امرأة في طالبان

قصة اختطاف ومقتل الصحفية الكندية “بيفرلي غيسبريشت”، التي أشهرت إسلامها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وسفرها إلى باكستان لمقابلة مقاتلي حركة “طالبان”، وما اكتنفها من غموض حفّز المخرجة “كاي لورنس” لتحويلها إلى فيلم وثائقي حاولت فيه تقديم مقاربة جادّة لفهم المرأة الكندية، التي آمنت بإمكانية تقليص الهوة بين العالمين الإسلامي والمسيحي وفهم الآخر، إلى جانب سعيها للإحاطة بالموقف الرسمي الكندي المكتفي بالمراقبة وتقاعسه عن تقديم مساعدة كانت بأمسّ الحاجة إليها أثناء احتجازها في منطقة وزيرستان وأيضاً تلمُّس أسباب تجاهل الإعلام لقصتها، دون نسيانها عرض الجوانب الإشكالية في شخصيتها والدوافع الأخرى غير المعلنة، المُشجِعة على خوض تجربة محفوفة بالمخاطر دفعت حياتها ثمناً لها.
لهذا كان لا بد من جمع خيوط الحكاية من طرفيها: الباكستاني والكندي والاستماع إلى روايات الأشخاص المقربين منها، والبحث في يومياتها المصورّة في باكستان وقرب الحدود الأفغانية وإعادة قراءة كتاباتها على مدونتها التي أسسّتها بنفسها وسطرّت فيها أفكارها ومواقفها من الصراع الذي أعقب تفجيرات نيويورك وتداعياته الأبرز؛ غزو الجيش الأمريكي لأفغانستان.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4وثائقي “يوميات الصندوق الأسود”.. قصة اعتداء جنسي على صحفية يابانية قاد إلى تغيير جذري في قوانين الاغتصاب في بلادها
- list 2 of 4“يوم واحد في ساوثبورت”.. جريمة استغلها العنصريون لتأجيج كراهية المسلمين
- list 3 of 4مهرجان الجونة السينمائي .. حضور فلسطيني مؤثر واهتمام لافت بالوثائقي
- list 4 of 4“عصابات الزراعة في إيطاليا”.. حقل جديد لنشاط إجرامي لا يرحم
ولحساسية التجربة تجنب وثائقي The Woman Who Joined the Taliban الوقوع في فخ “الموقف” فترك مسافة كافية بينه وبين مجريات أحداث كُتبت جلّها بالصورة، المأخوذة بكاميرا الصحفية قبل موتها وبالتالي أصبحنا عملياً أمام فيلمين؛ واحد للصحفية والثاني مكمّل له جاء بعد موتها.
تُشْرع كاي لورنس تشييد معمار فيلمها “المرأة التي ارتبطت بطالبان” بنبأ اختطافها كما نقلته إحدى المحطات التلفزيونية الكندية بإيجاز شديد، شددت فيه بتعمد واضح على اسمها الجديد الذي اتخذّته لنفسها بعد إسلامها؛ “خديجة عبد القهار”، وعلى اسم مدونتها “جهاد أنسبون” مع إشارة عابرة إلى اختطافها من قبل مسلحِّين مجهولين في باكستان!. وعليه أعدّت صانعة الوثائقي نفسها للانطلاق في رحلة بحث عن “بيفرلي غيسبريشت” قبل أن تُكنِّي نفسها بخديجة وقبل إشهار إسلامها في مدينة فيرون التابعة لمقاطعة “كولومبيا البريطانية” في كندا.

خرج البحث عنها في موطنها بصورة شخصية لامرأة غير عادية، مندفعة لا يحدّ طموحها شيء. تستطيع إيجاد مكان لها في الوسط الذي تعيش فيه بأقلّ الإمكانات. مرت بتجارب كثيرة وتحولات درامية منذ طفولتها حين أصيبت في عامها الثالث بمرض الكساح وتعافت منه بعد ثلاث سنوات بما يشبه المعجزة لتنطلق في مراهقتها وشبابها وكردّ فعل على سنوات حرمانها الأولى في مغامرات وعيش حياة عبثية؛ أفرطت في تناول المخدرات وأدمنت المشروبات الكحولية وبعد مدة استرجعت توازنها واشتغلت في حقل الإعلانات وفيه ظهرت ميولها التجارية فأسست لنفسها مكتباً أرادت توسيعه عبر تمتين شبكة علاقاتها وتقديمها خدمات صحفية للشركات.
