“حكايتنا”.. محامٍ شاب يكافح من أجل أبيه المظلوم في زنازين الانقلاب

يُعتبر فيلم “حِكايتُنا” للمخرج التركي ياسين أوسلو من أكثر الأفلام التركية شهرة وإثارة في هذا العام، حتى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد شاهد الفيلم هو وعقيلته، وعقّب عليه باقتضاب شديد على أسئلة الصحفيين قائلا: “أنا أفهم هذا الفيلم جيدًا” في إشارة واضحة إلى أوضاع السجناء الأتراك الذين عاشوا في زنازين الانقلابين وتعذبوا فيها.

يتمحور الفيلم عن تداعيات الانقلاب العسكري الذي نفّذهُ الجنرال كنعان إيفرين في صبيحة 12 سبتمبر 1980 تحت ذرائع شتّى منها مقاومة المدّ الشيوعي، ومكافحة التمرّد، وتحييد العقائد الدينية المتزمتة، والتمسك بمبادئ أتاتورك، ومعالجة الركود الاقتصادي، والقضاء على أعمال العنف والإرهاب، وما إلى ذلك من أهداف بغية استعادة هيبة الدولة وسيادتها على كل الأراضي التركية.

لا يستطيع أي فيلم، أو حتى مجموعة أفلام روائية ووثائقية، أن تغطي مجمل الأحداث التي وقعت إثر الانقلاب مباشرة وما أفرزته من ظواهر قمعية لا تنتمي إلى سلوكيات الدول الحديثة المتحضرة كالسجن والقتل والتعذيب والملاحقات الأمنية، فضلا عن إلغاء الدستور، وحظر الأحزاب السياسية واعتقال زعمائها في ذلك الوقت أمثال بولنت أجاويد، وسليمان ديميريل، ونجم الدين أربكان، وألب أرسلان توركيش وغيرهم من العاملين في الأوساط السياسية التركية.

عصر القمع.. أفلام جريئة تتحدى حكم الجنرال

رغم القبضة الحديدية للجنرال كنعان إيفرين وبقائه في سُدة الحكم لتسع سنوات قادمة فإن المخرجين الأتراك لم يستسلموا لجبروته ومنعِهِ للأفلام التي تعالج تداعيات الانقلاب العسكري، فقد أنجزوا أفلامًا مهمة عام 1986 لعل أبرزها “الصوت” لزكي أوكتين، و”الطريق الشائك” لزكي ألاسيا و”غنِّ أغنيتك” لشريف غورين، وهي تتحدث عن معاناة السجناء في معتقلاتهم وزنازينهم وأقبيتهم السرية المنفردة أو تكيّفهم في المجتمع الجديد بعد أن أمضوا في السجن سنوات طويلة.

كما أنجز مخرجون أتراك بعد حقبة إيفرين أفلاما شديدة الجرأة نذكر منها “خطابات غير مُرسَلة” (2003) ليوسف كورجينلي، و “أبي وابني” (2005) لكاغان إيرماك، و”الجلاد الأخير” (2008) لشاهين غوك، إضافة إلى الفيلم الوثائقي “12 أيلول” للمخرجة أوزليم سولاك التي جمعت في فيلمها اثني عشر شخصًا من أعمار مختلفة وخلفيات متنوعة وهم يستذكرون صبيحة الانقلاب وما حدث في الأيام والأشهر اللاحقة.

لا يقتصر فيلم “حِكايتُنا” على قضية واحدة فقط، وهي قمع حرية الرأي والتعبير كما حدث للكاتب إسماعيل أيكنجي الذي سُجن بسبب كتابٍ أصدرهُ، أو نظمي يلماز بسبب انتمائه الماركسي، أو بقية النُزلاء الذين ينتمون إلى أحزاب دينية أو قومية معارضة. وإنما هناك قضايا أخرى متعددة تتعلق بالتعذيب، والسجن الانفرادي، والتجويع، ومعاناة أهل السجناء وزوجاتهم وأطفالهم خارج السجون. وهناك أيضا الحب، والعلاقات الزوجية، والأدب، والفن، والثقافة وسواها من مناحي الحياة المتعددة.

