“سمك فوق سطح البحر”..محاولة على الطريق

  الطريق الممتدة أمامنا تبدو مغرية ومحفزة على الاكتشاف، والموسيقى المصاحبة تضاعف هذا الإحساس، في لقطة عامة نتحرك مع السيارة باتجاه المجهول؛ طريق نائية..غامضة.. لكن دافئة في آن..؛ تلك هي اللقطة الأولى الموفقة من الفيلم الروائي الطويل الأردني “سمك فوق سطح البحر”، إخراج/ حازم بيطار، الذي افتتح عرضه الأول الأسبوع الفارط، لكن ما يلبث المرء أن يدخل هذا الجوّ المحفز والمشوق، حتى يقطع المخرج إلى مشهد حواري بين شخصيتين؛ المحامي وطلال –ابن المرحوم – في لحظة قراءة الوصية، ثم تتناوب اللقطات بين الطريق وحوار الشخصيتين، ومن هنا تحديدا تبدأ مشاكل الفيلم؛ بداية شكل المعالجة هذا والانتقال بين حدثين لم يُستثمر في تدعيم شعور الغموض والرغبة بالاكتشاف الذي خلقته اللقطة الأولى لدى المتلقي، إنما قطع المخرج هذا الشعور وتلك الرغبة، فقط لاعطاء المتلقي معلومات ومعرفة بالمسوغ الذي سيجبر طلال (ربيع زريقات) على الذهاب إلى منطقة غور المزرعة، لبيع منزله هناك – كل ما تبقى من ثروة والده المهدورة- فيسدد بثمنه البنك ويفك رهن بيته في عمان، كذلك كان من الممكن تأجيل معرفة سر السمكة في الزجاجة التي ورثها طلال، واستثمار هذا الرمز بشكل أفضل في بنية الحكاية، وفي خلق التشويق.
 ثانيا لم نرَ استمرارية أو استثمارا للأسلوب والبناء الزمني المستخدم في المقدمة على باقي مجريات الفيلم، حيث يبدأ الفيلم بلقطة الطريق التي يسلكها طلال بسيارته نحو غور المزرعة، والتي يأتي ترتيبها زمنيا بعد مشهد فتح الوصية وكنتيجة له، ثم ينتقل إلى زمن سابق عليه وهو زمن فتح الوصية، ويستمر التناوب بين الزمنين في مقدمة الفيلم، خالقا ايقاعا سريعا نسبيا، ومعززا  لشعور الترقب والغموض والتشويق عند المتلقي، لكن إبعد ذلك يواصل الفيلم سيره الزمني كرونولوجيا، وبايقاع ، وكأن مقدمة الفيلم تتبنى أسلوبا وايقاعا مختلفا عن باقي أجزائه.  

المكان والشخصيات

مخرج الفيلم “حازم بيطار”

