“ثلاث دقائق ونصف”.. عنصرية الرجل الأبيض الأمريكي أمام المحاكمة

 

استغرقت حادثة مقتل الشاب الأسود جوردن دافيز على يد مواطن أمريكي أبيض في الواقع ثلاث دقاق ونصف، ولإعادة سردها بصريا كمفتتح استهلالي، أعطاها المخرج “مارك سيلفر” نفس الزمن ليُقرب إلى ذهن مشاهده بهذا التطابق الزمني السرعة التي تمت بها عملية إطلاق عشرة عيارات نارية متتالية وقوة التصميم على الفعل عند مُطلقها.

عنصرية غير واعية

بعدها وعلى مبدأ تكثيف المساحة الزمنية للحدث الواقعي سينمائيا؛ يسرد فيلم “ثلاث دقائق ونصف.. عشر رصاصات” الحكاية التي طالت في الواقع سنوات، انتقل خلالها الفيلم الوثائقي من موقع إلى آخر وغيَّر من أسلوب عمله وفق تغيّر وتصاعد مجريات القضية التي شغلت الرأي العام الأمريكي، وتحولت من حادثة قتل فردية وقعت في ولاية فرجينيا إلى محاكمة الواقع الأمريكي ومكاشفة المجتمع الأبيض بمواقفه المحتقرة للآخر -أي السود- دون وعي بطبيعتها العنصرية.

ذهب صانع الفيلم ليضيف إسهامه في البحث عن مشكلة العنصرية غير الواعية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتفكيك البناء الهرمي لهذا النوع من التمييز الذي لا يشعر مرتكبه بالذنب ولا حتى الإقرار بكراهيته للآخر انطلاقا من اختلافه عنه في اللون أو العرق.

يقسم الوثائقي عناصره المتفاعلة إلى وحدات مستقلة ومترابطة، تدور كلها تقريبا في فضاء مكاني، قاعة المحكمة بوصفها تعبيرا عن خصوصية النظام القضائي الأمريكي المعتمد على مشاركة شخصيات اعتبارية خارج المنظومة الحقوقية، أي المُحلّفين، وهم من يصدر الحكم النهائي في القضايا الجنائية المعروضة عليهم، وبالتالي يمكن لهؤلاء ووفق تركيبتهم الاجتماعية والنفسية وقوة تأثير الدفاع أو الادعاء العام عليهم، تقرير مصير المتهم الواقف أمامهم دون دراية بالجوانب القانونية.

قاتلُ “الموسيقى المنحطة”

يأخذ الفيلم طابع التحري والتقصي عن تفاصيل الواقعة التي حدثت عام 2012 عندما أطلق رجل أبيض عشر عيارات نارية على شاب أسود كان يجلس مع أصدقائه داخل سيارة خصوصية توقفت عند محطة تعبئة بنزين، وذلك بحجة رفع صوت جهاز التسجيل وشتمهم له بعبارات بذيئة، وكرد فعل على ذلك وخوفا منهم بدأ بإطلاق النار عليهم.

لم ينفِ المتهم “مايكل دون” عن نفسه التهم الموجهة إلى في التحقيقات الأولية كما ظهر في تسجيلات الشرطة التي حصل عليها الفيلم، واكتفى بالقول إنه قام بفعلته لانزعاجه الشديد من موسيقاهم المنحطة الصاخبة، استخدم عبارة “الموسيقى المنحطة” أكثر من مرة وكأنها كانت سببا كافيا للقتل.

المذهل ليس حصول الوثائقي على التسجيلات المصورة للتحقيقات الجنائية، إنما حصوله على تسجيلات المكالمات الهاتفية بين القاتل وصديقته التي كانت معه وقت وقوع الحادثة، وتكراره نفس العبارة أكثر من مرة، كان على قناعة كاملة بصحة فعلته وبالظلم الذي وقع عليه لأن الشرطة تحقق معه وتزجه في السجن بدلا من إطلاق سراحه، كان مطمئنا تماما باقتراب موعد خروجه وإغلاق ملف قضيته، التسجيلات الصوتية وأشرطة تحقيقات الشرطة تشكلان الأرضية التي يُشيد الوثائقي الرائع بناءه السردي عليها ويضيف إليها عناصر وخامات أخرى ليقدم المشهد الاجتماعي والقضائي بأوسع صورة.

