نقد سينمائي

ورزازات.. هوليود السينما الأفريقية

المصطفى الصوفي

ورزازات اجتمع فيها ما لم يجتمع في غيرها من الحواضر العالمية، حيث اجتمع فيها التراث والسحر والسينما والتاريخ والطبيعة والهدوء

بهدوء تام تسرح ببصرك بعيدا في تلك الفضاءات الصحراوية المشبعة برائحة التاريخ والأسطورة، السراب الملتهب يتلألأ كوادٍ من المياه العذبة القادم من منبع قصي، تستحضر هنا وأنت واقف أمام تلك التضاريس القوية لقطة من لقطات فيلم “الويسترن” في تلك الأحراش البعيدة، حيث لا ماء ولا ربيع إلا من زواحف تستبد بالمكان في كل الزوايا الظليلة، وعقبان تفرد أجنحتها في الأعالي بحثا عن جيفة أو فريسة تائهة، لا شيء في المكان إلا ريح عصية تهبّ فتجرّ معها الشوك وأعشابا ميتة تتدحرج في صورة طبيعية تلقائية مثيرة للخيال، فيما عمود الزوابع يرتفع بالغبار إلى السماء، هناك فوق التلة المطلة على المدينة.

بهدوء تام تكاد أيضا ترى بأمّ عينيك تضاريس خلابة تلف المكان من القبلة، حيث ثلوج الشتاء تغطي الواحات الخضراء، وترى أيضا على امتداد البصر باتجاه الجنوب مساحات شاسعة من الصحراء القاحلة والشعاب الوعرة، إنها مدينة ورزازات وضواحيها التي تسحر روادها بألق السينما، حيث المؤهلات الطبيعية الرائعة والمؤهلات البشرية وفيرة لصناعة أفلام التاريخ والحرب ومحاربة الإرهاب والرعب، وأخرى تحاكي أساطير الخيال العلمي والقيامة والجنة والنار.

السراب الذي رقص كأفعى لا يزال يلهب العيون، والحرارة التي تنبعث من تلك الفجاج تجعل من مدينة ورزازات “هوليود السينما في القارة الأفريقية”، فهي السينمائية الأسطورية الرائعة بلا جدال.

وهنا تكاد تسمع حوافر الخيول التي شاركت في حروب تراجيدية دارت رحاها الطاحنة بين ملوك الرومان وأباطرتها، وهنا تكاد تسمع زئير النمور التي خرجت للمحارب في فيلم “المحارب” (غلادياتور) بطولة الممثل النيوزلندي البارع راسل كور، حيث صارع ببراعة الشجعان ذلك الحيوان المفترس فأرداه صريعا في صورة لها الكثير من المجد البطولي الرائع.

هنا انبهر المخرج الأمريكي ريدلي سكون، وسقط مخرج فيلم “الإسكندر الأكبر” أوليفر ستون، وبطله كولين فارول وأنجيلا جولي في عشق تلك الفضاءات، حيث سيطر الإسكندر على أراضي اليونان بقبضة من ملوك اليونان الكبار، فعبر البراري والغابات الموحشة والبحر قبل أن يُقتل تحت أقدام فيل ضخم، وذلك في مشهد له الكثير من الألوان الدامية المؤثرة والساحرة.

 

ورزازات.. محط أنظار المخرجين والسيّاح

هنا يستشعر الزائر القيمة الجمالية والفنية العظمى لعرش الملك سليمان، يتلمسه فيستشعر وَجل الجن والملكة بلقيس حين قرأت الرسالة التي رمى بها طائر اليقين من أعالي السحاب. هنا تزور بيت يوسف الصدّيق، وتركب عربة “المحارب” (غلادياتور) وتتعايش مع إشراقات مملكة الجن لريدلي سكوت، وأطياف شريط صلاح الدين الأيوبي والقدس، والممثلة العالمية نيكول كيدمان التي ركبت سفينة الصحراء في صورة لها الكثير من الخيلاء الأميري الباذخ. في فيلم “ملكة الصحراء” هنا لا تزال سفينة فيلم نوح جاثية، والمجسمات وأصنام الآلهة في مصر القديمة التي بناها الفراعنة، والكثير من الإكسسوارات التي صنعت من أبطالها نجوما في سماء السينما.

هنا ورزازات التي تحتضن أكبر وأشهر الأستوديوهات الطبيعية في العالم، وتستقطب أشهر المخرجين السينمائيين في العالم لتصوير أعمالهم، والتي لقيت نجاحا باهرا وفازت بجوائز قيمة.

