خمسة أفلام منتقاة من مهرجان ثيسالونيكي


محمد رُضا
أوّل مرّة زرت فيها مهرجان ثيسالونيكي كانت قبل نحو عشرين سنة. وكانت آخر مرّة أيضاً. كنت في حالة إفلاس، ووجدت المدينة لا تناسب جيبي. وأكثر من ذلك: ليست جميلة. مدينة صلعاء كما يقول المفكّـر أنسي الحاج عن بيروت هذه الأيام واصفاً خلوّها من الشجر. هل كان وسط المدينة هو الوحيد الذي بدا كذلك؟ لا أعرف، لكني بالطبع لصقت بالمهرجان ضيفاً حتى النهاية وأحسست بسعادة غامرة حين غادرت.
مهرجان ثيسالونيكي اليوم واحد من مهرجانات أوروبا الجيدة. منظّـم، كما تفيد التقارير، مخلص في بذله الجهد عاماً بعد عام ويحفل بأفلام مختلفة في تبويبات مثيرة للإهتمام. هناك المسابقة، وهناك “آفاق مفتوحة” (وتنقسم إلى عروض رئيسية وأخرى معلوماتية) وقسم عن السينما البلقانية وآخر للسينما الشابّـة وسواها. لكنه بعيد عن أن يترك ذلك التأثير الذي لمهرجانات أوروبية أخرى. إنه ليس روتردام او لوكارنو أو كارلوفي فاري او سان سابستيان. أهميّته هي لجمهوره المحلّي أولاً، وكلقاء للنقاد المحليين بالوافدين (على قلّتهم النسبية).
الدورة الثالثة والخمسين انتهت يوم الأحد في الحادي عشر من هذا الشهر. هذه المرّة أيضاً لم أذهب إليه لمشاهدة أفلامه، بل وجدت بعض أفلامه طريقها إليّ، إما عن طريق توجّـهي لمهرجان آخر وإما عن طريق ما وصلني من أفلام مرشّحة للغولدن غلوبس او وصلني باتصالات خاصّة. في مجموعها هي ستة عشر فيلماً شاهدته من أعمال هذا المهرجان في أقسام مختلفة.

Boy Eating Bird?’?s Food
[مسابقة الفيلم اليوناني]

منذ ثلاث سنوات أو نحوها تمر السينما اليونانية بموجة من الأفلام التي تميل إلى قدر من الغرائبية لتحل محل طروحات إجتماعية مباشرة او قضايا يوفّرها الوضع الإجتماعي والإقتصادي القائم. «صبي يأكل طعام العصفور» هو واحد منها لكن حقيقة أنه غرائبي لا يعني أنه ليس متصل، ولو بخيط نحيف، بما يقع في اليونان من أزمات. المشكلة أن هذا الخيط أنحف من أن يعكس الكثير. هو بالطبع عاطل عن العمل وهذه تكاد تكون الصلة الأوثق بذلك الوضع، لكن الحكاية- على غرابتها- تستطيع أن تحدث في أي زمن وبل في أي مكان.
يورغوس، كما يقوم به يانيس بابادوبولوس لديه صديق وحيد في هذا العالم هو الكناري الأصفر الذي يحتفظ به. يعيش وإياه في شقة قديمة وما يملكه من مال يشتري به حبوباً للعصفور و… له أيضاً! فهو يشاركه طعامه. يحمل الطعام في يده وهي ينتقل باحثاً عن عمل او عائداً إلى البيت، ويأكله على الطريق. تدرك أن بلاء ذلك قادم لا ريب وهو يأتي على عدّة دفعات (أو وجبات): خلال تعرّفه على فتاة يذهب وإياها إلى شقّتها فتخاف من تصرّفاته، وعندما يموت جاره العجوز الذي اعتاد يورغوس الإهتمام به فيسرقه وعندما تسوء حالته الصحيّة والمالية. الأولى تجعله غير قادر، وهو لا زال شاباً، على الجهد والثانية تفرض عليه النزوح من الشقّـة إلى داخل دكان مقفر. ذات يوم يترك عصفوره هناك ويذهب في غرض. حين عودته، يجد الدكان الذي كان يدخله من خلال فجوة في بابه، قد أقفل بالحديد تماماً. سيموت العصفور بلا طعام، لكن يورغوس سيبقى ولو أنه من غير المعروف كيف.

