الجانب “المعتم” من الثورة الأوكرانية

قيس قاسم

واحد من جوانب تفوُّق الفيلم الوثائقي على الأنواع السينمائية الأخرى وبخاصة الروائية منها هو قدرته على تغطية أكثر من جانب وعرض أكثر من وجه للحدث الواحد وبأسرع وقت. عنصرا الوقت والمرونة تضعان على عاتق صُنّاعه مسؤولية التصدِّي للقضايا الأكثر آنية. من الأمثلة الواضحة في هذا السياق الأفلام التي تناولت “الربيع العربي” و”الثورة الأوكرانية”، التي لم يمضِ كثيراً من الوقت على اندلاعها إلا أنها حظيت باهتمام وثائقي (تلفزيوني وسينمائي) لافت ومن الطبيعي أن يظهر التفاوت في مستوياتها، وما إذا أردنا الإشارة إلى أبرزها فسيكون، “ميدان” سيرغي لوزنيتسا و”شتاء مشتعل: نضال أوكرانيا من أجل الحرية” للمخرج إيفغيني أفينيفسكي، من بينها. يلاحظ من قراءة أغلبية الأفلام التي تناولت الحدثين إبرازها للجانب الإيجابي، الواعد من الثورات ناهيك عن “سرعة إنتاجها” وغلبة التلفزيوني والفيديو عليها، ويظهر هذا جلياً في الوثائقيات العربية التي رافقت اندلاع الحراك الشعبي بعكس الحدث الأوكراني.

فأكثر أفلامه اتسمّت بنوعية جيدة لكنها اجتمعت تقريباً على نقل تفاصيل الثورة كما ظهرت على السطح، في حين راح الوثائقي الفرنسي The Masks of the Revolution ليكشف الجانب الآخر منها؛ الخفي والمغيب من صورتها المنقولة إلى العالم. 

منجز “بول موريرا” لا يخلو من تحدِّي ومعاندة للسائد لهذا السبب وحتى قبل عرضه وجهت إليه اتهامات غير قليلة كـ”الانحياز” إلى مواقف موسكو وتشويه صورة الثورة كما طالبت أوكرانيا من دول أوروبية منع عرضه. يحدث هذا الأمر على الدوام وبخاصة مع الأفلام “الخارجة عن النص” لكن من يحسم جودته وموضوعيته هو “نصّه” لا الكلام الذي يدور حوله من خارجه. 

من المؤكد أن “أقنعة الثورة” لا يصبّ في خدمة الثورة بمعناها الرومانسي، فهو يشوِّه رومانسيتها ويقدم جانباً “معتماً” منها لا يفرح المتعاطفين معها ومع أهدافها العادلة في التخلُّص من هيمنة روسيا والحصول على الحرية والاستقلال بعد عقود طويلة من التبعية. على مستوى آخر لا يمكن لمخرج باحث عن التميز أن يغفل جوانب مهمة من أي حدث يتصدى له بحجة الخوف من الإساءة إلى جوهره النقي.

مهمة السينما “الاستقصائية” تشترط عرض المشهد العام بكل تفاصيله وترك الحكم عليه لمشاهده. 

يبدأ الوثائقي مسيرته من نقطة تعبد عن “ميدان” العاصمة كييف مئات الكيلومترات. على الحدود مع شبه جزيرة القرم حيث تخضع ناقلات الشحن المتوجّه إليها من أوكرانيا، وبشكل خاص المحملّة منها بالأغذية، لمراقبة وتدقيق من قبل ميليشيات مسلحّة ومنظمات “شبه عسكرية” كَلَفت نفسها للقيام بهذه المهمة. 

