“مداعبة العمالقة”.. باسم يوسف من السخرية السياسية إلى المهجر
كان من أشهر برامج السخرية السياسية في التليفزيون البريطاني برنامج “الصورة المشابهة” (Spitting Image)، وهو برنامج أسبوعي يعتمد أساسا على دمى يُصممها الفنانون الذين عملوا فيه، على هيئة أشكال كاريكاتورية لمعظم الشخصيات السياسية البارزة في المجتمع، في الماضي والحاضر، بل لمعظم الشخصيات الاجتماعية والفنية، أي ما يسمى “نجوم المجتمع”.
وكانت كل حلقة من حلقاته تتناول بسخرية لاذعة موضوعا سياسيا مطروحا على الساحة، بحيث يصبح العرض أقرب ما يكون إلى المهزلة، ولم تكن له قيود ولا حدود، بل كان يتجاوز كل الخطوط، ويجترئ على النقد والسخرية، لحد الهزء من كبار رجال السياسة.

وقد بدأ عرضه عام 1984، في عهد رئيسة الوزراء البريطانية “مارغريت تاتشر“، التي نالها نصيب الأسد من السخرية، بدمية كاريكاتورية تشبهها، وممثلة كانت تقلد طريقتها المميزة في الحديث.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4فيلم “في ظلال بيروت”.. جراح صبرا وشاتيلا النازفة على أطراف المدينة السياحية
- list 2 of 4“الأرجنتين 1985”.. رجلان يحاكمان قادة الانقلاب بدعم من الشعب
- list 3 of 4الفيلم اللبناني “حديد، نحاس، بطاريات”.. حب مستحيل بين لاجئ سوري وعاملة أثيوبية في بيروت
- list 4 of 4فيلم “أثينا”.. هل تقع الحرب الأهلية في فرنسا؟
توقف البرنامج عام 1996، ولكن ليس لأن الحكومة أوقفت بثه بقرار، فليس في بريطانيا هذا النوع من الرقابة، ولم يكن السياسيون يضيقون بالبرنامج ذرعا، ولم نسمع أو نقرأ أن أحدا من كبار رجال الدولة وقادة الجيش، قد اعترضوا أو رفعوا عليه دعاوى قانونية.
بل إنهم كانوا إذا سئلوا عن صورتهم في البرنامج، ضحكوا ورأوا أنه يقدم لهم نوعا من الدعاية، ويبقي صورتهم حية في أذهان الناس.
أما سبب التوقف فكان ماديا أساسا، يعود إلى تكاليف إنتاجه الكبيرة، وقد زعم المسؤولون الجدد عن شبكة تليفزيون التايمز التي كانت تنتجه، أنه لم يعد يحقق نسبة مشاهدة عالية، لذلك لم يعد مصدرا جيدا للإعلانات التجارية.

وفي فرنسا في الوقت الحالي، يبث برنامج ساخر مشابه بعنوان “دمى الأخبار” (Les Guignols de l’info)، لكنه يلقى اعتراضات كثيرة من شخصيات سياسية فرنسية، كما نشرت الصحف سابقا أن الرئيس الفرنسي طالب مع بعض السياسيين بوقفه، لكنه لم يتوقف.
أما البرنامج الأشهر في العالم، فهو برنامج “العرض اليومي” (The Daily Show) الأمريكي، وقد أوقفه مقدمه الشهير “جون ستيوارت” بعد أن أعلن تقاعده.
كان البرنامج يعتمد على الأداء الساخر، مع استخدام الصور ومقتطفات الفيديو من كثير من الشخصيات العامة في مواقف معينة، والتقاط تفاصيل من الصور، أو من أحاديث الساسة وارتباكهم، ووضعها في قالب يسخر منهم ومن مزاعمهم، ويكشف كثيرا من عورات الواقع السياسي والاجتماعي.