ورزازات اجتمع فيها ما لم يجتمع في غيرها من الحواضر العالمية، حيث اجتمع فيها التراث والسحر والسينما والتاريخ والطبيعة والهدوء، فالطريق إليها من مدينة مراكش وإن كانت وعرة عبر سلسلة جبال الأطلس الكبير الشامخة والتي يُطلق عليها اسم” تيشكا” وهي الكثير من المنعرجات، لكنها مغرية للغاية ليس للسينمائيين فقط بل للسياح من مختلف أنحاء العالم، حيث يقصدونها على مدار السنة لاكتشاف سحر الطبيعة، فضلا عن زيارة المدينة وما تحبل به من مؤهلات طبيعية وسياحية، ومنها إلى مدينتي زاكورة ثم محاميد الغزلان، حيث عشاق الكثبان الرملية والليالي الصافية في عمق الصحراء، وركوب الجبال، والدراجات النارية والسيارات الرياضية وغيرها، فيجدون في ذلك متعة لا تعادلها متعة.

ولعل الكثير من الدارسين للتاريخ السينمائي في المنطقة يتفقون على أن فيلم “لورانس العرب” لمخرجه الإنجليزي ديفد لين (في بداية الستينيات من القرن الماضي)؛ يعد أقدم الأفلام التي حازت شهرة كبيرة وصُورت في المنطقة، ومنها توالي تصوير أفلام عالمية أخرى. لكن البعض يؤكد أن أول فيلم صور في ورزازات -والتي تعني بالأمازيغية “المدينة الهادئة”- يعود إلى نهاية 1897، وهو فيلم بعنوان “الفارس المغربي” لمخرجه لويس منيار، وقد أهّل هذا الفيلم المدينة لتبوؤ هذه المكانة الفنية الرفيعة، بالإضافة إلى مؤهلاتها الطبيعية الخلابة من منابع مائية وقصبات وقصور رملية، ومآوٍ سياحية في الهواء الطلق أشهرها قصبة “بن حدو”، وواحات فيها نخيل ومروج أسرت المخرجين، حيث المنطقة تتوفر على كل ما يتعلق بالصناعة السينمائية بجودة عالمية، وهو الأمر الذي يسهل المهمة على المخرجين والمنتجين الباحثين عن النجومية والشهرة والنجاح والمال.

 

ورزازات.. مئات الأفلام وأحدث الأستوديوهات

وتتوفر المدينة على أحدث الأستوديوهات السينمائية بتقنيات عالية، وكل ما يساهم في إنجاح أي مشروع سينمائي يُقام بالمنطقة وتتطلبه العملية السينمائية الاحترافية. وتمتد أستوديوهات المدينة على ما يقارب مئة هكتار مفتوحة على طبيعة خلابة، كما تشمل كل ما يلزم العملية السينمائية من مركز للتأهيل السينمائي، وشعب للسينما في الجامعة، وصالات مونتاج ومعامل للإنتاج، ووحدات فنادق وممثلين يجسدون أدوارا ثانوية (كومبارس)، وأستوديوهات للتصوير، ووحدات فندقية مصنفة ومكاتب للإنتاج، ومعامل للتأهيل والمهن السينمائية، فضلا عن مواقع حربية ومدافع ومدرعات وبيوت لها هندسة معمارية مختلفة وديكورات من الذهب، وفضاءات مخصصة للخيول والجمال، وكل الإكسسوارات من دروع وسيوف وطائرات حربية، وسفن وعربات وسجون، وقصور ومعابد وأسوار تاريخية، وكل ما يحتاجه المخرج لتصوير فيلمه مهما كان موضوعه.

وقد صُورت في المنطقة منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن المئات من الأفلام، ولعل أشهرها “جوهرة النيل” لمايكل دوغلاس، و”كوندون” للمخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي، و”كليوبترا” الشهير للمخرج فرانك رودام، و”المومياء” لمخرجه ستيفن سومار، و”الإسكندر الأكبر” لأولفير ستون، إضافة إلى أفلام ومسلسلات تلفزيونية وأفلام وثائقية كثيرة لنجوم كبار ومخرجين مثل توم هانس وكلينت أستود وجونا هايل وبرادلي كوبر.

تتوفر المدينة على أحدث الأستوديوهات السينمائية بتقنيات عالية، وكل ما يساهم في إنجاح أي مشروع سينمائي يُقام بالمنطقة وتتطلبه العملية السينمائية الاحترافية

ديكورات طبيعية وأيد عاملة شبه مجانية

ويقول عبد الرحيم عاشر للجزيرة الوثائقية، وهو أحد الفاعلين والمواكبين للحركة السينمائية في المغرب، إن ورزازات التي يحقق ربح معاملاتها ما يفوق عن مئة مليون دولار في العام؛ تقدم للمخرجين من مختلف أنحاء العالم خدمة سينمائية تكاد تكون مجانية وبأقل التكاليف مقارنة مع ما قد يصرفونه على إنجاز فيلم من الأفلام في بلدانهم الأصلية، خاصة على مستوى صناعة الديكورات واليد العاملة، مؤكدا أن ورزازات تتوفر فيها ديكورات طبيعية لا تستدعي من المنتجين صرف الكثير من المال، وهو الأمر الذي يساهم في خفض الكلفة المالية للإنتاج، كما يشجع المقبلين على تصوير أفلامهم.