وعلى المستوى الاجتماعي فتحت بيتها فكان ملتقى للشخصيات الاجتماعية في مدينة فانكوفر الكندية. المقربون منها كانوا يجدون فيها ازدواجية؛ بين قوة الإيمان الديني وبين حب المغامرة والخفة.
في المرحلة الأولى من الوثائقي نقف عند شخصية مترجرجة الموقف سريعة التحول. شككت عند أول إخفاق مهني حد من طموحها، بجدوى مسيحيتها فاندفعت نحو البحث عن مصدر آخر للإيمان. وجدت في الإسلام بديلاً فراحت تقرأ تعاليمه بطريقة فيها الكثير من “الانفعالية” وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتعزز توجهها وتنتقل إلى السياسة بكل قوتها بعد أن وجدت نفسها مفلسة مالياً بسبب إخفاق مشروعها الإعلامي.
قوة الوثائقي في هذا الفصل تكمن في رسمه صورة شخصية جيدة لبطلته وإبراز أدقّ ملامحها، بما فيها الكامنة غير الظاهرة على السطح وتثبيت الجزئية المشككة “ضمنياً” بإيمانها واستثمار فكرة مقارعة التوجّه الأمريكي ضد العرب والمسلمين لأغراض شخصية وتجارية على وجه التحديد!
شهادات محبِّيها والمقربين إليها لمحت إلى وجود دوافع غير معلنة في اندفاعها نحو الإسلام وإشهار إسلامها وقيامها بزيارة بلدان إسلامية من بينها مصر، وكانوا يتوقعون أن الأمر كله لن يتجاوز حدود توسيع “مدونتها” التي كانت جيدة بالمقاييس الإعلامية الحديثة. يندهش المرء في هذا الفصل البنائي لقوة الاشتغال البصري والبحث الميداني عليه.
وسيزداد الاندهاش حين يدخل فصله الثاني، متجاوزاً فيه بمهارة اختبار التوازن الدقيق بين المادة الجاهزة، ونعني بها “الفيلم” الذي سجلّته خديجة في باكستان وبين ما أنجزه بنفسه دون أن يطمس أحدهما الآخر أو ينصهر فيه، وطبعاً عدم إهماله تفاصيل ودلالات العلاقة بين ماضيها ومآلات حياتها اللاحقة، وبهذا حققت صانعته أهم شروط الوثائقي المتعدِّد المسارات.

يعطي الفيلم الكندي مساحة كبيرة لعرض أفكار خديجة فيما يتعلق بموقفها من احتلال أفغانستان وثقتها بقدرتها على لعب دور الوسيط بين ثقافتين وعالمين. كانت من جهة متوافقة مع رد فعل سياسيّ بلادها ضد “الإرهاب” ولكنها كانت تقف في نفس الوقت ضد فكرة الحرب التي خططوا لها ونفذوها فيما بعد. أرادت في نفس الوقت إتاحة الفرصة للطرف الثاني ليبدي وجه نظره ويُعرف بنفسه على الأقل.
حاولت في مدونتها تصحيح الصورة الخاطئة عن المسلمين وتغيير الصورة النمطية عنهم في الغرب وكذّبت مزاعم قادة بلادها حول دوافع الحرب فغدت كتاباتها مصدراً للكثير من الصحفيين الغربيين غير المُلميّن بواقع المنطقة الجديدة التي تتوجه جيوش بلدانهم نحوها باندفاع محموم.
