“فوكوشيما” الفرنسي.. شكاك ومغامر!
قيس قاسم
“فوكوشيما” الفرنسي .. شكاك ومغامر، هذه أقل حصيلة يمكن أن يخرج بها المرء من مشاهدة فيلم يونيل دو كونينك والذي يقترح فيه معاينة نتائج كارثة المفاعل النووي الياباني، بعد مرور ثلاث سنوات عليها، من زاوية مهنية يشترك فيها الصحافي الياباني وصانع الفيلم الوثائقي وفريقه في مغامرة البحث عن الحقيقة، مُعَرضين أنفسهم خلالها لخطر الأصابة بالأشعة القاتلة، من أجل تقديمها الى المشاهد ليُقييمها بنفسه، متجاوزين بمنجزهم السينمائي الحصيف حدود المشكلة الجغرافية الى ما هو أبعد منها كثيراً، ليعبروا بذلك عن الطبيعة الكونية للكارثة النووية، التي بدأت من ساحل مدينة فوكوشيما الآسيوية وأخذت سمومها في الأنتشار عبر مياه الأطلسي وهواء الأرض الى جهات الأرض، فيما ظلت السلطات اليابانية، طيلة الوقت، ممتنعة عن الأفصاح عن حجم الخطر الحقيقي المتأتي من تسرب الأشعة النووية تجنباً للمساءلة القانونية والأخلاقية حول حدود مسؤوليتها في الحد من آثارها المدمرة على اليابانيين وعلى غيرهم من البشر، وهذا يفسر لماذا شرع الوثائقي عمله من سويسرا مباشرة وليس من اليابان نفسها!
يحيط “فوكوشيما” كلام المؤسسات السويسرية وبعض مختبراتها بهالة من الشك لمعرفته، منذ البداية، نيَّة الدولة بناء مفاعلات نووية لأغراض سلمية ولا تريد لمشروعها الذي بدأت التخطيط له منذ عقدين من الزمن أن يفسده الصحافيون أو غيرهم. بدوره لم يرد دو كونينك المشي معها على نفس الإيقاع فراح بنفسه وأشترى سمكاً مجمداً، مستورداً، من محلات سويسرية صغيرة وطلب فحصها في كل من سويسرا وفرنسا، ليعرف الفرق بين قراءة المختبرين. أكدت المختبرات السويسرية أحتواء لحوم الأسماك على مادة سيسيوم ـ 34 وسيسيوم ـ 37، ما يعني أنها أصطيدت في المياه اليابانية وتعرضت للأشعاع المتسرب من مفاعلات فوكوشيما داياتشي ولكنها حسب رأيهم “آمنة” لا تشكل مستوياتها خطراً على صحة الإنسان إذا ما أكل لحمها. في باريس رفض الأطباء تعبير “درجات آمنة” فالنسبة اليهم الأشعاعات كلها مضرة وخطيرة ولكن درجة خطورتها هي التي تختلف وأن دخولها أجسام البشر من الخارج أو الداخل تسبب بعد مدة من الزمن أمراضاً سرطانية! الفحوصات أثارت أسئلة من بينها: لماذا تريد السلطات السويسرية طمأنة الرأي العام وعدم تخويفه من مخاطر الأشعاع النووي؟ وثانيها: إذا كانت الأسماك تحمل آثاراً واضحة على وجود مواد مشعة في لحومها، فكيف بالنسبة لليابانيين؟ ودولتهم تؤكد إنخفاض نسب الأشعاع، وأنها نظفت المناطق القريبة من المفاعل وتجري فحصوات دورية على المياه القريبة منه؟
سيدخل الوثائقي الفرنسي الى الأراضي اليابانية ويجري بحثه الخاص بطريقة شبه سرية، لأن السلطات هناك تمنع على الصحافيين والمصوريين الأقتراب من مفاعلات فوكوشيما بعد أنفجارهـاـ ليتحقق من مقدار مطابقة أدعاء السلطات للواقع. أثناء جولاته ومقابلاته الناس ينتبه الشريط الى تحول جديد في سلوك المواطن الياباني في المناطق القريبة من المفاعل، يشي ببروز حالة من أنعدام الثقة بينهم وبين سلطاتهم ما يمثل كسراً للموروث الثقافي الإجتماعي الهرمي الذي يعد واحداً من سمات المجتمع الياباني التقليدي. ففي كل مكان كان يدخله المخرج الفرنسي وفريقه ضمن المناطق الجغرافية التي تبعد 30 كلم (رسمتها الدولة كحدود آمنة) عن المفاعل، كان يوثق سلوكاً واضحاً يغذي شكوكه من أن السلطات تخفي الكثير عن مواطنيها وأن وجهاز قياس مستويات الأشعاع الذي يحمله كل واحد منهم، تقريباً، ما هو إلا رمز للعلاقة الجديدة المختلة. فالجهاز الحساس يشير الى الأرقام الحقيقية ويُكذب بدوره أرقام السلطة المُضَلِلة. في جانب آخر يعيد “فوكوشيما” مجدداً صورة الياباني المتضامن، العصامي.
