“قانون موتلي”.. في أمريكا وأفغانستان!

كانت المسافة من مطار كابول إلى بيت المحامية الأمريكية “كمبرلي موتلي”، وعلى قصرها، كافية لإعطاء المشاهد تصوّراً أولياً عن عملها وطبيعة شخصيتها وعلاقتها بالناس الذين تعمل معهم، وتقدم عبر الطريق الذي كانت تقطعه سيارتها، جزءاً من المشهد الخارجي للعاصمة التي بدت متحفزة وغير مستقرة عشية إعلان الرئيس أوباما إنهاء العمليات العسكرية في أفغانستان بعد تدخل دام قرابة 12 عاماً، وبإضافة المخرجة “نيكول نيلسن حوراني” بعض مقاطع من خطاب الرئيس الأمريكي إليها ودمجها بتسجيلات فيديو لمعارك وتفجيرات، ما انفكّت عن التواصل، أكملت المشهد الافتتاحي لوثائقيها الذي حاولت فيه تقديم بورتريه لشخصية متفردّة، وجودها هناك في لحظة تاريخية حاسمة، حفّز الوثائقي للتوسُّع أكثر والمضي لمعاينة تأثيرات التدخل العسكري وانسحابه، على المجتمعين؛ الأمريكي والأفغاني.

يدخل Motley’s Law إلى المجتمع الأفغاني من خلال القضاء ونظامه “الجديد” المُقسّم بين رغبات خارجية تريد “تحديثه ودمقرطته” وبين مسعى آخر يريد مزاوجته مع “الشريعة”.
مدخل نادر وفرّته له المحامية الأمريكية كونها الأجنبية الوحيدة المسموح لها بتولِّي قضايا الدفاع عن متهمين أفغان وأجانب وهذا ما ساعدها على معرفة النظام الحقوقي الأفغاني وآلياته وبالتالي مكنَّها من كسب الكثير من القضايا المعقدة وأغلبيتها تخصّ أجانب وصلوا إلى البلاد وارتكبوا جرائم فيها ارتباطاً بعلاقتهم بالمُحتَل.

لنقل كل ذلك لجأ الشريط إلى وسائل مساعدة منها؛ المكالمات التليفزيونية والمقابلات الصحفية التي كانت تجريها مع الآخرين، شاشات التلفاز وهي تنقل آخر الأخبار، مذياع السيارة، وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من عناصر تعاضدت مع الصورة الرائعة والنص المكتوب بعناية فائقة لتجعل من “قانون موتلي” وثائقياً جيداً احتاج لخصوصية “بطلته” لتقديم أجوبة شافية على أسئلة غالباً ما تواجه “البورتريه” الشخصي من بينها؛ ما سبب اختيار صانعه تلك الشخصية دون سواها؟ وفي حالة موتلي ثمة أخرى جانبية يفرضها المنطق السينمائي مثل؛ لماذا جاءت إلى أفغانستان أصلاً وعن طريق مَن؟ كيف قبلها النظام القضائي الأفغاني وكيف حمت نفسها في بلد يتعرض فيه الأجانب ومعسكرات قوات الناتو لهجمات مسلحة متكررة والسؤال الأكثر فضولاً: ما الذي يغوي محامية أمريكية تخرّجت حديثاً للعمل والتطبيق في مكانٍ بعيد عن زوجها وأطفالها؟
لم تترك “حوارني” أيا من تلك الأسئلة المُلحّة دون جواب لأن بناء معمار شريطها السردي والحكائي معتمد عليها وعلى مقدار إشباعها بحثاً!

لكونها حالة متفردة وتتمتع بشخصية قوية وصريحة توجهت إليها وسائل الإعلام، ما ساعد الوثائقي على التقاط جوانب مختلفة من حياتها عبرها. بمعنى آخر ساعد “تلصُّص” كاميرا الوثائقي على وسائل إعلامية أخرى في توضيح خلفيتها الاجتماعية. فحين سألتها إحدى القنوات التلفزيونية الأمريكية عن سبب مجيئها إلى أفغانسان؟ قالت: النقود. “جئت من أجل الحصول على المال وليس لسبب آخر. فأنا لم أسمع بهذا البلد من قبل ولا أعرف أين يقع على الخارطة!”.

صراحة تنقص كثرا من الذين جاؤوا إلى هذا البلد بعد الاحتلال لأجل المال ولكنهم لا يدّعون ذلك بل يزعمون أسباباً واهية ويقدمون أنفسهم كمنقذين وهذا ما ظهر من خلال مرافقة الشريط للمحامية أثناء زياراتها ومقابلاتها لمتهمين أجانب ارتكبوا جرائم أغلبيتها لها علاقة بالإتجار بالمخدرات والتلاعب المالي.
فقرها مرتبط بفقر عائلتها وانحدارها الاجتماعي؛ فالأب أسود والأم كورية. عملا كل ما في وسعهما لتوصيل ابنتهما إلى الجامعة، وبدورها تحاول مساعدة ابنتها للحصول على شهادة تُعينها على مقاومة التمييز المبطن ضد السود في الولايات المتحدة الأمريكية.

