“يوم مثالي” .. الضحك من قلب المأساة

لم يلقَ فيلم “يوم مثالي” A Perfect Day ما كان يستحقه من اهتمام، رغم أنه يوظِّف أربعة من “نجوم” السينما في الأدوار الرئيسية هم: بنسيو ديل تورو (الحاصل على أوسكار أحسن ممثل عن دوره في فيلم “تشي” – (2008)، وتيم روبنز، الحاصل على أوسكار أحسن ممثل مساعد عن دوره في فيلم “النهر الغامض”- 2003) والممثلة الفرنسية ميلاني تيري التي تألقت في فيلم “نظرية الصفر” لتيري جليام، والممثلة الأمريكية الأوكرانية الأصل أولجا كوريلنكو (بطلة “في الأعجوبة” لترانس ماليك).

والسبب قد يرجع إلى أن الفيلم الذي ربما يكون الأول القادم من أوروبا الغربية، الذي يتناول موضوع مأساة الحرب في البوسنة على هذا المستوى، ليس من أفلام هوليوود، فمخرجه هو الإسباني فرناندو ليون دو أرانوا Fernando León de Aranoa، وهومن إنتاج إسباني، جرى تصويره في مواقع مختلفة في إسبانيا كبديل للمواقع الطبيعية في البوسنة. ورغم أنه ناطق في معظمه بالإنجليزية، إلا أنه ينطق في أجزاء أخرى منه بالإسبانية والصربية – الكرواتية. ورغم وجود اثنين من كبار ممثلي هوليوود هما ينسيو ديل تورو وتيم روين، إلا أنه لا يسير في الخط المعتاد لأفلام هوليوود، فلو كان كاتب سيناريو الفيلم – دييجو فارياس عن رواية شقيقته لاورا فارياس – يريد أن يتبع خط هوليوود لاستغلّ مادته وجعل القصة تسير في طريق الإثارة بل وبعض “الآكشن” أيضا، فالمادة الخام للرواية تسمح بذلك، لكنه استخدمها بدلا من ذلك، في نسج خيوط أحداث تجري كلها في يوم وليلة، أبطالها خمس شخصيات من العاملين في وكالات الإغاثة الإنسانية في البلقان، ووهو يمزج الكوميديا السوداء، بالدراما العبثية، ويكتفي بتصوير “حالة” من العبث المجنون فضلا عن سرد أحداث ووقائع.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

لكن الفيلم لا يصور فقط مأزق العيش وسط أجواء حرب أهلية بلغت أقصى حدود العبثية، بل يتوقف أيضا أمام تجربة أولئك الأفراد القادمين من الخارج، من خارج الصراع، ليجدوا أنفسهم رغما عنهم، منغمسين في الكثير من المواقف الصعبة التي تكاد تضعهم في صدام مباشر مع الأطراف المحلية المتصارعة.

 “ديل تورو” يظهر في أول مشهد في الفيلم وهو يحاول رفع جثة لرجل ضخم، ألقاها البعض في بئر بهدف تلويث مياه الشرب التي يشرب منها سكان القرية القريبة، وسنعرف فيما بعد أن بئرين آخرين وضعوا فيهما متفجرات. ديل تورو العامل في إحدى وكالات الإغاثة يحاول رفع الجثة بواسطة حبل لكن الحبل ينقطع فتسقط الجثة مجددا في البئر وتستقر هناك مما ينذر بتحللها تدريجيا وانتشار المواد السامة وما ينجم عنه من متاعب تتعلق بمياه الشرب أمام السكان.

جثة وحبل.. ثم يبدأ البحث عن حبل بديل.. ويلتقي ديل تورو بروبنز، وهو زميل يعمل معه، جاء بسيارة ثانية بصحبة الشابة الفرنسية “ميلاني” التي تصطدم بما تشاهده حولها في تجربتها الميدانية الأولى.

ترمز الجثة الموشكة على التعفن المستقرة في أعماق البئر، للوضع العام الذي تعيشه المنطقة، ويبدو البحث المستمر بلاجدوى عن حبل لرفع الجثة، إغراقا في العبثية في موازاة لعبثية الحالة التي يجد “الغرباء” فيها أنفسهم هناك في المنطقة، فهم لا يعرفون اللغة المحلية أصلا (يستعين الرجلان بمترجم محلي) ولا هم يملكون من القوة التي تمكنهم من فرض ما يريدونه، بل نراهم محاطون بمناطق مدمرّة، وأمام عبوات ناسفة بجوار جثث لأبقار أتى بها البعض ووضعوها في منتصف الطرق، بعد أن نثروا المواد المتفجرة من حولها، بحيث تصبح الطريقة الوحيدة المرور فوقها مباشرة بعجلات السيارة.