والدة الضحية “جوردن دافيز”

العائلة.. معاناة وغبن

أولى الوحدات الفاعلة التي عمل عليها الوثائقي الأمريكي بعناية فائقة كانت العائلة وبخاصة والدة الضحية، إذ سجل الفيلم أدق مشاعر الحزن التي تلفها وتحيل حياتها إلى عذاب دائم، لم تهنأ هي وطليقها بلحظة راحة طوال فترة متابعة انحراف مجرى المحاكمة بفعل قوة محامي الدفاع لغير صالحهم، ورافق الفيلم الأم ونقل إحساسها الشديد بالغبن واللاعدالة.

يمنح الفيلم فسحة جيدة للمشاهد لمعاينة ومشاركة طرف آخر غير المتهم المسترخي، وهو طرف يرى بأم عينيه كيف تضيع الحقيقة وتتحول تهمة القتل المتعمد إلى دفاع عن النفس، وأكثر ما كان ينغص حياة العائلة في الفيلم هو محاولة تشويه سمعة وصورة ولدهم الذي قالوا إنهم أحسنوا تربيته.

وتمثل شهادات معارف القتيل وأصحابه عنصرا فاعلا آخر في ثنايا نص سينمائي كبير وازن بدقة بين جو التحقيقات والتقصي وبين الاقتراب من جوانيات الأشخاص وبخاصة المغلوبين على أمرهم، فقد بدوا لضعفهم وكأنهم مستسلمون لأقدراهم لا يعرفون كيف يواجهون لعبة حقوقية هي أكبر من مداركهم، أناس بسطاء يقولون ما يشعرون، بينما هناك طرف لا يعبأ بأقوالهم ولا يدقق فيها، طرف حكم عليهم مسبقا بالسوء وبالدونية وباحتمال ارتكابهم الجريمة.

المتهم مايكل دون أثناء محاكمته بتهمة قتل الشاب الأسود جوردن دافيز

وجه أمريكا الكريه

أجمل ما في هذه الوحدة قدرتها على تجسيد المفارقة الصارخة بين الجاني والضحية. فبينما ينظر الجاني الأبيض إلى سلوكه باعتباره سويا ويحظى بتعاطف المُحلّفين؛ تبدو الضحية قدرية وحيدة تواجه ضعفها بالحزن والانكفاء.. مفارقة جسّدها المخرج مارك سيفر عبر أسلوب تقسيم الشاشة الواحدة إلى أقسام متعددة يظهر كل طرف في واحدة منها، وكأنه يعيش في عالم منفصل تماما عن الآخر، للبيض قيتهم ومنظومتهم الأخلاقية المختلفة عن الثاني، أما المواطن الأسود فهو الأقل قيمة.

مهارة محامي الدفاع وتلقينه القاتل عبارات وشهادات مزيفة توحي لسامعها وكأنه قد دافع حقا عن نفسه وخاف على صديقته من الأشرار السود؛ ولّدت قناعة عند المُحَلفين بقوة حجته وصدق كلامه، فأصدرت على ضوئها حكماً مخففاً، أخرج القضية من قاعة المحكمة إلى فضاء اجتماعي أكبر منها بكثير.

كان على الفيلم مواكبة التحول الشديد في مسار القضية التي راحت تأخذ بعداً طبقيا واجتماعيا وتكشف وجها عنصريا كريها للمجتمع الأمريكي، معبرا عن بشاعته بأبواق وسائل الإعلام وبخاصة قنوات التلفاز التي روّجت وبقوة لفكرة الخطر الأسود والعصابات المنفلتة، ودون توقف دعمت فكرة الدفاع عن النفس وحق امتلاك البيض للأسلحة واستخدامها للدفاع عن أنفسهم طيلة وقت انعقاد جلسات المحكمة.