لم تتحدث في السياسة لكن سلوكها وحواراتها المستمرة مع زوجها عبر “سكايب” يظهر حاجتها للبحث عن فرص عمل أحسن مما هو متوفر في أمريكا، حتى لو تطلب الأمر الذهاب إلى بلاد بعيدة وخطيرة وتحمُّل المشقة.
أما علاقتها بالسفارة فتكاد تنعدم ويسودها الجفاء لأن رجالها لا يرتاحون لاستقلاليتها ويحرصون شكلياً على التواصل معها كلما تعرضت أهداف أجنبية في كابول إلى هجوم مسلح. بعدها يتركونها وحدها ولهذا اعتمدت على نفسها وعلى قوة الاستعداد الداخلي فيها للانسجام مع المحيط الجديد.
على مستويين كانت تعمل “البطلة السوبر” كما كانت تطلق على نفسها وفريق عملها بمرح وسخرية. الأول مهني بحت تحصل بموجب القضايا التي تدافع فيها على مقابل مادي والثاني مجاني للنساء الفقيرات وللعاجزين عن دفع المال.

لم تدعِ قيماً أنثوية أو طبقية بل توافقاً مع خلفيتها الاجتماعية والعرقية كفقيرة وسوداء من أصول مهاجرة، عندها أولاد وتشعر بآلام الآخرين خاصة الفقراء والعاجزين عن الدفاع عن أنفسهم أمام نظام قضائي فاسد.
مثل كل محامية كانت في جعبتها الكثير من قصص الآخرين، وفي كل حالة تتولّاها هناك الكثير من العناصر الدرامية فيها ولهذا وجد الوثائقي في مرافقتها كنزاً، في معرفة أحوال البلاد والعباد، ومسرحاً لحكايات لا تُملّ حاولت المخرجة حوراني أخذ ما تريد منها وربطها بالسياق العام لمسار وثائقيها الذي أرادت له أن يتفرّع من المركز إلى أطراف جانبية شديدة الصلة في بحثها عن العلاقة الناشئة بين المحتل وأبناء البلد، ومعرفة المجتمع الأفغاني ونظامه القضائي  بشكل أفضل، ومن بينها قوانين الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها في القضاء.
حاولت موتلي استيعابها والتعامل معها فراحت تدرسها بعناية وتقرأ القرآن وتوصلّت بعدها إلى نتائج لم تعجب “مُنظرِّي” الاحتلال والمستفيدين منه. رأت فيه أبعد من نصوص شرعية “قديمة” بل وجدتها “ثقافة” ومنهج عمل حياتي يتوافق مع المجتمعات الإسلامية.

وذهبت أبعد من ذلك حين اعتبرت المحاكم القبلية المسماة “جيرغا” واحدة من المحاكم الشرعية العادلة والتي لا تختلف من حيث المبدأ عن أي نظام قضائي ولكنها تتميز بالبساطة لهذا قبلت بأخذ قضية دافعت فيها عن متهم من تلك القبائل البعيدة وشاركت فيها فقامت الدنيا ضدها وانبرى دعاة “المجتمع المدني” وكتاب النصوص القانونية الجديدة لمهاجمتها إلى درجة كرست فيها واحدة من كبريات الصحف الأمريكية صفحتها الأولى لـ”فضيحتها”.
دفاعها عن نفسها أثناء مخاطبتها الصحيفة ومطالبتها بتكذيب ما ورد فيها يكشف حجم الفساد الذي رافق الاحتلال وكيف صنع نخبة سياسية من “اللصوص” دعاة “الديمقراطية واستقلال القضاء” وغيرهم من المشاركين في سرقة 60 مليار دولار ضاعت منذ دخول الولايات المتحدة أفغانستان ولا أحد يعرف طريقها.

شجاعتها واستقلاليتها قربّاها من المجتمع الأفغاني لكن ذلك لم يمنعها من كشف عيوبه أيضاً. فأجهزة القضاء تستغلّ الوضع الناشيء في البلاد منذ دخول الأمريكان لأخذ أكبر كمية من الأموال ما ساعد على انتشار الفساد والرشوة.
والقضايا التي يقدمها الوثائقي لحالات ملموسة تعرض فيها أجانب للعسف والإهمال في السجون، في انتظار دفعهم رشاوى كبيرة مقابل إطلاق سراحهم، تقدم صورة عن لا عدالة جزء كبير من أقسامه.
على الجانب الآخر من الكرة الأرضية كانت الحياة تجري بشكل مختلف عما هي عليه في أفغانستان وكان لا بد من معاينتها من خلال تجربة موتلي؛ حلقة الوصل القلقة بين عالمين مختلفين.