فثمة حراك اجتماعي يسير بإتجاه متوافق مع الروح المقدامة والمتحدية التي أنتجت حركة شعبية ضاغطة على السلطات بطريقة لا تتجاوز حدود الإحترام ولكنها قبلت بكسر حاجز الخوف من الغريب. درجة تعاونهم مع فريق العمل الفرنسي عبرت عن وحدة مصالح انسانية وساعدت على أنجاز وثائقي مذهل مليء بالنماذج الشجاعة وطافح بالديناميكية الدرامية التي تشي تفاصيلها الداخلية بسلوك بشري يقف ضد كل ما هو متناقض مع قيمها، وصورة الصحفي الياباني الذي دخل الى قلب المفاعل بعد أنفجاره متنكراً بشخصية عامل من عمالها تُبيّن مقدار الشعور العال بالمسؤولية لديه والذي عبر عنه في أكثر من مناسبة ولخصه: إذا لم تُعَرض نفسك للخطر في سبيل كشف الحقيقة فمن سيضمن للأجيال القادمة حياة صحية وسوية؟. على طول خط البحث التسجيلي سيصادف الفيلم أناساً كرسوا حياتهم، مثل صُناعه، لكشف الحقيقة لهذا وحينما قرر المخرج دو كونينك دخول المنطقة الحمراء (محيط عشرين كلم حول المفاعل) إنما كان يتناغم مع الجو المحيط به. سبَقَت خطوته الجريئة عدة أكتشافات في مقدمتها أكداس الأكياس البلاستيكية الممتلئة بالتراب المأخوذ من الأرض التي وصلها الأشعاع في ساعات الكارثة الأولى. فكرة التحري عن الأكياس أنبعثت من ملاحظات وهواجس سكان المنطقة الذين راحوا يتساءلون عن سر وجود هذه التلال السوداء دون توضيح. سيتضح لاحقاً انها مصدر أشعاع خطير نابع من طبيعة التربة السطحية التي قامت السلطات، وكأجراء أحترازي، بقشطها على عمق 5 سنتيمترات حتى لا تغور المواد المشعة عميقاً داخل الأرض ولكنها لم تتخذ الخطوات اللازمة للتخلص منها، فأبقتها كما هي وأحاطتها بأسيجة حديدية دون أشارة الى مخاطر الأقتراب منها؟!. الأكياس بدورها ستُوصل البحث التسجيلي الى المناطق التي أدعت السلطة أنها نظفتها ويمكن للناس العودة اليها. لطمأنتهم نصبت البلدية أجهزة قياس أمام كل مدرسة وتجمع وبناية وكلها تشير الى نسب منخفضة عن تلك التي يسجلها الناس بأجهزتهم المحمولة في آياديهم. لقد أتضح أن الواجهات القريبة من البنايات قد نظفت فعلاً، ولكن على بعد أمتار منها كانت الأرقام تشير الى مستويات أعلى بكثير. في أحدى المدارس لفت أنتباه الناس وجود جهازين متجاورين يعتمد مديرها واحدة منها فقط وحين سُأل عن الثاني تلعثم وقال: “البلدية طلبت منا تجميد العمل بها”. يذهب الوثائقي الى الشركة البائعة في طوكيو ويكتشف أن وزارة المعارف قد طلبت منهم تغيير نظام تشغيل أجهزتها وحين نُقل الطلب الى الشركة الأمريكية المنتجة رفضت ولم تفهم لماذا يريد اليابانيون تغير المقاييس العالمية التي أعتمدوها حين قاموا بصناعتها لتقوم بوظيفتها في معرفة حركة مادة الميكروسيفر في الساعة الواحدة والتي على أساسها يتحدد كم الخطر المحتمل في المنطقة المنصوبة فيها.