وبخصوص اليد العاملة التي تعمل في هذا المجال أضاف عاشر أن اليد العاملة رخيصة جدا، وذلك من “كوبارس” وعمّال ومساعدين وما إلى ذلك، الشيء الذي يجب على المنتجين عدم استغلاله لتحقيق مكاسب كبيرة على حساب ناس بؤساء وعَرَق جبين مستضعفين وفقراء، داعيا الجهات المسؤولة على القطاع تقنين هذا المجال وتنظيمه، وجعله يكون في صالح الوضع الاجتماعي للعاملين في هذا الحقل، لما يحققه من مكاسب مالية وأرباح طائلة.

كما أشار عاشر إلى أن العائدات المالية من القطاع السينمائي في المنطقة يجب أن تعود بالخير والنماء على المنطقة، خاصة توفير مختلف المرافق والاحتياجات والخدمات للسكان ولشباب المنطقة، خاصة على مستوى التعليم والتأهيل وتطوير المجال السياحي على وجه الخصوص ناهيك عن السياحة السينمائية، وبالتالي ضرورة رفع مستوى الخدمات الاجتماعية والإنمائية للمدينة، وذلك حتى تواكب مختلف التطورات وتكون في مستوى تطلعات السياح الأجانب الذين يزورون المدينة، سواء من جاء من أجل تصوير فيلم أو من أجل اكتشاف عوالم المدينة ومؤهلاتها السياحية والتاريخية والطبيعية.

وعن قيمة حضور الفيلم الوثائقي في ورزازات، شدّد عاشر على أهمية الاهتمام بالسينما الوثائقية في المدينة والمدن المجاورة لها، خاصة مدينتي زاكورة ومحاميد الغزلان وأرياف وبوادي المنطقة، نظرا لقيمة الثراء التاريخي والطبيعي والتوثيقي للمنطقة التي تتوفر فيها الزوايا الدينية والقصبات التاريخية والمدن العتيقة والأعلام العلمية، خاصة أن المنطقة تتوفر فيها أشهر زاوية في المغرب وهي الزاوية الناصرية التي تخرّج منها العديد من العلماء، ولا تزال تشكل أحد روافد الثقافة الدينية والعلمية في البلد، وتضم الكثير من الكنوز العلمية والمؤلفات والنفائس والذخائر العلمية والتوثيقية التي لعبت ولا تزال دورا مهما في مجال الثقافة الصوفية ليس في المنطقة بحسب، بل في مختلف المناطق الصحراوية المجاورة، خاصة موريتانيا والسنغال، ومختلف البلدان الإسلامية الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء.

وأكد عاشر أن الأفلام الوثائقية التي صورت في المنطقة غير كافية، وذلك بالنظر إلى المخزون الفكري والتاريخي والحضاري والجغرافي والطبيعي والتراثي المادي وغير المادي في مجال الموسيقى الشعبية والنقوش، والتقاليد والأعراف الصحراوية المحلية، مشددا على أهمية تصوير المزيد من الأفلام الوثائقية التي تطال البعد التاريخي والإنساني، بدل الأفلام الروائية والخيالية والتجارية، وذلك من أجل نفض الغبار عن التاريخ المجيد للمنطقة ورجالاتها في مجالات مختلفة ثقافية ودينية وعلمية وسياسية وتراثية وإنسانية وغيرها.

 

ورزازات.. بلد الألف ديكور وديكور

من جانبه أكد المخرج الشرقي بكرين -وهو مخرج أفلام وثائقية آخرها فيلم “عائدون” الذي يتحدث عن عودة بعض أبناء وأفراد المهاجرين المغاربة في أوروبا، خاصة من إيطاليا بعد الأزمة الاقتصادية التي ضربت أوروبا ولا تزال تداعياتها إلى الآن، وهو أحد عشاق السينما الصحراوية ذات الصلة بالسفر والترحال- أكد أن مدينة مراكش ومنها إلى ورزازات التي يطلق عليها البعض بلدة الألف ديكور وديكور، تحتضن فضاءات خيالية، وتجتمع في مشاهدها الخلابة عناصر الصحراء والجبل والسهل والوادي والبحر والثلوج، في صورة لا تخطر على البال، مبرزا القيمة الاعتبارية للمدينة كفضاء للإبداع والسلام والتعايش والتسامح بين مختلف الأديان والشعوب والثقافات والتجارب السينمائية والفنية الكونية.