لكن ليس في كل مرة تسلم الجرة –  كما يقال – ففي المرة الثانية، يبدو الأمر أكثر تعقيدا، إلى أن تولد الفكرة فجأة من مشاهدة راعية أبقار عجوز تسير وسط الجبال والطرق الوعرة خلف أبقارها، فيكون الحل ببساطة هو تتبعها ومحاكاة طريقتها في تفادي الألغام الأرضية.

في بداية الفيلم نعرف أننا في مكان ما في البلقان عام 1995، واللوحة المكتوبة على أحد الجدران تقول “مرحبا .. إلى الجحيم”، وسنعرف خلال الفيلم أن الحرب على وشك أن تضع أوزارها بعد أن تم التوصل إلى اتفاق سلام بين الفرقاء. ولكن السكان والباعة جميعهم، خائفون ومتشككون، لا يُصدّقون أن الحرب قد انتهت أو أوشكت على نهايتها، والباعة الذين لديهم الحبال في متاجرهم يرفضون بيع حبل لديل تورو لكي يعود لإخراج الجثة التي تُهدِّد بالانفجار داخل البئر. ويظلّ ديل تورو يبحث مع زميليه عن حبل هنا وهناك دون أي نجاح يذكر. الشيء الوحيد الذي ينجح فيه هو تخليص كرة صبي يدعى “نيكولا” من بين أيدي مجموعة من الصبية المسلحين، ثم يأخذ الصبي معه لتوصيله إلى أهله. لكن الطريق يكون ملغما تارة، ومقطوع من طرف جماعة مسلحّة ترفض السماح لهم بالمرور تارة أخرى. وسرعان ما تحلق بهم فتاة روسية تدعى كاتيا (كوريلنكو) شديدة الفتنة والجمال، كانت في الماضي حبيبة ديل تورو، ثم هجرها من أجل امرأة أخرى، وهي تشعر بالغيرة بل والغيظ أيضا بسبب تخلِّيه عنها.

هذا الخيط الدرامي الواهي الذي يلعب عليه السيناريو، ربما يكون أضعف حلقات الفيلم، فبعد أن يستخدمه الفيلم في البداية لإضفاء بعض الملامح الإنسانية على الأبطال، سرعان ما يتحول إلى مادة للتهكم والسخرية والإضحاك لكنه يفقد حتى القدرة على توليد الضحك بسبب التكرار والدوران حول الفكرة نفسها دون أن تصبح جزءا عضويا من مادة الفيلم الدرامية !

المفترض أن “كاتيا” موفدة من قيادة الوكالة الدولية المسماة “مساعدة عبر الحدود” لتفقُّد سير العمل وإعداد تقرير عما تقوم به المجموعة وما إذا كانت الوكالة يمكن أن تستمر في عملها الإنساني بالمنطقة أو ترحل بعد توقف القتال. لكن كاتيا تبدو مبالغة في الجمال بالنسبة لامرأة توفد في مهمة من هذا النوع في  منطقة حرب، ويصبح بالتالي وجودها غريبا، ليس فقط على المنطقة، بل على الفيلم أيضا. ولعل هذا ما دفع تيم روبنز إلى التعليق داخل الفيلم  يقول لصديقه على سبيل السخرية: هل أصبحنا نعمل في وكالة عارضات (موديلات) عبر حدود”!

عندما تحيط مجموعة من المسلحين الذين يشهرون أسلحتهم، بسيارتي الفريق وتمنع المجموعة من المرور، يطلب تيم روبنز من المترجم أن يخبر قائد المسلحين بأنهم ليسوا في حاجة إلى مسح زجاج السيارة اليوم.. يتردد المترجم ثم يترجم العبارة التهكمية.. ينقبض وجه قائد المسلحين.. يتوتر الموقف.. يضحك روبنز على النكتة التي ألقاها.. تنتقل عدوى الضحك الى فريق المسلحين فينفجرون في الضحك.. يتوقع المشاهد أن يتحول الضحك فجأة إلى انفجار للعنف.. لكن حصافة الفريق تنهي الموقف بسلام بعد أن يقرر قائد الفريق ديل تورو الانسحاب والعودة بالسيارتين. هذا المشهد نموذج للكوميديا وروح المرح التي يحاول بها الفيلم تخفيف حدة الدراما.