ومن هذا البرنامج الأمريكي، استمد المصري باسم يوسف فكرة برنامجه “البرنامج”، الذي ظل يقدمه من مارس 2011 إلى يونيو 2014، أي أنه ظهر بعد الثورة الشعبية التي اجتاحت مصر، ضد نظام الرئيس حسني مبارك في يناير/ كانون الثاني 2011، ثم توقف بعد انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيسا لمصر مباشرة.
أما توقف “البرنامج”، فيعود لأسباب يفصلها الفيلم الوثائقي الطويل “مداعبة العمالقة” (Tickling the Giants)، للمخرجة الأمريكية “سارة تاكسلر” (2016)، وقد عُرض بالدورة المنصرمة من مهرجان لندن السينمائي، وبلغت مدة عرضه 111 دقيقة.
جرّاح اختطفته السخرية السياسة
يصور الفيلم بداية باسم يوسف طبيبا، يعالج جراح المتظاهرين في ميدان التحرير الشهير، وقت تصاعد الأحداث عام 2011، ونمو اهتمامه بالحدث السياسي الخارق.
ثم نرى هذا الطبيب الناجح المتخصص في جراحات القلب، يتخلى عن مهنته حين وجد في نفسه الرغبة في تقديم برنامج ساخر، يقدمه للجمهور للتعليق على الأحداث السياسية اليومية.

وقد بدأه أولا عبر شبكة الإنترنت وموقع يوتيوب، ثم أصبح برنامجا احترافيا ذا إمكانات كبيرة، ولكنه ظل ينتقل من قناة إلى أخرى، بسبب ما لقي من عقبات، وما أثار من مشاكل مع أطراف السلطة والمجتمع، حتى قرر وقفه ومغادرة البلاد، بعد أن تلقّى تهديدات تتعرّض لحياته وحياة أسرته.
يكشف الفيلم أن أباه قُتل بحادث سيارة، وهو يرى -كما يقول في الفيلم- أنه مُدبّر، وكان وقت وقوعه قد غادر إلى الولايات المتحدة، وأصبح يلقي محاضرات عن دور الإعلام الساخر، وعن تجربته في “البرنامج”، ولم يعد إلى مصر للمشاركة في الجنازة، بعد أن نصحه البعض بعدم الذهاب.
لقاء انبثقت منه فكرة الفيلم
استطاعت مخرجة الفيلم “سارة تاكسلر”، أن تتتبع صعود شخصية باسم يوسف، كأنها كانت تعرف أن هذه الظاهرة الجديدة الوافدة على مصر في مجال السخرية السياسية، كان لا بد أن تجد مشاكل كثيرة، يمكن أن تبلغ مستوى صارخا، فمصر دولة محكومة بكثير من قيود الرقابة.

وكان واضحا أنها استمرت مدة في البداية، بسبب حالة السيولة التي كان عليها الواقع المصري في 2011، ثم تُركت لتستمر وتنمو في أيام حكم الإخوان المسلمين، لكنها بدأت تجد المشاكل بعد القضاء على تجربة الإخوان في 30 يونيو/ حزيران 2013، وانتخاب رئيس جديد.
فلم يعد المناخ السياسي يسمح بوجود هذا النوع من البرامج النقدية الساخرة، لا سيما وقد أصبح ممكنا أن يتناول رئيس الجمهورية، فمورست ضغوط مكثفة على القناة التي كانت تنتجه وتبثه، فتوقف واضطر باسم للخروج من مصر، وقد ذهب أولا إلى دبي ثم إلى أمريكا.
كانت “سارة تاكسلر” منتجة برنامج “جون ستيورات”، وقد لقيت باسم أول مرة عندما زار فريقها في الإستديو في ربيع 2012، أي قبل الإطلالة الجديدة التي ظهر بها “البرنامج” على شبكة “سي بي سي” في مصر، بحضور جمهور كبير، وبإمكانيات أكبر كثيرا عما كان في قناة “أون تي في”، التي كانت أوقفت إنتاجه.