شاحنات مرصوفة على طول الشارع وأخرى طلب من سائقيها إفراغ محتوياتها للتفتيش والتأكُّد من خلوها من أسلحة، فيما يقف رجال الشرطة جانباً ينظرون بأعينهم لما يجري ولا يتدخلون فيه مطلقاً. لا عيب في تسجيل المشهد الاستهلالي، بل ثمة ألمعية واضحة فيه مثل بقية تفاصيل العمل، لكن أن يتولى مخرجه بنفسه، بوصفه صحفياً محترفاً، إجراء مقابلاته، وسيستمر بإجرائها مع أغلبية شخصيات وثائقيه الإشكالي والمثير للجدل، إلى جانب كتابة سيناريو سيترك ظلالاً من الشك حول موضوعيته باعتباره وبهذا الكم من “السلطات” سيكون قادراً على توجيه مساره بما يتوافق مع موقفه ورؤيته للثورة الأوكرانية.

كتابة مخرج ما لنص فيلمه وحتى الاشتراك في مقابلاته أمر معتاد لكنه في هذا العمل بالتحديد كان سيكسب مصداقية أكبر لو كلّف آخرين غيره بإنجازها، وفي كل الأحوال قادت حوارات المفتتح إلى كشف علائق متداخلة ومصالح متناقضة بين الميليشيات المسلحة من جهة وبين سائقي الشاحنات من جهة أخرى. فتفرج رجال الشرطة نابع كما صرّحوا له من اعتبارهم الميليشات المسلحة وشبه العسكرية جزءاً من السلطة. يقومون بنفس مهامهم وهدفهم النهائي متطابق مع أهدافهم؛ أي حماية المواطن الأوكراني وصون أمن الدولة. 

فيما يرى سائق الشاحنات بأن مهمة التفتيش تتجاوز الروتين المتبع في كل النقاط الحدودية الأخرى مع العالم لتُعبِّر هنا عن محاولة متعمدة لـ”تجويع” أهالي القرم وبرغبة في تكريس سلطة ثانية، نفوذها أقوى من سلطة الدولة نفسها، لا يخفي قادتها ذلك وحتى أنهم لا يتحرّجون من تكذيبهم تصريحات سلطاتهم الرسمية حول السماح  بنقل البضائع والأشخاص بحرية بين المنطقتين!

إلى كييف العاصمة يعود محملّاً بحقائق ساطعة حول وجود منظمات قومية متطرفة لا تختلف من حيث الشكل والجوهر عن شبيهاتها الأوروبية ومرجعياتهم الأيديولوجية ذاتها؛ الفاشية والنازية. في عام 2014 حين دخل الوثائقي إلى “ميدان” مركز انطلاق الثورة بدا كل شيء عادياً.

على جوانبها عُلِّقت فوق لوحات خشبية صور شهدائها ومعهم وضعت صور بعض “المتشددين” الذين قتلوا في مواجهات خارجها وبعد فترة على انطلاقها، والأغرب ظهور صور قادة، مازالوا على قيد الحياة، على واجهات إعلانية روجت لترشيحهم لعضوية البرلمان، من بين هؤلاء كان “إيغور موسيتشوك” اليميني المنفلت المعتمد بشكل غير مألوف على وسائل التواصل الاجتماعي وبخاصة “يوتيوب” لزيادة شعبيته ونفوذ ميليشياته. 

وجوده على الكثير من أشرطتها سهل على الوثائقي توفير تسجيلات ووثائق تؤكد فكرته حول هيمنة المتشددين القوميين والنازيين الجدد على مفاصل الثورة والدولة. كان “موسيتشوك” يشدد فيها على صلة الدم القائمة بين مفهومي القومية و”الأمة الأكرانية”. صلة بالنسبة إليه لا تنفصل مثل؛ الحياة والموت!