كفاح الابن المحامي.. حبكة فنية ترسم أبعاد القصة

يمكن اختصار القضية الرئيسة لفيلم “حِكايتُنا” بأنها قصة كاتب سُجِن بعد انقلاب 12 سبتمبر 1980، ثم مات في السجن بعد ثلاث سنوات، مُخلفًا وراءه زوجة وثلاثة أطفال، وقد درس أكبرهم القانون وأصبح محاميًا ليُثبت براءة والده ويرد الاعتبار إليه، قبل أن يتزوج من الفتاة التي أحبها واطمأن إليها قلبه. هذه هي القصة الإطارية التي احتوت على عدد من القصص الفرعية التي تؤازر القصة الأساسية، وتمنحها شكلا سرديا سلسا ومُنتظما على مدار الفيلم الذي بلغت مدته 97 دقيقة ملأى بالشدّ والتشويق والترقّب.

لا شك أن كاتبة السيناريو سيدا ألتايلي تورغوتلو هي كاتبة متمكنة من أدواتها الفنية، فلا غرابة في أن تحبك القصة بطريقة متقنة أنقذتها من أي ترهل مُحتمَل، لذلك ظل المُشاهِد مُنشدًّا إليها ومُمسكا بكل جوانبها المتشعِّبة التي غطّت قصصا وأحداثا وشخصيات كثيرة، سنتوقف عندها بغية تحليل القصة السينمائية، ودراسة أبعادها الجمالية، خصوصا أن كاتبتها قد نجحت في القفز من الضمير الفردي إلى الضمير الجماعي، حتى غدت الحكاية حكاية الشعب التركي برمته، وهي تحمل بكل تأكيد قسمًا من معاناة البشرية في كل البلدان التي لم تقطع شوطا بعيدا في الحياة الديمقراطية.

ملصق الفيلم الذي يعرض شخصيات الحكاية

مفاهيم الشجاعة والشموخ.. إرث التربية والتعلق بالأب

تُحيلنا القصة الإطارية لموت الكاتب إسماعيل إيكنجي (الممثل جانسيل إلتشين) في سجن سينوب بعد ثلاث سنوات من اعتقاله، لأنه ألّف كتابا دفع الأجهزة الأمنية إلى الاعتقاد بأنه ينطوي على أفكار مسمومة ونيات صريحة لتقسيم الجمهورية التركية.

لا تتوقف القصة عند هذا الحد، وإنما تلد قصة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها، وربما تتفوق عليها لجهة إصرار ولده أحمد (الممثلة لوك بيّيز) على ردّ الاعتبار لوالده الذي دفع حياته ثمنا لغباء المحققين الذين اعتمدوا على أدلة كاذبة، وبلاغات قد تكون كيدية أو زائفة في أضعف الأحوال.

لقد زرع الوالدُ الكاتب إسماعيل إيكنجي مفاهيمَ الشجاعة والإصرار والشموخ في نفس ولده البكر أحمد، ورباه منذ الطفولة على الجلَد وعدم الرضوخ والاستسلام في الأوقات العصيبة، وقد رأيناه في مشهد تعلّم قيادة الدراجة الهوائية يسقط منها ويقف ثانية على قدميه بتشجيع من والده. لقد تعلّق أحمد بأبيه كثيرا، حتى أنه ركض خلف سيارة الدرك التي أخذت والده لمسافة طويلة وهو في طريقه إلى سجن سينوب سيئ الصيت والسمعة.

عالم الزنازين.. جريمة اعتناق الفكر واقتناء الكتب

لا بد من الإشارة إلى أن هذا الفيلم صوّر في أربع مناطق مهمة جدا، ثلاث منها في أقصى الشمال الشرقي من تركيا، وهي سينوب وطرابزون وريزه المحاذية للبحر الأسود، إضافة إلى إسطنبول بمعالمها التاريخية الكثيرة. وقد أمدّت هذه المدن الأربع فيلم “حكايتنا” بجماليات متعددة مُستمدة من الطبيعة الخلابة لتركيا ومناطقها الجبلية المُشجرة وأنهارها المتدفقة، إضافة للمناطق العمرانية الجميلة في حي سليمانية والأحياء الإسطنبولية الأخرى التي تُشعرك بحميمية الأمكنة، وخاصة الحارات الشعبية القديمة التي تنبض بالحياة.

أما من الناحية الزمنية فإن بداية الفيلم تعود إلى يوم 15 سبتمبر 1980، أي بعد ثلاثة أيام من الانقلاب مباشرة، حين شرعت الأجهزة الأمنية وقوات الجيش بحملتها ضد من أسمتهم بالشيوعيين والفاشيين والفوضويين والسلفيين الأصوليين والمتمردين على الدولة، وكان أولهم الكاتب إسماعيل إيكنجي الذي يروِّج كتابه لتقسيم الدولة التركية بحسب رأيهم، في إشارة واضحة إلى مؤازرته للتمرد الكردي الذي انطلقت شرارته في سبعينات القرن الماضي.