وقال بكرين الذي يستعد لتصور فيلم وثائقي عن مدينة مراكش التاريخية “إن شهرة ورزازات تزداد كلما حقق فيلم من الأفلام صُوّر فيها إيرادات عالية، ولقي اهتماما كبيرا من قبل وسائل الإعلام الدولية، أو نال جوائز دولية وعالمية، وهو ما يؤكد أن الجمهور الكوني دائما ينجذب إلى كل جميل، فضلا عن احترافية المخرجين الذين يختارون النجوم التي بفضلها يتحقق النجاح، هذا دون نسيان الميزانية الضخمة التي ترصد لإنجاز فيلم من الأفلام التي تتجاوز في بعض الأحيان خمسة ملايين دولار.

ولفت إلى أن بعضا من سكان المنطقة الذين يشتغلون في الأستوديوهات السينمائية بالمدينة، والذين يُقدّر عددهم بنحو 11 ألف شخص لا يزالون بحاجة إلى الرعاية وتحسين أوضاعهم المالية ومنحهم حقوقهم، خاصة أن تلك الأجور التي يتقاضونها قليلة مقارنة مع ما يقدمونه من خدمات معنوية كبيرة لأي فيلم من الأفلام الدولية التي تُصور هناك.

وأكد أن العاملين على مستوى الأزياء والخياطة والجبص والنجارة والحياكة والبناء والصباغة وركوب الخيل والمجازفات وكل ما يتطلبه فيلم من الأفلام هو جزء لا يتجزأ من العملية السينمائية كلها، وبالتالي فإن تحقيق أي فيلم لأي شهرة أو جوائز عالمية أو مكاسب مالية هو جزء من النجاح كله، وهذا ما يستدعي الاهتمام بهم وليس جعلهم كإكسسوارت تؤثث بهم مشاهد الفيلم وكفى، ومن ثم ضرورة رد الاعتبار لجنود الخفاء الذين يقومون بدور كبير في المساهمة في التنمية السينمائية للمنطقة.

كما أشار إلى أن الزخم الإبداعي والفني والطبيعي الذي أصبحت تتوفر عليه المدينة -وهي رابع مدينة عالمية تستقبل آلاف الزوار ومنهم السياح السينمائيون للعام الجاري- شجع جيلا جديدا من السينمائيين الشباب من داخل المغرب وخارجها لتصوير أعمالهم القصيرة والطويلة هناك.

صُورت في منطقة ورزازات منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن المئات من الأفلام

واقع مرير وراء الإبهار السينمائي

من جانبه أكد الناقد السينمائي والباحث الأكاديمي والأستاذ بجامعة ابن زهر بورزازات حميد تباتو، أن الواقع في ورزازات يكرس مرارة سكان يعيشون ما وراء جبال الأطلس الكبير في علاقتهم بالسينما، فهذه الأخيرة يجب أن تكون رافعة حقيقية للتنمية بالمنطقة، ليس لكون السينما غير مؤهلة لذلك، بل لضرورة توفير البنية التحتية المناسبة والمؤسسات العلاجية الكبرى، وفك العزلة عن المدينة، وتوفير ما يعد احتياجات ضرورية لجذب الإنتاج السينمائي لورزازات وغيرها.

وأضاف تباتو أن ورزازات تعذبها ظلال السينما، فمع احتياجات الناس وغياب إمكانية لكسب لقمة عيش في أي مجال، تنتظر فئات عريضة فرصة تصوير أعمال سينمائية للاشتغال فيها، لكن هذا الوضع كرس استغلالا لمغلوبين يعيشون وضعية صعبة بسبب هزالة ما يتقاضونه، وكل التعاطي معهم باعتبارهم “كومبارس” ومرشحين مفترضين للعمل في المجال وفق ما يريده الوسطاء وتجار السينما عملية غير معقولة يجب أن تتوقف، مؤكدا أنه ورغم كفاح أطراف وجهات محلية، فإن ذلك لا يجدي نفعا، لكون النهوض بالسينما في المنطقة يحتاج لإستراتيجية فعلية تتبلور من داخل قرارات مركزية كبرى.

وشدد على أن الحديث عن السينما بورزازات حديث عن واقع مرير يترجمه فقر الناس وعزلة المنطقة، واستغلال الوسطاء لحاجة الناس للعمل، وغياب صالات سينمائية، وتعطل مبادرات عديدة كانت غايتها الأصلية في المجال إيجابية من قبيل “لجنة الفيلم” والقرية السينمائية، وفتح قاعتين سينمائيتين، وبالتالي ترسيخ ثقافة تنمية حقيقية مدخلها السينما وصناعتها.