عَودة الى الكابوس العراقي
محمد موسى
قَضَى مايكل وير سبعة أعوام في العراق مراسلاً لمجلة “تايم” الأمريكية. خلال السنوات تلك، رأى الشاب الإسترالي الأصل عدة قيامات للبلد. فهو كان هناك عندما دخلت الدبابات الغربية قلب بغداد، وشهد إنهيار نظام صدام حسين، وتفجر العنف غير مسبوق الذي مازال يدور البلد في فلكه. كان وير شاهداً على العملية الإنتحارية الاولى في بغداد، وبعدها راقب البلد وهو ينزلق في تلك الهاوية السحيقة، عندما كان العراقيون يصحون كل صباح على جثث ملقاة في الشوارع، والإنتحاريون يصلون بالموت الذي يحملوه بسيارتهم وأجسادهم الى أي منطقة يشاؤون في بغداد وغيرها من المدن العراقية. في بلاد بين النهرين، كانت التجربة الصحافية الاولى للمراسل والمصور الشاب، وهناك بين أزيز الرصاص ودخان قنابل الإنتحاريين، سيبلغ وير سِّن الرشد، كما وصف في فيلمه التسجيلي المُرعب ” فقط القتلى” الذي أخرجه مع المخرج بيل غوتنتاغ، وفاز عنه في شهر تموز (يونيو) الماضي بجائزة أفضل فيلم تسجيلي في مهرجان سيدني السينمائي في إستراليا.
![]() |
|
مايكل وير
|
لأسباب غامضة يعجز وير نفسه عن تفسيرها، سيتشبث المصور الإسترالي بحياته وعمله في العراق ورفض مغادرة البلد في أحلك الساعات، وحتى عندما اقترب الموت منه بالقدر الذي نراه في الفيلم التسجيلي، كان يلجأ الى غرفته في مبنى المجلة في أحد أحياء العاصمة العراقية، ليمكث فيها وحيداً لأيام، حتى يعثر على شجاعة جديدة ليعود بها الى شوارع بغداد التي كانت تغرق بالدماء. رافق وير القوات الأمريكية في معركتها الطويلة في الفلوجة، وكان هناك عندما كانت قوات أمريكية خاصة تدخل بيوت مشتبه بهم في الإنبار. في بغداد كان قريباً من أن يصبح أحد المحتجزين الغربين الذين نراهم في عمليات الأعدام المصورة لتنظيمات القاعدة وغيره من التنظيمات المتطرفة، عندما وقع في قبضة جماعة الزرقاوي في قلب العاصمة العراقية، لكن صديق قديم له من المسلحين سينقذه ويطلقه مجدداً الى تلك الشوارع الخطرة للبلد الذي فتنه بعنفه، وغازل ذلك السواد المختبأ في روحه، وكما كشف في الفيلم.
يعود وير الى سنواته العراقية وبعد أكثر من خمسة أعوام على تركه البلاد. فجمع من أجل فيلمه التسجيلي هذا، مقاطع من الأفلام التي صورها بنفسه، وتلك التي حصل عليها من المسلحين الذين وثقوا به. ليخرج بفيلم فاحش بوحشيته، كولاج من الجحيم. مشاهد قاسية الى درجات لا توصف من الكابوس العراقي. بعضها يدين الجنس البشري كله، والوحشية التي يحملها البعض لبشر مثلهم. فيما يلقي وير في شهادته الصوتية التي رافقت زمن الفيلم، بالمسؤولية على الزرقاوي، الذي إعتبره شيطانه الشخصي. فقبله كانت معارك المسلحين العراقين ضد القوات الأمريكية حرب رجال نبيلة، أما حرب الزرقاوي فهي بربرية تنتمي لعصور الظلمات، تقصدت بالدرجة الأساس العراقيين.
يبدأ الفيلم من الخطوة الاولى التي وضعها وير على أرض العراق. في كردستان، حيث وصل الى المنطقة التي كانت خارجة أصلاً من سيطرة نظام صدام حسين. من هناك سينتقل الى بغداد، التي سيتعلم في زمن محنتها الطويلة إصول الصحافة. يسجل وير تجربته الطويلة في البلد. فيمزج الخاص بالعام. وينعى الصديق الذي عمل معه سوياً والمجهول الذي لم يعرفه. سيعرفنا وير في المشاهد الإفتتاحية في الفيلم على زملائه العراقيين. منهم من سيقتل في العنف بعد سنوات قليلة. يأخذنا الصحافي الاسترالي أيضاً الى ميتات عنيفة لعراقيين مجهولين. فوجه كاميراته على موتهم المجاني المتوحش. أحياناً بعد دقائق قليلة على إنفجارات إنتحارية مدمرة. حيث اقتربت الكاميرا بالقدر الذي كان يمكن فيه رؤية الجلد المحروق وسماع شهقات الحياة الأخيرة.
![]() |
بكاميرات صغيرة سيئة الجودة صَوَّر وير يومياته العراقية. فداحة الصور المقدمة تجعل من ردائتها التقنية شأناً ثانوياً. يوظف الفيلم أفلام المسلحين والإرهابين أنفسهم، والتي عثر على بعضها في هواتف وكمبيوترات وصلت الى وير. فيركز مثلاً على أفلام الجماعات المسلحة وهي تحضر إنتحاريها للموت. بدا بعض الإنتحاريين الذين ظهروا في تلك الأفلام وكأنهم ذاهبون الى حفلة. فيما إنهار بعضهم وسط تشجيع رفاقهم الذين كانوا ينشدون الأغاني التي تعد الشهداء بالحواري. تكتنز تلك الأفلام على بشاعة ورعب حقيقين. بخاصة عندما وضعها الفيلم في مونتاج موازي لصور القتلى من المدنين والأطفال العراقين، ضحايا تلك العمليات.