لا بد من التوقّف هنا عند جانب مهم اشتغل عليه الوثائقي إلى جانب المسارين السابقين ويتمثل في تفكيك الموقف الإعلامي من الحرب وطريقة عمل المؤسسات الصحفية الكبرى خلالها، وستضيف شهادات الصحفيين الذين سبقوها لتغطية أحداث المنطقة منطلقاً إضافياً لفهم شخصيتها ومواقع القوة والضعف فيها على المستوى المهني كونها دخلت عالماً لم تكن تعرف الكثير عنه رغم نجاح مدونتها، إلا أنها تظلّ جاهلة بتفاصيل عمل المراسل الحربي أو صانع الريبورتاجات التلفزيونية ناهيك عن جهلها المطبق بتقنيات العمل التلفزيوني والسينمائي ومع هذا راحت تفكر في صناعة فيلم تسجيلي عن تجربتها الأفغانية!
بذكاء لافت يتوقف الوثائقي لحظة قصيرة لينقل بالكتابة معلومة تفيد بأن وزارة الخارجية الأمريكية أصدرت في عام 2005 موقفاً رسمياً من مدونة “جهاد أنسبون” ووصفتها بأنها مُضلِلة للرأي العام وغير موثوق بها بالكامل.
أبعد من هذا لم يذهب الوثائقي في توصيف العلاقة بين خديجة والإدارة الأمريكية ولكنه يفتح الباب واسعاً لتأويلات كثيرة ربما يفسر بعضها أسباب الموقف الرسمي الكندي والصمت الإعلامي إزاء ما جرى لمواطنة كندية تعرضت للخطف في بلد أجنبي! بعدها يعود ليكمل مسار رحلة البحث عن طالبان وقد سُجلّت بتفاصيل مدهشة.
استخدمت خديجة أسلوب كتابة اليوميات المصورة فكانت هي الراوية والصورة هي الشاهد، وعليه يمكن القول إننا قد دخلنا إلى باكستان عام 2008 من بوابة فيلم خديجة في حين دخلنا إلى حياتها من بوابة الفيلم الكندي فكانت رحلة سينمائية غنية جسدّت تراجيديا فردية في سياق صراع أكبر من الأفراد كثيراً.
كل الذين عرفوها فوجئوا بسفرها وكل الإعلاميين المجرِبين اعتبروها مغامرة غير محسوبة جيداً لكنها لا تخلو من طموح مهني قد يرفع من سمعتها وينقلها إلى صفوف مشاهير الصحفيين الميدانيين.
لم يخفِ الكثير منهم خشيتهم من أن يكون البحث عن الشهرة هو الدافع الأساسي وبالتالي سيكون النتاج المهني ثانوياً لها. أما على مستوى العلاقات الإنسانية ستظهر خديجة ساذجة بعض الشيء مندفعة تسير وسط حقل ألغام دون دراية منها.
تكشف تسجيلاتها مع الشيخ الباكستاني الملقب بـ”عبد الرحمن” تناقضات وانحيازات أنثوية عفوية وحماسة مفرطة ظهرت خلال تصويرها معه ومع مسلحِّين بدت فيها كما لو أنها واحدة منهم.
بمقدار أهمية علاقتها به، بوصفه حامي ظهرها وسط بلاد شديدة التعقيد ومتشابكة المصالح مع حركة “طالبان” وبين الولايات المتحدة الأمريكية، كان مجرد وصول امرأة غربية إليها، يثير شكوكاً كبيرة ومع هذا راحت تسجل يوميات المرأة الباكستانية انطلاقاً من بيته من منظور غربي رفضته في كتاباتها على مدونتها ولكنها سقطت في شباكه حال وصولها إلى هناك.

واللافت على مستوى الصورة جودة زوايا تناولها ووضوحها مع أنها كانت تستعين أحياناً بطباخها لتسجيل بعض مقابلاتها! بدت قليلة الحذر تسأل بعفوية عن تفاصيل الحياة في البلدين المجاورين وعن موقف “طالبان” من تعليم البنات وحرية المرأة. كان الفضول يدفعها لمعرفة موقف المقاتلين من الولايات المتحدة الأمريكية صراحة، وغيرها الكثير من الأسئلة، التي كان يراقبها من جاءت لتغيير صورته، بريبة وحذر.
