندقيتها بلقطة مماثلة من فيلم تلفزيونى مصرى قديم عنوانه "رجل اسمه عباس" للمخرجة علوية ذكى وكان يناقش قضية الثأر فى صعيد مصر، وجه الشبه هو إقدام المرأة على حل مشكلة يعجزعن حلها أعتى الرجال. أن تقوم المرأة بحل المشكلة بأسلوب غير متوقع من النساء اللاتى تقدمن عادة ضعيفات تلجأن إلى الصراخ والعويل، وتقفن عاجزات عن الفعل فى المشاكل الكبرى.
علوية زكى ونادين لبكى كسرتا هذا النمط الشائع للنساء – الذى يروجه الرجال فى أعمالهم الفنية- وقدمتا نساء قادرات حتى على حمل السلاح – لا للقتل- ولكن لمنع الحروب. كأم أو ربة أسرة تنجح فى تأديب أبنائها الرجال عيالها سيء التربية.
رسمت نادين لبكى لنفسها دور زعيمة أو قائدة لنساء الضيعة، وأى زعيمة ؟ إنها البريما دونا الجميلة القوية المحبوبة من الجميع، أعلاهم ثقافة فهى تقوم بالترجمة بين الفتاة الأوكرانية والحبيب فى مشهد لصراع أنثوى ذكورى، هى تحبه ولكنها ترفض سيطرته، يحبها ويتفاخر بقوامته عليها . تعشق مصورة نادين لبكى وجهها فتصورها فى بورتريهات جمالية وخاصة فى زاوية جانبية ، بروفيل مع إضاءات متنوعة.  وبلغ سوء أداء لبكى التمثيلى مداه وهى تصرخ فى الرجال وتخطب فيهم خطابا مباشرا لتعظهم بعدم الاقتتال. على العكس منها أدت السيدات متوسطات العمر الأمهات على الجانبين المسيحى والمسلم أدوارهن ببراعة تتناسب مع ما رسم لهن.
وهلأ لوين، ودلوقت على فين ، والآن إلى أين ، سؤال مشروع،  فإلى متى تستمر حروب يشعلها الرجال ، إنذار موجه للمجتمع ولذكوره بشكل خاص لكى ينتبهوا إلى خطورة الاستمرار فى شقاق دون أسباب قوية .
لا يخلو فيلم لبنانى من قضية الحرب بدرجة أو بأخرى، وهنا تناول نسوى لقضية الحرب اللبنانية يعود بالأحداث إلى بداية الألفية الثالثة بأسلوب فنى يبدأ بالتراجيديا وينتهى بالسخرية، وهو عمل يستفيد من تقاليد المسرح بكل تنويعاته التراجيدية والكوميدية، عمل ممتع ينتصر للنساء ويرفعهن فوق صغائر يقوم بها الرجال للتعويض عن فحولتم المنقوصة. السينما اللبنانية وصلت مع نادين لبكى لقسم نظرة ما فى مهرجان كان ، كما وصلت إلى جمهورها العربى فى الخليج ومصر وشمال إفريقيا، تحفر طريقا خاصا لسينما تحمل من الصفات المحلية ما يجعلها تنافس سينمات عربية أخرى وتضيف إليها. ينتمى الفيلم لسينما المرأة بامتياز ، مما يجعل البعض من النقاد الرجال يتهمونه بالسطحية وعدم الاكتمال.
حاز " هلأ لوين " شهادة النقاد من جمعية نقاد السينما المصريين كأفضل فيلم غير مصرى عرض عام 2011 . بالإضافة لجوائز أخرى حصدها الفيلم فى أكثر من مهرجان شارك به عربيا وعالميا.