لتباين الفوارق الحياتية بين المكانين تعمدت حوراني التصوير في المناطق الخافتة الإضاءة، بخاصة في المساءات والأركان الوادعة، لتعكس بها الهدوء العام، ثم وسعّت بؤرة كاميرتها قليلاً لتلتقط التفاصيل الصغيرة المحيطة بحياة موتلي وعائلتها. في البيت كان ثمة فتور فرضه البعد. التعب ظاهر على الزوج المُحبّ لتحمّله أعباء رعاية الأطفال وحده إلى جانب استمراره في الدراسة الجامعية رغم كبر سنه نسبياً، وفي الخارج ثمة موقف عدائي منها سيتضح من خلال نقل أطفالها ما يسمعونه عنها في المدرسة.
استغلّ بعض المعلمين غيابها لجرح مشاعرهم وراحوا يذكرونهم بتقصير والدتهم تجاههم وتركهم دون رعاية بحثاً عن عمل، والأجدى بها، كما قالوا صراحة، أن تعود وتبقى في بيتها.

أجمل تعليقات المحامية “السليطة اللسان” على كلامهم كان التالي: “هل يقولون نفس الكلام عن العسكر الذاهبين إلى الحرب”. صرخة احتجاج فجرّتها في وجه مجتمع متناقض يمجد القوة والعسكرة ويقف بالضد من مسعى المرأة المحتاجة لتحسين أحوالها المادية.
تنقل حوارات العائلة العابرة مواقف عنصرية ضدها وتشي بحالة من التندر المستتر ومع هذا توافقوا فيما بينهم على مساعدة والدتهم في عملها.
لم تكذب موتلي على نفسها فصارحت كاميرا الوثائقي بحزنها وخوفها من الذهاب ثانية إلى هناك حيث الموت في كل لحظة، لكن الأمل في حياة أفضل لها ولعائلتها يدفعها رغم ذلك لمواجهة المخاطر.

في آخر زياراتها يركز الوثائقي على عرض حال كابول بعد أكثر من عقد على الوجود الأمريكي؛ خوف ورعب في الشوارع ومرافقوها والعاملون معها يريدون ترك عملهم ويُفكّرون بالهجرة، إلى جانب الفوضى ونقص الخدمات الأساسية. كل ذلك دفعها للانتقال إلى فندق يسكنه الأجانب بدلاً من البقاء في بيتها المستأجر وهناك ستتعرض لتجربة مريرة كادت أن تودي بحياتها، بعد اقتحام مجموعة من “طالبان” الفندق وقتلهم عدداً من نزلائه.
امتلأ قلبها بالخوف وشعرت لأول مرة بأن مقدمها كان فيه خطر أكبر من الذي حاولت تجاهله. في هذا القسم تتجسد قوة الوثائقي ومقدرته على نقل صورة مختلفة عما تنقله وسائل إعلام أمريكية عن كابول، ولإظهارها على حقيقتها تعمّدت تصوير المدينة وشوارعها بعدسات مفتوحة على سعتها.
التُقط مشهدها العام بكاميرا متحركة وصُور من زوايا حادة نقَلت إحساس المحامية بالجزع من وجودها في مكان تواجه الموت فيه وجهاً لوجه.

لم تصب في الهجوم، فخرجت سالمة، لكن حدث جلل في الطرف الثاني جعل من سلامتها مفارقة حين نُقل إليها خبر إصابة زوجها بعيار ناري أطلقه شخص على مجموعة من طلبة الجامعة كان هو من بينهم. مفارقة تجلّت في عدم إصابتها بسوء في بلد أصوات الرصاص فيه تتعالى ليل نهار في حين أصيب زوجها وكاد أن يموت في مكان بعيد عن الحرب التي تعيشها!
لتبيان حجم المفارقة الصارخة عاد الوثائقي إلى الولايات المتحدة الأمريكية برفقة موتلي ليكون قريباً من الزوج وليسجل مشاعره ومخاوفه من العنف الظاهر في مجتمعه وصلته القوية بما تقوم به جيوش بلاده في الخارج.
كانت الزوجة تدرك شدة التداخل لكن الزوج وغيره من الأمريكان تصورّا أن الحرب تجري هناك وفقط، لكن العيار الناري الذي أصابه ذكرّه بوجود عنف داخلي يدفع البلاد وقادتها لترحيله إلى الخارج، ترضية لمصالح ورغبات جامحة في السيطرة والهيمنة كامنة فيه.
أما المفاجأة الأخرى فاختصرها الوثائقي بمشهد قصير ظهرت فيه المحامية وهي تهمّ بمغادرة مطار كابول إلى أوغندا حيث حصلت على عمل جديد هناك!

لا يطيل الوثائقي مكوثه في البلد الأفريقي لكنه يضع عبارة تظهر على الشاشة تشير إلى خسارات الولايات المتحدة في أفغانسان والأسباب الموجبة لسحب الوحدات العسكرية منها، ومن بينها؛ أن مهمة الجيش قد انتهت بتأمينه البلاد من شر تعرضها لهجوم ثانٍ محتمل من أفغانستان. عبارة “لئيمة” تثبيتها في الخاتمة يوحي بسؤال: “هل قامت أفغانستان بهجوم إرهابي سابق على الولايات المتحدة حتى تمنع قواته المسلحة تكراره ثانية؟!”.