رغم أي ملاحظات سلبية على بعض أجزاء السيناريو، إلا أن الفيلم يتميز بصورته الواقعية ومحاكاته الناجحة لمواقع الأحداث بحيث تطابق الوضع في منطقة البلقان، مع الاستعانة بمجموعة كبيرة من الممثلين الثانويين الذين يسندون الفيلم ويدعمونه، مع تطعيمه بمختارات من الأغاني التي تساهم في التعليق على الأحداث التي يمرّ بها أبطاله.

يتوقف الفيلم في أقوى مشاهده أمام مأساة الطفل “نيكولا” عندما يكتشف ديل تورو وهو يحاول استعادة الكرة من داخل منزل نيكولا وعائلته، أن والديه قد قُتلا بعد تعرُّض المنزل للتفجير من قبل جماعة مناوئة عنصريا، وهو ما يشرحه استنتاجا لزميله عندما يروي له كيف كان المسلمون والصرب يعيشون معا حتى كزوج وزوجة تحت سقف واحد قبل الحرب، ثم تغير الوضع بأسره بعد نشوب الصراع، ولابد أن الجماعات المناوئة قررت نسف المنزل فوق رؤوس سكانه.

لكن “نيكولا” لا يعرف ما حدث، بل مازال يرغب في البحث عن والديه في الجانب الآخر.. ويمنحه بطلنا بعض المال شريطة أن يصطحب معه جده الذي يعرف الحقيقة، لكنه يؤجِّل إطلاع الطفل عليها إلى ما بعد انتهاء الحرب.

وإذا كان الفيلم قد صور الكثير من الأحداث والتفاصيل من وجهة نظر القادمين من الخارج، مع تطعيمها بقدر الإمكان، بنوع من الفكاهة والسخرية السوداء، إلا أنه توقف أيضا أمام الكثير من التعقيدات البيروقراطية من جانب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، موجِّها لها نقدا لاذعا.

ففي اجتماع للقوة الموجودة بالمنطقة في حضور ديل تورو وميلاني يشاهدان كاتيا هناك، تحاول ميلاني لفت أنظار قائد القوة إلى مشكلة الجثة التي تتحلل في البئر وضرورة إخراجها والبدء في تنقية مياه الشرب، إلا أنه لا يبدي أي اهتمام بدعوى أن الأهمية الآن ليست لإخراج الجثث بل لنزع المتفجرات والألغام. ولا تجد الفتاة وسيلة لدفعه للاهتمام بالأمر سوى القول إن الجثة ملغومة، وأنه يجب أن يرسل من ينزعون الألغام!

وعندما ينجح ديل تورو أخيرا في الحصول على حبل بمساعدة نيكولا، ثم يتمكن من رفع الجثة حتى تكاد تخرج من البئر، يفاجأ بوصول فريق من قوات الأمم المتحدة، يوقفون العملية بدعوى أن الجثة مشحونة بالمتفجرات، وأنه لابد من عدم إخراجها بل ويقطعون الحبل لتسقط الجثة مجددا في البئر.

في أحد المشاهد تقول كاتيا إنها تريد أن ترى المجموعة وقد نجحت في إنجاز شيء واحد فقط. وهذا صحيح، فهم لم ينجزوا شيئا.. وعندما يتجهّون أخيرا نحو مهمة أخرى، للمساعدة في التخلص من الفضلات بسبب انسداد مواسير الصرف الصحي، يُعبِّر تيم روبنز عن أمله في ألا يسقط المطر. لكن في هذه اللحظة تحديدا يبدأ سقوط المطر. إنه فعلا “يوم مثالي” .. كما تعلق ميلاني ساخرة من هذا الفشل والعجز.

وينتهي الفيلم بمشهد شبه سيريالي والجثة تطفو بفعل مياه المطر التي ملأت البئرعن آخره، والسكان يسحبونها بواسطة مجموعة من الحبال، كأنما كانوا المحليون يمارسون لعبتهم الخبيثة ضد أولئك الغرباء الذين يُحملّونهم مسؤولية إشعال الحروب في كل مكان.

ولولا الحضور القوي لكل من ديل تورو وتيم روينز لما ارتقى الفيلم إلى هذا المستوى من الجاذبية. أما أداء ميلاني تيري وأولجا كورلينكو فجاء سطحيا بسبب ضعف الدورين خصوصا دور “كاتيا” الذي لا يضيف شيئا للفيلم. ولكن الفضل يعود أولا إلى براعة المخرج الإسباني في رواية الموضوع بأقل قدر من المبالغات ودون الانسياق وراء الإثارة والعنف رغم الإغراء الكامن بين ثنايا الموضوع.


إعلان