                              صبي يأكل طعام العصفور

حكاية الفيلم أفضل من صنعه.  طريقة المخرج إكتوراس ليجيزوس هنا هي عزل بطله عن كل منطق. إنه فيلم حالة معيّنة يرفض الفيلم الخروج منها او الإجابة على الأسئلة التي قد تتعلّق بأي أسباب سابقة او مواكبة لما يحدث. الكاميرا محمولة طوال الوقت لكن أحداً عليه أن يخبر المخرجين الشبّان أن الكاميرا لم تصنع لكي تحل محل المخرج، ولا محل المشاهد أيضاً. عليها أن تختفي لكي يبرز عمق المضمون إذا ما تواجد.

A Month in Thailand
[المسابقة الدولية]
«صبي يأكل طعام العصفور» عُرض في تورنتو سابقاً ثم في “مهرجان السينما الجديدة” في مونتريال. كذلك الحال مع هذا الفيلم الروماني للمخرج بول نغلسكو.
«شهر في تايلاند» يتعامل ويوم واحد في حياة بطله رادو (أندريه ماتياو) وهو اليوم السابق لرأس السنة. ها هو صبيحة هذا اليوم يمارس الحب مع صديقته أدينا (أناستاسيا أنطون) التي تحبّه بشغف وتأمل بالزواج منه. يشتريان معاً هدية لوالدها ويذهبان لزيارة عائلتها. كل شيء يبدو على ما يرام باستثناء أنه بينما كان رادو في محل كبير لاختيار هدية شاهد صديقته السابقة ناديا (سينزيانا نيكولا)… بالأحرى اعتقد أنها هي، لكنها كما ستخبره لاحقاً لم تكن هناك في ذلك الصباح. عند حلول الليل ومع شعوره العاطفي القوي نحو ناديا التي كان انفصل عنها بلا سبب قوي، يخبر رادو صديقته الحالية بأنه يريد الانفصال عنها. المشهد على الطريق ولا مجال لكي ترميه بصحون المطبخ مثلاً. تستعطفه وتجادله ثم تصرخ في وجهه وتشتمه وتنصرف. بثبات، وبينما كان سكّان بوخارست يحتفلون بحلول رأس السنة، كان يسعى للاتصال بصديقته السابقة التي لم تشأ الرد على مكالماته الا بعدما أنهكها اتصالا. تلتقي به. يستميلها في مشهد حواري طويل. في الحقيقة، تستطيع أن تستمع إلى هذا الفيلم (كشأن أفلام كياروستامي الأولى) عوض مشاهدته. طبعاً هناك جهد في الصورة. في جمالياتها وفي تأليف أجواء المدينة كخلفية حيّة على رجل لا تستطيع أن تحبّه أو تكرهه، ما يجعله أفضل قليلاً من الفيلم السابق. العنوان عائد إلى أن رادو يمنّي النفس بقضاء شهر كامل في تايلاند، لكن هذا لن يحدث… ليس في زمن الفيلم على أي حال.

Fly With The Crane
[آفاق مفتوحة]

الفيلم، الذي شهد عرضه السينمائي العالمي الأول في مهرجان “فينسيا” الماضي،  مأخوذ عن رواية سو تونغ بعنوان «أخبرهم أنني ذهبت مع الكركي الأبيض» وسو تونغ كاتب فيلم زانغ ييمو «ارفعوا المصابيح الحمراء» سنة 1991 (عندما كان ييمو لا يزال يصنع أفلاماً تستحق النقاش).
الفكرة بسيطة معبّر عنها برهافة محسوبة حول عجوز (ما جينغشن) يتمنّى أن يُدفن عوض القانون الساري حالياً بحرق الرفات. تلك الأمنية تعكس نظرة ذلك الرجل لحياة يراها مضت بمعالمها لكنه لا يزال يحن إليها. ذات يوم يرى العجوز طائر كركي أبيض عند بحيرة قريبة، لكن أبناء البلدة يسخرون منه لأن ذلك الطائر نادر لم يره أحد. لكن الفحوى هي تعلّـق العجوز بفكرة أن روحه سوف تطير إلى السماء على جناحي ذلك الطائر لذا فهو يعارض أن يتم حرق جثّته عوض دفنها.
ما يعمد الفيلم إلى التذكير به هو العادات القديمة واضعاً إياها في مواجهة عصرنة الوسائل في عصر نجده منتقداً من قِـبل عدّة مخرجين صينيين في الآونة الأخيرة. يتطرق الفيلم أيضاً  إلى اختلاف الأجيال ومعايير ومفاهيم كل جيل عن الآخر. مشاكل في التصوير (كاميرا يانغ دجِـن)  غير الناجح في الاستفادة تماماً من أجواء المكان المفتوحة والذي يتعامل مع الدجيتال تعاملاً يكشف ضعفها وليس حسناتها، لكن ذلك لا يمنع وصول العمل إلى تحقيق غاياته مع إدارة لقطات بارعة بعضها، كمشهد النهاية، يبقى في البال طويلاً.