يختار الفيلم أن يعرض الكثير من العنف المفصل الذي لن نعثر عليه بسهولة ضمن تقاليد السينما التسجيلية من السنوات الأخيرة. هذه المقاربة مهمة كثيراً لإنسجامها مع طبيعة التجربة الشخصية التي يريد الفيلم أن يستعيدها بكل رعبها. فالفيلم التسجيلي هذا سيكون فيلما مختلفاً، اذا إختار أفلاماً أقل قسوة، او يعمد على تغطية وجوه الضحايا وكما تفعل محطات التلفزيون غالباً. العودة الى العنف ذاك، تحمل أيضاً ما يشبه التحية لأرواح الذين قضوا في سنوات العنف العراقي. او على الأقل تذكير جديد بما حدث هناك، وإدانة للقتل والقاتلين. كما أن العودة هذه وضمن الترتيب الزمني المتصاعدي الذي قدمت به، هي شهادة مُهمة للغاية لصحافي غربي عن أعوام صعبة من تاريخ العراق، كان وجود الإعلامي الغربي في العراق بذاته يُعَّد أمراً نادراً، ومحفوفاً دائماً بالمخاطر.
حسناً فعل وير بالإنتظار بضعة سنوات قبل أن يقدم شهادته الخاصة عن تجربة عمله في العراق. هذه المسافة الزمنية ستمنح الفيلم الكثير العمق والنضج. سواء تعلق الأمر بالتجربة الخاصة للصحافي الشاب الذي كان يبحث عن مغامرة تبعده عن الحياة الرتيبة في مدينته الإسترالية الصغيرة، او ذلك الذي يتعلق برؤيته الى الوضع العراقي من مسافة زمنية وجغرافية بعيدة نسبياً، سمح له إعادة التفكير وقراءة المشهد العام على ضوء المستجدات التي توفرها وثائق جديدة يتم العثور عليها دائماً في العراق. ومنها تلك التي أظهرت عمليات القتل الوحشية التي كانوا ينفذها مسلحين بحق مدنين او عسكرين عراقيين، وأحياناً غربين.
يتبدل مناخ الفيلم ويتجه الى الإثارة، عندما يصل الى الجزء الذي يعرض فيه تجربة وير في مرافقة القوات الأمريكية في الفلوجة والأنبار، فالصحافي الشاب الذي كان يحمل كاميراته الصغيرة، كان شاهداً على حروب شوارع ربما هي الأعنف في تاريخ حروب العالم الحديث. في هذا الجزء أيضاً، لم يتردد الفيلم في عرض لحظات عنف مُفصلة، بعضها يقدم جنوداً أمريكيين يصابون في تلك المواجهات. هذا القسم من الفيلم، يحمل إدانة ضمنية للحكومات الغربية، التي ألقت بجنودها في دولة تحكمها أعراف اجتماعية مُعقدة. في أحد مشاهد الفيلم، يصاب جندي أمريكي على سطح بناية عراقية في مدينة الفلوجة، فيما بدى رفاقه الشباب عاجزين على التعامل مع الوضع، تائهون في مدينة غريبة وبعيدة.
![]() |
|
ملصق الفيلم
|
وعلى رغم الوحشية التي طبعت معظم دقائق هذا الفيلم التسجيلي، الا أن لا شيء في الفيلم كان يُعدنا لمجموعة المشاهد الختامية الكابوسية منه، والتي أرادها وير أن تكون محاسبة شخصية له قبل غيره، وإقتراب من المنطقة السوداء في روحه التي تحدث عنها كثيراً في الفيلم. فأثناء مرافقة الصحفي لقوة أمريكية في الأنبار، أطلق جنود من تلك القوة النار على عراقي كان يركض في الحقل القريب. عندما وصلت القوة الى الرجل الذي كان مدداً على بطنه، كان الغموض يلف حالته، فهو لم يكن يستجيب لأسئلة الجنود وصيحاتهم. بعد دقيقة يقوم جندي أمريكي بقلب جسد الشاب العراقي، ليتبين إنهو أُصيب في الرأس إصابة جسيمة. ينقل الجنود الامريكين الجسد كخرقة الى البيت القريب. بعدها يتجه النقاش وبلا مبالاة كبيرة عما يمكن أن يفعلوه مع مصاب يقترب من الموت.
لدقائق، كان كاميرا وير تركز على الجسد الملقى، والذي كان يطلق شهقات بين الفينة والأخرى. وكانه يبحث عن لفحة هواء أخيرة. فيما يتواصل في الخلفية نقاش الجنود، اذا كانت الحالة تستحق المساعدة الطبية، او أن يترك العراقي لحتفه. في كل ذلك لم تفارق كاميرا وير الجسد الملقى، والذي ستتباعد شهقاته، وتقل حركته. يحاسب وير في الخلفية الصوتية نفسه، ولماذا لم يتدخل وقتها، ويطلب من الجنود الأمريكين نقله الى وحدة طبية. يَقرّ المُراسل الإسترالي أن تلك اللحظات كانت الأكثر سوداوية له في العراق، وأنه وكحال الذي خاضوا طويلاً في أوحال الحروب، هم موتى أيضاً رغم نجاتهم.


