بروكسل :1000 سنة من آلام الإنسان في زجاجة السينما

ريم المؤدب

لا تنفكّ السينما الوثائقية تغادر بروكسل، حتى تعود لها مرة تلو مرة، عبر سلسلة مهرجانات دولية لا تنتهي، وهي تسلم المشعل في مطلع شهر أبريل للدورة السادسة للمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي الألفية millennium  الذي ينعقدُ في قصر الفنون الجميلة ليستمر لثمانية أيام، ويشتقُ إسم المهرجان من أهداف الألفية من أجل التنمية في العالم، والتي رسمتها الأمم المتحدة في قمة الألفية سنة 2000 وتتوزع على مختلف مناحي الاهتمامات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.. وهنا يأتي مهرجان ميلينيوم في بروكسل محققا حسب شعاره وصورته لدى محبي السينما ذلك الهدف الذي لا يدركُ قيمته إلا من كرسوا جهدهم وإبداعهم للسينما الوثائقية.. أن يكون ملاذا للتعبير عن قضايا الانسان الحقيقية والمنسية غالبا، وهو يخصص دورته هذا العام لموضوع “عمال العالم”.

مهرجان “ميلينيوم” و وعوده الصعبة
وسط الصعوبات الانتاجية المختلفة التي يواجهها صغار المخرجين أو المنتجون الشباب يصبحُ أي دعم للشريط الوثائقي أمرا مصيري، ولكن ذلك يأخذ أهميته أيضا زمن التخمة الإعلامية والإشباع البصري والتهافت في وسائل الإعلام والمهرجانات على الأسماء المكرسة أو البعد التجاري والدرامي النمطي. هنا تأتي وعود مهرجان “ميلينيوم” بدعم المشاريع الوثائقية التي تلتفتُ للإنسان وتعيدُ رسم ملامحه وإسماع صوته، وهي تبحثُ عنه في مختلف مشاغل التنمية في تناسق مع ما اعتبرته الأمم المتحدة أولويات وقضايا لا يجدرُ على الانسانية مزيد تجاهلها.  و هو ما نستشفه من خلال برمجة المهرجان الذي خصص في هذه الدورة مسابقة جديدة تحت عنوان “عمال العالم” للتركيز على مفهوم العمل ولطرح القضايا الراهنة المتعلقة إما بصعوبات إيجاد فرص عمل، أوالمحافظة عليها زمن الأزمات التي تعشيها المئات من المؤسسات الاقتصادية في العالم و خصوصا في بلدان الجنوب بما في ذلك جنوب أوروبا، هذا فضلا عن أشكال العمل القاسية التي تترافق مع الاستغلال والقهر والموت.
كما يهتم المهرجان في هذه الدورة بمسألة التفتح على ثقافات أخرى من خلال فقرة بانوراما “معرفة الآخر” تجمع أشرطة تقدم مقاربات جديدة لفهم تعقيدات الثقافات الأخرى. هذه الدورة تترك المجال للتعرف على البعض من خاصيات شعوب أوروبا الشرقية و البلقان. 

حزب سياسي خياليّ.. وسنوات متوحشة..
افتتاح المهرجان كان بالشريط الإستوني “الرماد و المال” الذي تابع من خلاله المخرجين تيتأوجاسو و إين لين سينبر تجربة طريفة قامت بها فرقة مسرحية إستونية تمثّلت في إنشاء حزب سياسي خيالي و عقد مؤتمره بحضور 7000 شخص. هذه التجربة التي وثّقها الشريط تطرح مسألة العلاقة بين الساسة و الإعلام و تعمّق التفكير حول مفهوم التحرّكات الشعبية في إستونيا.
و طبعا كجلّ المهرجانات السينمائية يضم مهرجان “ميلانيوم” مسابقة دولية يتنافس ضمنها ثلاثة عشر شريطا وثائقيا  لنيل الجائزة الكبرى ألا وهي العدسة الذهبية. من بين الأفلام المشاركة الشريط اليمني “يمنيّات” لمخرجه شون تومسون الذي سلّط الأضواء علي مسيرة ثلاث فتيات يمنيّات وفا و مها و ريم اللّاتي يحاولن تجاوز وطأة العادات و التقاليد المكبّلة للمرأة في اليمن لصنع غد أفضل بانخراطهن في مسابقة لإدارة الأعمال.

كما تطرح افلام المسبقة الرسمية مشاغل الفئات المهمّشة و الهشة و الضعيفة في العالم مثل شريط “السنوات المتوحّشة” الذي يعالج قضية الأطفال المشرّدين في العاصمة الأثيوبية أديس أبيبا أين يصل عدد الأطفال فاقدي الأبوين 270 ألف طفل. و في شريط “النهر يغيّر مجراه” يرصد المخرج كالين مامالمعاناة اليومية للمزارعين بكمبوديا أين بدأت العولمة و ثقافة الاقتصاد الحر بتقليص مجالهم الحياتي و بتغيير نمط حياتهم التقليدية و لكن رغم ذلك يواصلون الصمود أمام هذ التحوّلات السريعة.  في شريط آخر بعنوان “أرض بين بين” تابع المخرج دافيد فادال واقع المهاجرين القادمين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء و المستقرين بجبال الشمال المغربي على أمل العبور يوما إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسّط.
وفي ختام المهرجان أيضا، جائزة العدسة الفضية التي تمنح لأفضل رسالة حول قضية التنمية و العدسة البرونزية لأفضل رسالة قدمت لبث ثقافة حقوق الإنسان كما تسند لجنة التحكيم جائزتها لأطرف شريط.

الويب الوثائقي.. أي شرعية؟ أي فرص للسرد السينمائي؟

في مهرجان “ميلينيوم” سيكون اللقاء بين الكثير من المنتجين الجدد في العالم، وهم كثر ممن يعتبرون أن شبكة الانترنت مجالٌ هام ومليئ بالفرص لابتداع أشكال “وثائقية” جديدة، ففي هذه الدورة السادسة فقرة خاصةٌ ب “الويب الوثائقي” تكادُ توحي بأن هذا الصنف المثير للجدل في أوساط السينمائيين أنفسهم قد أخذ شرعيته في المهرجانات الدولية، حيث تمت استضافة مخرجين تخصصوا في هذا المجال مثل الصحفي الفرنسي دافيد دوفراسن. ويعتبرُ القائمون على مهرجان “ميلينيوم” أن الفيلم الوثائقي المنشور على شبكة الأنترنيت يحمل نمطا جديدا من الكتابة السينمائية التي تتجاوز الأشكال التقليدية و تطوّرها بابتداع سرد مختلف، يحترم إيقاع وصبغة المتابعة والفرجة على الأنترنت، مما يخلق جمالية جديدة و مدّا تفاعليا حينيّا مع العمل الوثائقي.
إذن و وفقاً لما تعتقدُ الأمم المتحدة أنه واجبٌ على الإنسانية ينعقدُ هذا المهرجان، خاصة بعد عقود النسيان التي خلفت مع تعثر التنمية في عديد المجتمعات في العالم حالات جهل وتجاهل وإنكار.. يأتي دور مهرجان “ميلينيوم” في بروكسل لكي يذكر ويقاوم النسيان، ويلقي على شواطئ الانسانية زجاجة، فيها آلام الانسان وأوجاعه، وأيضا مباهجه ومشاغله، ربما يوجدُ على بعض الشواطئ من سيفتح الزجاجة وسيرى ويفهم ويدرك ويتذكر.