  بنى المخرج فيلمه بالاعتماد على تجربته الشخصية هو و”ربيع زريقات” مع سكان منطقة غور المزرعة القريبة من البحر الميت، ليكتشفا عبرها الإهمال الكبير الذي خصت به الدولة سكان هذه المنطقة، فبقيت احتياجاتهم خارج التغطية، بالاضافة إلى الظلم الذي لحق بسكان غور المزرعة جراء السطو على ممتلكاتهم من قبل شخصيات من خارج المنطقة، وهو الألم الذي يحاول هنا المخرج عبر الفيلم أن يضع إصبعه عليه من دون أن ينجح في تقديمه بالشكل الملائم، إذ من المفترض أن تشغل منطقة الغور وحياة سكانها -المراد ابرازها- حيزا محوريا في الفيلم، لكن المخرج يمنح هذا الحيز الكبير لشخصية “طلال” لحياته ولمعاناته إثر صدمته بفقد ثروة أبيه، وتشرده في شوارع وسط عمان وفنادقها المتهالكة، ثم ذهابه إلى منزله في غور المزرعة، حيث تبدأ علاقة لطيفة بالنشوء بينه وبين الشخصية الرئيسية الثانية “أبي داوود “(عبدالله دغيمات) ابن الغور – خصم طلال في النزاع على منزل المزرعة- الذي ما من شيء يثبت ملكيته للمنزل سوى شهود على كلمة شرف أعطاها إياها والد طلال قبل وفاته مقابل عمله في المزرعة، في حين أن طلال يمتلك الأوراق الرسمية التي تثبت ملكيته هو لها، لكن أغلب الأحداث بينهما تنحصر مكانيا في هذا المنزل ونطاق ضيق أمامه -كلعب الأولاد في الشارع، والاجتماع حول اللحمة الزرب- وباستثناء مشهد يتيم في مزرعة صغيرة للبندورة، ليس هناك ما يقربنا من حياة المزارعين سكان تلك المنطقة ومعاناتهم، كما يقدم المخرج عددا كثيرا من اللقطات البعيدة لطلال والمكان حيث يظهر الطريق ونسيج الغور العمراني في خلفية اللقطة، مبرزا جماليات المكان في كادر جميل، لكن هذه اللقطات والحيز الكبير الذي تشغله من بناء الفيلم من شأنها أن تبني وتؤسس في ذهن المشاهد لعلاقة مؤثرة سيمارسها المكان على طلال، توحي بأنها ستقود إلى انعطاف ما في شخصيته أو خيارته بعد رحلة اكتشافه وتأمله العميق لهذا المكان، لكن شيئا من هذا لم يحدث في النهاية، وعدم توظيف هذه اللقطات في خدمة البناء الدرامي، يجعل المتلقي في نهاية الأمر يستقبل هذا الكم من المَشَاهد على سبيل الاستعراض السياحي التعريفي بالمكان فقط، محتفظا عن المكان بالمسافة البعيدة ذاتها التي تفرضها حجم اللقطة، إذن شخصية “طلال” على مدار الفيلم بقيت ثابتة بدون أي تغيير يطرأ عليها، لا كما توحي المشاهد التي تجمعه بالمكان، في المقابل يمكن رصد التحول في شخصية أبي داوود بعد ذهابه مع “طلال” إلى عمان لاتمام المعاملات الرسمية لرهن منزل المزرعة، فعندما يَغدُر طلال به، يحدث التحول في خياراته، فيبقى في عمان ليعمل بائعا للجرائد في الشارع، بالطبع هذا الخيار والتحول غير مقنع لشخص أظهر قبل بضع دقائق رفضه القاطع البقاء في عمان، وأبدى تمسكه بالغور كسمكة لا تستطيع أن تعيش بدون ماء، لكن فجأة ذهب موقفه السابق أدارج الرياح، من ناحية أخرى رغب المخرج بإظهار طيبة وبساطة ودفء أهل الغور ازاء سوء أهل المدينة التي يمثلها طلال، نتفهم ونقدر هذا لكن ليس للحد الذي تبدو فيه شخصية أبو داوود ساذجة يمكن أن تقع من جديد في مصيدة طلال بسهولة، كما حدث في الفيلم.
  لكن لا يمكن إلا وأن نشيد بأداء أبطال العمل “ربيع زريقات” و”عبدالله دغيمات” -ابن الغور- في أدائهما العفوي وغير المصطنع وفي حضورهما الظريف، وبإدارة المخرج الجيدة لهما، كما  لابدّ من الإشادة بالموسيقى التصويرية التي أعطت دفعا للعمل، أما الأغنية الغورانية التي استخدمها المخرج أثناء قيادة “طلال” للسيارة في منطقة الغور، كان من شأنها أن تضفي عمقا للفيلم لو أنها وُظفت في مشهد مزرعة البندورة.   

محاولة على الطريق
“سمك فوق سطح البحر”… ودلالة الإنسان المرتبط بأرضه، كالسمك لا يمكنه أن يحيا إلا بتنفس هوائها رغم صعوبات الحياة فيها، كذلك هو الأمر بالنسبة للمخرج/ حازم البيطار الذي لا يمكنه إلا تنفس هواء السينما رغم مصاعب العمل فيها، لكنه أخذ على عاتقه منذ تأسيسه لتعاونية عمان للأفلام على أن يتحمل العناء، فأخرج وأنتج عددا من الأفلام المستقلة ذات الميزانية شبه المعدومة-كما هو الحال في هذا الفيلم حيث تبرع طاقم العمل بجهودهم- وحاز عام 2008 على جائزة الفيلم القصير في مهرجان الشرق الأوسط السينمائي عن فيلمه “المشهد” – إخراج مشترك مع رفقي عساف- كذلك أقام عدة ورش عمل سينمائية، ومنح الفرص لعدد كبير من الشباب لخوض تجربة الإخراج عبر تعاونية الأفلام، علاوة على جهده في إقامة مهرجان الأردن للفيلم القصير سنويا… شغف وجهد يثمن، لكن هذا الرصيد لم يحصنه هنا لتقديم فيلم محكم شكلا ومضمونا عن بيئة ومعاناة أهالي غور المزرعة، أنما هي محاولة على الطريق، لا يمكن إلا وأن نقدرها.