وعندما لقيته، طلبت منه أن تصور فيلما تسجيليا عنه، وبدأت منذ يومئذ تتتبع ما يقوم به، وتسجل كل ما يمكن من مواد، ثم استخدمتها في فيلمها الطويل بعد ذلك.
صراع مع النخبة السياسية
كان باسم يوسف -كما يصور الفيلم في بدايته- يتوق لالتقاط الصور الذاتية بهاتفه مع المتظاهرين في ميدان التحرير، ثم سرعان ما أصبح الجميع يتوقون لالتقاط الصور معه.
هذه المفارقة يلعب عليها الفيلم بشكل غير مباشر، فهو دراسة لشخصية باسم من حيث بناؤه وتعاقب مشاهده وأجزائه، ويرصد كيف وجد نفسه في مجال جديد لم يكن يخطر على باله، ثم كيف أصبح بموهبته وذكائه وسخونة الواقع السياسي وقدرته على التعامل معه هو وفريقه، نجما أسطوريا يشاهده الملايين في العالم العربي.
ثم إن الفيلم من ناحية أخرى تكثيف لصعود وسقوط فنان ساخر، جاء حين لم يكن المجتمع قد أصبح ناضجا بعد، ليتقبل ما يقدمه باسم، على صعيد الشريحة العليا في المجتمع، لا على الصعيد الشعبي، فالشريحة العليا -أو ما يسمى النخبة السياسية- لا تقبل السخرية، ولا تتقبل النقد الذي يسعى لإضحاك الآخرين من النواقص.

ولذلك فكثيرا ما اتهمته شخصيات عامة أو إعلامية بالاجتراء والسب والقذف، وقد وثق الفيلم استدعاءه أمام النائب العام في عصر حكم الرئيس محمد مرسي، واستجوابه ثم إخلاء سبيله.
لكنه لا يتوقف أمام محطات أخرى بارزة، منها قضيته مع الإعلامي عماد الدين أديب، الذي أقام دعوى قانونية عليه، ونشر بيانا بذلك، بل قرأه على الهواء مباشرة على شاشة القناة التي كان يعمل بها، كما تجاهل رد باسم عليه.
وكذلك تجاهل هجوم المحامي مرتضى منصور على “البرنامج”، وعلى باسم يوسف شخصيا، والتعريض به وتهديده تهديدات مباشرة بوقف برنامجه، بعد أن تعرض له بالسخرية في حلقته الأخيرة.

لكن الفيلم يصور شجاعة باسم وفريق العاملين معه في مواجهة كثير من التهديدات، وحصار المسرح الذي كان يصور “البرنامج” فيه في قلب القاهرة، وحشد بعض الغوغاء للهتاف ضده، ويستطلع الفيلم آراء كثير من الناس في الشارع حول ما يصنع باسم، ويصور مواقف بعض أعضاء فريقه من التداعيات.
ويوثق أيضا زيارته لـ”جون سيتوارت” في نيويورك، ثم زيارة “جون” للقاهرة وظهوره المفاجئ على الهواء أمام الجمهور في إحدى حلقات “البرنامج”.
أما ما يغيب فهو آراء أعضاء في النخبة السياسية والاجتماعية، الذين كان من الضروري استطلاع آرائهم أيضا، إما بالحوار معهم، أو أخذ آرائهم من وسائل إعلام أخرى.
فيلم في إطار الهجاء السياسي
يتضمن الفيلم كثيرا من المقاطع الشهيرة من “البرنامج”، منها مقطع شهير يسخر فيه باسم من القبعة الضخمة والملابس الغريبة التي لبسها الرئيس السابق محمد مرسي، في حفل منحه درجة الدكتوراه الفخرية من إحدى الجامعات الباكستانية.
يندرج الفيلم في النهاية في إطار الهجاء السياسي اللاذع تماما، مثل برنامج “البرنامج” نفسه، كما أنه عن شخصية باسم يوسف، من صعوده ورؤيته لتطور الأحداث من حوله، لا سيما أنه هو الذي يعلق بصوته ويروي الكثير عن تجربته.
وقد جاء الفيلم في سياق جعله قريبا من شكل التحقيق التليفزيوني، الذي يتحرر من الإفراط في الحوارات، ويركز على الشخصية الرئيسية، ويضعها في إطار المأزق السياسي، الذي لايزال قائما على أي حال.