Night of Silence
[سينما البلقان]

بعد خمسة عشر دقيقة من بداية هذا الفيلم التركي الجيّد،  ينتقل «ليلة الصمت» من جو الاحتفال القروي الذي يؤسسه ريش شلق جيّداً، إلى داخل منزل يتم زف الفتاة الشابّـة إليه.

                                                               شهر في تايلاند

العريس هو رجل في الستين من عمره أما من تزوّج (ديلان أكسط) فهي لا زالت دون السادسة عشر من العمر. ومع الانتقال إلى داخل البيت وانصراف المدعوين بتوقعاتهم بـ “ليلة سعيدة”، تبدأ الدراما بتشكيل نفسها على نحو يعكس رفض المخرج لهذا التقليد رفضاً مساقاً على نحو خال من الافتعال او المباشرة. وهو يتيح بعض الجوانب الشخصية للزوج (إلياس سلمان) خريج سجون بعدما ارتكب جريمة شرف (قتل والدته وعشيقها) وللعادات المتّـبعة هنا فالزواج سيضع حدّاً، كما يأمل الجميع، لنزاعات بين عائلتي العريس والعروس.
إذ يمضي الفيلم وقته في محاولات العريس إقناع الفتاة بالتجاوب رافضاً أن يأخذها عنوة او أن يغتصبها، تنكمش على نفسها في مطلع الأمر، ثم، لاسترضائه، تمارس ما كانت تراه في البيت من معالم طاعة ?مثل? الهرع لإلباسه حذائه او جلب الماء إليه بسرعة. لكن ذلك يأتي متأخراً فأعباء العريس النفسية وشعوره بتكالب السنين وبالخطر المحدق من الخارج (مسلّـح ودائماً ما ينظر إلى ظلام الليل من النافذة معتقداً أن أحداً ينوي به شرّاً) تمنعانه في النهاية من المواصلة. أجواء مبنية جيّداً على فكرة تستنفذ أحياناً بعض أفكارها، لكن ما تعرضه من مضامين وتصرّفات إنسانية يحمي الفيلم من السقوط.

The Colour of Chameleon
[آفاق مفتوحة]

هل يفحصون الموتى من النساء لمعرفة ما إذا كن لا زلن عذارى؟ هل يفعلون ذلك في بلغاريا حتى ولو كانت الميتة طبيعية؟  المسألة المذكورة تبقى بالغة الأهمية في فيلم إميل كريستوف «لون الحرباء» فهي قد تحمل بعداً سوريالياً مكبوتاً هنا. ذلك  أن الطبيب ينقل الخبر إلى بطل الفيلم باتكو (روسن فيدنلييف) حين وفاة امرأة بلغت من العمر ضعف عمره قائلاً له: “لقد ماتت عذراء”. أهميّـة هذا التفصيل هي أن بطل الفيلم لم يعرف والديه ولم يكن لديه من الأقارب سوى عمّـته المتوفية وهذه أخبرته ذات يوم أنها هي والدته الحقيقية وها هو الطبيب ينفي احتمال ذلك. باتكو جاسوس لدى الحكومة (تقع الأحداث خلال الحقبة الشيوعية) ضد مؤسسة فكرية لكنه يُطرد بعد حين من الخدمة فيؤسس شركة خدمات جاسوسية خاصّة به. حين تغيّر النظام في مطلع التسعينات وارتقى من كان يتجسس عليهم إلى مناصب عليا يجدها فرصة لابتزازهم.
هذا الفيلم ضعيف الإخراج لكنه قوي في مفاداته وحكايته (مأخوذ عن رواية لفلاديسلاف تودوروف وهو باحث في الحداثة والمسرح كما في شؤون سياسية). ينقذه من حين لآخر أجواء كافكاوية ولو أنها غير كافية لكي تمنحه الثقل الفني المطلوب.


إعلان