وقد شاهدنا الضباط والجنود الأتراك يدهمون منازل معارضين ومناوئين آخرين، ويزجون بهم في سجن سينوب كي يناولوا عقابهم على ما ارتكبوه من خروقات يحاسب عليها القانون. لقد رأينا في سجن سينوب الضابط وهو يضرب نظمي يلماز على وجهه بمسدسه ويدمي له أنفه، لأنه وجد بحوزته في أثناء تفتيش عنبر السجن كتاب “البيان الشيوعي” للكاتب “كارل ماركس” و”فردريك أنجلز”.

كما شاهدنا الزنزانة الانفرادية التي زُجّ بها إسماعيل إيكنجي، لأنه كان يدوِّن يومياته في دفتر خاص سوف يكون مهمًا في قضية رد الاعتبار له ولأسرته المفجوعة.

إن هذا السجن وبعض زنزاناته الانفرادية وما شاهدناه من ضرب وتعذيب وإهانة معنوية هو جزء بسيط مما يتعرض له سجناء الرأي والفكر والسياسة الذين بلغ عددهم مئات الألوف، بينما خضع مليون ونصف مليون مواطن إلى مراقبة من قبل الأجهزة الأمنية التي كانت ترى أنهم يشكلون خطرا جديا على الأمن القومي التركي.

يجد إسماعيل نفسه بين نار الحب ونار إعادة الاعتبار لوالده

“لكي أثبت براءة أبي”.. بائع الجرائد المدافع عن حقوق الإنسان

لا يشكل هذا الفيلم إلاّ نقطة صغيرة من الجزء البارز من جبل الجليد، لأن المعاناة كبيرة، والهزّة قد شملت الجميع تقريبا، إذا ما استثنينا الضباط الكبار واليمين التركي المتطرف الذي تدعمه أميركا، كي تخلق منه مصدًّا يوقف المدّ الشيوعي المتفاقم آنذاك. ولكن حسبُنا أن هذا الجزء البسيط من الضرب والإهانة المعنوية والموت داخل السجن يوحي بالكارثة المفجعة التي حلّت بالشعب التركي خلال السنوات التسع العجاف التي حكم فيها الجنرال كنعان إيفرين وسامَ مواطنيه سوء العذاب.

بينما كان إسماعيل يقضي عقوبته في سجن سينوب أنجبت زوجته نعمت (الممثلة سيرا توكدمير) ابنها الثالث نجيب (الممثل إبراهيم كيندرجي) الذي رآه أبوه وشمّ رائحته، قبل أن يلقى مصيره المحتوم إثر أزمة قلبية ألمّت به في السجن.

يأخذ المنحى السردي بُعدا آخر، حينما نرى الطفل الصغير أحمد وهو يبيع الصحف على أرصفة الشوارع والطرقات، ونرى رجلا طاعنا في السن يسأله:

ماذا تريد أن تُصبح في المستقبل؟ محاميًا. لمَ؟ لكي أثبت براءة أبي.

تشي هذه المحاورة المُقتضبة بأن الأب لا بد أن يكون بريئا، وأن الحق لن يضيع حتى بعد فوات الأوان. ثم يكبر هذا الطفل ليصبح طالبًا في كلية الحقوق، لكنه ليس كبقية الطلبة، فهو الوحيد الذي انبرى مُدافعًا عن طالبة مُحجبة خيّرها الأستاذ بين أمرين، إما أن تخلع حجاب الرأس الذي ترتديه، أو أن تغادر حصته الدراسية.

اشتبك أحمد مع الأستاذ، وانتقده على الطريقة التي يتحدث بها مع هذه الطالبة المحجبة التي تبدو مسكينة، ولم تعرف كيف تعالج الموقف الحرج الذي وضعها فيه الأستاذ المُطالِب بتطبيق القانون. فقرأ له أحمد المادة السابعة عشر من الدستور التي تنص على أن “الجميع لهم حق العيش والحفاظ على وجودهم المادي والمعنوي”.

وحينما غادرت المحجبةُ الصفَّ خرج وراءها كي يؤازرها ويعزز موقفها، لأنه لا يسكت على الظلم ولا يخضع للمتجبرين. لا بد أن ننبه إلى زميلته الأنانية نسرين (الممثلة ناز إيلماس) التي لامتهُ، لأنه ساندَ هذه الطالبة، فربما يضعه الأستاذ في ذهنه ويرسّبه في المادة التي يدرسها.