كل الأرقام المقدمة من الدولة لقياس مستوى الأشعاع أقل من المستويات الحقيقة بكثير وأن الاجهزة المغشوشة قد تم شراؤها من جيوب دافعي الضرائب. فضيحة أثارها الوثائقي وشجعت الناس على التعاون معه فراحوا يُدلونه على مواضيع جديدة تفيد مخططه، ومنها دخلوه الى المفاعل المُغلق والمُشدد الحراسة. في مغامرة خطيرة تنكر صاحب الوثائقي بهيئة عامل ياباني وأختبأ في صندوق الحقائب لسيارة تابعة لأحد العاملين في شركة “تبكو” صاحبة المفاعل. قبلها أظهرت تسجيلات الصحافي الياباني سوء أساليب تبريد “قلب المفاعل” خوفاً من أنفجاره ثانية، وأن المياة المستخدمة في العملية كانت تتسرب الى المحيط القريب. تركوا هذا الجانب الى نهاية الشريط وركزوا على تسجيل معدلات التسرب الحقيقية بأنفسهم والتي بلغت حسب أجهزتهم مستويات تفوق مستويات كارثة تشرنوبيل وأن الغيوم المصاحبة للأنفجار قد وصلت الى أبعد من 30 كلم بكثير ما يشكل خطراً حقيقياً على سكان مناطق واسعة من البلاد وليس كما حددتها الدولة حسب مصالحها وحفاظاً على سلامة مقاعد المتنفذين فيها ومنافع الشركة المتعاونيين معها.
بعد جمعه الحقائق راح يسأل الوثائقي عن الجوانب السلبية المترتبة على تكتم الحكومة اليابانية المُتَعَمد، فظهر أن روسيا قد أخضعت كل سكان المنطقة المحيطة بتشرنوبيل الى فحص كمية السيزوم (الرمز الكيمياوي Cs) في أجسامهم كونه عنصراً فعالاً في التسبب بسرطانات أكثرها شيوعاً سرطان الغدة الدرقية. على بعد 50 كلم وفي مدينة كورياما كان الدكتور المتطوع سوزوكي يقوم بفحص أطفال المدينة التي بدأت تظهر عند بعضهم أعراض سرطانية بعد أن أكد لذويهم أطباء الأشعة الفوق صوتية التابعة للحكومة سلامتهم من كل مرض!. سيُبين لهم الطبيب أن الغيوم النووية قد سقط الكثير من نفاياتها على الأرض أثناء سقوط الثلج وكان أطفال المدارس من بين الأكثر عرضة لملامستها. معلومة ستُحيل الوثائقي للتفكير في الذهاب أولاً لمعرفة دور مياه التبريد المأخوذة من المحيط والمعادة اليه ثانية بعد تلوثها. في هذا المبحث الدؤوب سيتوصل “فوكوشيما” الى أن هناك عملية تغيير سريعة وسرية قامت بها السلطات الحكومية للطاقم الطبي داخل المفاعل، فقد جاء مدير جديد للقسم الصحي وقَبل مقابلة الفرنسيين ليخبرهم بأن مياه المحيط القريبة من المفاعل لن تترك أثراً سلبياً على الحياة البيئية ولن تؤثر على صحة الأسماك؟ كلام قريب من كلام المختبرات السويسرية ولكن العينات التي فحصها الشريط بنفسه أظهرت العكس، وحتى العالمة المختصة بالذرة في جامعة طوكيو لم تصدق بأن طبيباً يقول ذاك الكلام فعلى علمها أن المواد المشعة تنتقل الى الأسماك عبر ترسبها في طين قاع المحيط وأعشابه التي تتغذى عليها بعض الأنواع ومن المستحيل القول بعدم تأثرها به! كذبة جديدة ستضاف اليها كذبة الرياح التي أدعت وحدة قياس الجو في المنطقة بعد الحادث أنها أتجهت نحو عمق المحيط شرقاً ولم تصل الى اليابسة. في كاليفورنيا جمع المختصون الواصل الى سواحلها من المواد المتبقية من الكارثة وأكتشفوا نسبة عالية من المواد المشعة فيها كما بيَّن الفرنسيون أن الغيوم أتجهت بفعل الرياح الى أمريكا الشمالية فالأسكيمو ومرت فوق شمال أوربا ووصلت الى فرنسا وجوارها. أكاذيب كثيرة أنفضحت في وثائقي خطير ومتشكك نجح، رغم المخاطر المحيطة بالعاملين فيه، في عرضها وبأوضح صورة سينمائية ممكنة.