فالتجارب عزّزت حذره من الإعلاميين الغربيين وخوفه من اندساس عملاء المخابرات بينهم أو انتحال هويتهم المهنية لمعرفة وكشف أسرار تنظيمهم. تبدو خديجة في تحركها متناقضة بين انتمائها الغربي وبين رغبتها في معرفة الآخر وإنصافه، لكن هناك شيء من الغموض تجده طيلة مسيرتها .. لعل رغبتها في الحصول على المال من بيع شريطها التسجيلي والحصول على الشهرة من خلال مقابلة نادرة لها مع “بن لادن” أو غيره من قادة “القاعدة” و”طلبان” ما يفسره.
مهما يكن الأمر فإن تراجيديا شخصية كانت في طريقها للتبلور وكانت كل مؤشرات تحركاتها في منطقة القبائل ووزيرستان تشير إلى اقتراب نهاية التحرك غير المحسوب وسذاجة التعامل مع خصم شديد الحذر والحساسية!
في طريقها إلى الحدود اختطفتها “طالبان” مع طباخها ومترجمها وطالبت السلطات الكندية بدفع فدية قيمتها مليونا دولار إضافة إلى اطلاق سراح أحد معتقلي غوانتانامو.
بلمح البصر تخلّى الشيخ “عبد الرحمن” عنها بعد أن حذرها من المضي أبعد في مشروعها. صمتت دولتها عما حدث وتركت بعض صغار موظفي وزارة خارجيتها يتابعون مصيرها مع الجهات الحكومية الباكستانية، فيما عجز الأصدقاء عن توفير المبلغ، ومع هذا ظلت خديجة عدة أشهر في معتقل “طالبان” في انتظار تحرك ما.
مقابلات الوثائقي مع سائقها ومترجمها ومع شخصيات كانوا على معرفة برحلتها وتفاصيل إقامتها في باكستان قدمت صورة حية عنها وعن طريقة تفكيرها فبدت فيها كائناً محيراً لا تعرف هل تتعاطف معه أم تسخر من سذاجته؟ هكذا أوحت تسجيلاتها ومقابلاتها مع بعض قادة طالبان في باكستان وهكذا أثمر المزج بين المساريين البصريين الرائعين اللذين جعلا من نصّ “المرأة التي ارتبطت بطالبان” عملاً مدهشاً يستحق الثناء، لا على غناه وعمقه فحسب، بل في قدرته على تشريح حالة كائن تخلّى عنه الجميع في لحظة ضعفه.
لهذا سيعود الوثائقي إلى كندا ويقابل كثرا من المعنيين بقضيتها، التي انتهت بموتها مريضة مهملة في سجون “طالبان” دون أن يعبأ أحد حتى بدفنها.
تشير التناقضات في الموقف الرسمي إلى شيء خفي غير معلن. فالواجب كان يفرض عليهم التحرك بشكل جدي لتخليص مواطنة كندية تعرضت للخطف في بلاد أجنبية لكن هذا لم يحصل وسط دهشة العارفين بخفايا العمل الدبلوماسي.
ثمة غموض اكتنف تحرُّك وسائل الإعلام التي مالت إلى الصمت أو الاكتفاء بإشارات سريعة ما يوحي بوجود ضوء أخضر لهذا التحرك. لم يسعَ الوثائقي إلى كشف من يقف وراءه ولا كشف ما إذا كانت هناك قوة ضاغطة على الحكومة الكندية لتتخذ موقفاً سلبياً من امرأة، صحيح ماضيها يتعارض مع توجهاتها السياسية لكنها تظل في النهاية مواطنة كندية.
يخلط الوثائقي الأوراق بتعدد مستويات معالجاته للحدث وتصاعده الدرامي، بحيث لا يسمح لنفسه بتسجيل موقف واضح منه لكنه يصرّ في الوقت نفسه على تسجيل تفاصيله وعرضه على العالم كما رآه وكما سجلّته كاميرا صحافية كندية ذهبت إلى باكستان ولم ترجع منها أبداً.