مخرج الفيلم مارك سيلفر ووالدة الضحية

عنصرية بيضاء تُحاكم

قد تكون وحدة الإعلام الأشد بروزا في الفصل الثاني من الحكاية التي راحت تتسع إلى مديات لم يدركها المحلفون ولا محامي الدفاع حين وجدوا أنفسهم أمام قوة لا يمكن صدها بسهولة، وجدوا أنفسهم أمام تيار اجتماعي لا يلين رغم ضعف إمكانياته أمام أمّ شجاعة لن تسكت على موت فلذة كبدها، فأوصلت صوتها إلى الكونغرس وقادت حملات احتجاج، لتجد المؤسسة السياسية والقضائية نفسهما في وضع لا بد من التراجع أمامه، فأعيدت القضية من جديد ونقلت إلى محكمة الاستئناف.

يترك الفيلم المحكمة وينقل كاميرته إلى خارجها، ليفهم كيف ينظر الأمريكي الأبيض إلى التحولات الدراماتيكية في قضية تراجيدية تخص واحداً منهم.

تشدد أغلبية المقابلات على حق البيض في الدفاع عن أنفسهم وتريد تبرئة القاتل من جريمته المثبتة جنائيا، وتعلن عدم عنصريتها فيما كل كلامها ودفاعها يكشف بطريقة غير مباشرة عن طبيعتها العنصرية غير الواعية، كانوا من حيث لا يشعرون عنصريين، تملؤهم القناعة بصدق ما يقوله الرجل الأبيض وكذب ما يدعيه الأسود؛ فالأول أخلاقي مستقيم والثاني كذاب مُعتدٍ.

أحكام ثابتة جسدتها ردود الفعل العنيفة على قرار الاستئناف بتجريم المتهم، ولكي يكون موضوعيا ثبتت الوثائق شهادة صديقة القاتل التي أقرت بأنه أشهر مسدسه وأطلق النار بدون داع، وأنها لم تتعرض لأي تهديد مباشر، وكان حل الإشكال ممكنا بقليل من التعقل، لكن صديقها كان يكره السود كثيرا.

شهادة كسرت التعميم فأضفت إلى المشهد المعتم ضوءا دخل منه الفيلم إلى وحدة جديدة كانت مغيبة طيلة الوقت بسبب حدة الصراع وشدته بين الطرفين، بحيث غدت إمكانية تحديد مساحة رمادية أمرا مستعصيا، ومع هذا راح الوثائقي يقدم عينات ساعدت بمساهمتها على خلق رأي عام متعاطف مع الضحية لا الجلاد لكنه ظل ضئيلا، أثر في القضية لكن هذا التأثير بقي على المستوى العام محدودا.

يعود الفيلم إلى الشباب السود والعائلة المنكوبة

قرن العنصرية البغيضة

يعود الفيلم إلى الشباب السود والعائلة المنكوبة، ووجد في تسامحها وارتياحها للحكم ثغرة يمكن الدخول منها إلى الطرف الآخر. كان في شهادة السيدة البيضاء اعتراف ضمني بوجود قواسم إنسانية لو غابت بالكامل لدخل المجتمع في حرب أهلية تعيد الولايات المتحدة إلى بداية القرن الماضي.

ففي ذلك القرن نشأت العنصرية البغيضة التي أسست بدورها لهيكلية غير واعية تَظهر بين حين وآخر عبر جرائم لا يمكن السكوت عنها ولا تبريرها إعلاميا أو تمريرها قضائيا، وهذا ما اشتغل عليه فيلم “ثلاث دقائق ونصف.. عشر رصاصات” بمهارة لافتة وبأسلوب إخراجي منفرد جمع فيه حلاوة الصورة وقوة النص ودقة البحث والتقصي إلى جانب خلقه مناخا مناسبا لنفسه مكنه من التحرك خلاله.

كسب الفيلم ثقة كل الأطراف المتناقضة، فاستحق الثناء النقدي وحصل عن جدارة على العديد من الجوائز من بينها جائزة لجنة التحكيم الخاصة لمهرجان “سندانس”، وترشح لجائزة أفضل فيلم وثائقي في دورة 2015 لمهرجان تريبيكا الدولي، وجائزة لجنة تحكيم موضوعات الشباب في مهرجان شيفيلد، وصول إلى الترشيحات القصيرة لأوسكار 2015، ثم جائزة الجمهور لأفضل وثائقي في مهرجان “ريفرران” وغيرها.


إعلان