“باسم الذين ماتوا وحيدين في الزنازين الباردة”.. يوم المرافعة

يمكن اعتبار موت إسماعيل إيكنجي ذروة أولى في قصة الفيلم، ذروة الكاتب والمبدع الذي ينوّر أذهان القرّاء، ويلقى حتفه في مكان مظلم. أما الذروة الثانية التي تفرك الصدأ عن قلوب العائلة برمتها، فهي المرافعة الأخيرة التي يسترد بها أحمد حق والده وكرامة العائلة.

مخرج الفيلم التركي ياسين أوسلو

يستهل أحمد مرافعته بالقول: إن دفتر اليوميات الذي قرأتموه هو مذكرات أبي التي كتبها بين عامي 1980-1983. إن ما حصل في عام 1980 وما بعده لم يحطّم كبرياء والدي فحسب، وإنما حطّم كبرياء قسم كبير من أبناء هذا البلد. الدعوى التي رفعتها ليست ضد اليمين أو اليسار. إنها دعوانا جميعًا، دعوى الجميع الذين زج بهم في السجون بالأدلة الكاذبة، والقرائن المزورة، والبلاغات المستندة على شائعات لا غير.

ومع الأسف تُوفي أبي قبل أن نتمكن من إثبات براءته، ولكنني واثق جدًا من أنه لفظ أنفاسه الأخيرة من دون أن يفقد إيمانه القوي بتحقيق العدالة ذات يوم. باسم كل العائلات التي مُزقت، وباسم كل الذين ماتوا وحيدين في الزنازين الباردة؛ أطالب بردّ الاعتبار لأبي.

لا يتأخر القاضي كثيرا في إصدار القرار، فيرد الاعتبار إلى المرحوم إسماعيل إيكنجي، ويضمن له جميع حقوقه.

ما لفت نظر أحمد منذ بدء المرافعة أن نسرين لم تكن موجودة، فلقد انسحبت من هذه الدعوى كي تتفادى ملابساتها، كما عرفت سلفا بأنه سيكسب هذه الدعوى، بعد قراءة دفتر اليوميات الذي وفرّ للمحكمة أدلة دامغة على براءته من التُهم المُسندة إليه.

كانت نسرين في طريقها إلى المطار، لكنها لم تشأ أنه تخبئ عنه حقيقة مشاعرها في اللقاء الأخير، فأخبرته بأنها كانت تتمنى في ليلة الخطوبة أن تكون في مكان إليف، الفتاة التي كانت يتكلم معها، لكنها اعترفت بأنها كانت تنحو دائما إلى تعقيد المواقف التي تمرّ بها في حياتها اليومية.

رسالة إسماعيل العاطفية.. نهاية رمزية تختم الفيلم

اختار المخرج وكاتبة القصة نهاية رمزية مدروسة، فمثلما التقى إسماعيل مصادفة بنعمت وهي تقدم حلوى بيض اللقلق إلى طفل محروم، فقد عرف من خلال نظرة واحدة بأنها ستكون رفيقة دربه، ولن يستطيع أن يفرقهما أحد سوى الموت.

أما أحمد الذي كان يتخيل لقاء أبيه بأمه، فإنه يلتقي بحبيبته إليف ويعطيها الكتاب الشعري الذي لوّنته بنفسها، ليكون دليل حب أبدي لا يتزعزع أمام صروف الزمان. ثم ينتهي الفيلم بالرسالة التي بعثها إسماعيل لزوجته وأولاده، طالبا منهم جميعا أن يتطلعوا إلى الغد بأمل كبير، وأن يتذكروا دائما بأن أباهم يحبهم جميعا، وسوف يبقى يحبهم إلى الأبد.

لا يمكن للقصة السينمائية لهذا الفيلم أن تكون مُتقنة بهذا الشكل ما لم يقف وراءها قاص محترف يعرف أسرار الفن القصصي، ويدرك أهمية السيناريو والحوار. وقد كانت سيدا ألتايلي تورغوتلو نموذجا لهذا النمط من الكُتّاب المحترفين. ولا نشك البتة في أن المخرج ياسين أوسلو قد ترك بصماته القصصية على هذا السيناريو الناجح الذي خلا من الترهل والأزمنة الميتة.

كما ساعد المونتير إيركان أوزَكان في التخلص من أي زوائد مملة تعيق تدفق أحداث القصة السينمائية التي وضعت هذا الفيلم الجريء في مصاف الأفلام الناجحة فنيًا، حيث يتعاضد الأداء والتصوير، ويتماهى المونتاج مع الهيكل المعماري للقصة السينمائية.