سيترجم لاحقاً أقواله ودعايته إلى أفعال ستوصله تأثيراتها على جمهوره إلى البرلمان، وستكشف ممارسته الشنيعة الغاية من وصوله إلى ذلك الموقع الحصين. يوثق الفيلم الكثير منها ويقدم أكثرها تعبيراً عن شراسة وغطرسة اليمين المتطرف وفساده، فعضو البرلمان لا يتوانى عن تهديد رجال الشرطة ولا يخاف التدخل في عمل القضاة والمحاكم ويقوم بمداهمات للـ”روس” في بيوتهم وطردهم منها بقوة السلاح. كل ذلك مصور ومعروض على الـ”يوتيوب”. 

عدا قادة الميليشيات يغطي أغلبية أعضائها وجوههم بأقنعة، ما يثير أسئلة عن سبب وضعها وما الذي يخشون منه؟ قادت الأسئلة صاحب الوثائقي إلى معسكرات سرية تابعة لأحزاب قومية متطرفة حيث يتم تدريب المنضوين إليها، بينهم أجانب جاؤوا إليها من فرنسا وغيرها. 

يحاول المتطرفون إخفاء هويتهم الحقيقية حتى لا يكشفوا علناً أنشطتهم المحاطة بالسرية والمراد منها عدم إحراج السلطات الحكومية وكشف تأييدها ودعمها غير المعلن لها.

 من بين الإمكانات المتوفرة لأكبر حزبيين يمينيين متطرفين هما؛ “سفوبودا” و”أزوف” مصانع لإنتاج الدبابات والأسلحة الثقيلة. المصانع قديمة كانت تابعة للدولة ولكنها اليوم تعمل سراً ويدعمها رجال أعمال من قادة الأحزاب القومية وتوفِّر لها الدولة الوقود والحماية. يصنعون في مصانع الدولة القديمة الأسلحة ويبيعون بعضها إلى بقية المنظمات المشابهة لهم في بقية دول أوروبا وأثمانها تخصص لتوسيع نشاطاتهم. مقابلة متطوع فرنسي داخل المعسكر جاء للتدريب على عمليات القنص كشفت تفاصيل كثيرة لم يرغب مدرّبوه بنشرها فحاول بعضهم جاهداً إبعاد صفة “النازية” عنها عبثاً، فما موجود من أفلام فيديو على “يوتيوب” تؤكد المعونات الخارجية للميليشيات وبمختلف الأشكال والأوجه.

يراجع الوثائقي الفرنسي العلاقة بين الروس الأوكرانيين والأوكرانيين الأصليين وخاصة في شرق البلاد، ويلاحظ تعرُّض الروس إلى ضغوطات وتهديدات مستمرة مع أن أغلبيتهم يميلون إلى العيش المشترك. لتأكيد ما تعرضوا له يذهب لمقابلة عوائل فقدت أعزاء لها أثناء مظاهرات ميناء “أوديسا”. والتي سميت بأحداث “2 مايو” وراح ضحيتها العشرات حرقاً. 

مشاهد الهجمات على البناية التي لجأ المتظاهرون إليها ومن ثم أُحرقوا داخلها فيها من الشناعات ما يكفي لإدانة المتشددين ولكنها كشفت أيضاً عن ميل غير قليل عند الروس للتصادم والتصعيد، والاستقواء بالكرملين في أحيان كثيرة. 

بعد عرض الصورة بأبعادها الواقعية كان لابد له من تحليلها فذهب لمقابلة مختصين وأساتذة جامعيين أكدوا على تحول أوكرانيا إلى “مغناطيس” لليمين المتشدد وسبب ذلك يحيلونه إلى سكوت السلطة الجديدة عنهم وحاجتها إليهم في مواجهة تهديدات بوتين بعد اقتراب جيوشه من شرق أوكرانيا وسيطرتهم على شبه جزيرة القرم، إلى جانب التواطؤ الغربي معهم. سكت قادة الغرب عنهم لضمان استمالة الحكومة الأوكرانية الجديدة إليهم.

كان هدفهم المتوافق مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ جرّ أوكرانيا إلى معسكرهم، إضعافاً لبوتين لا حباً في الشعب الأوكراني، الذي يعاني من فقر شديد بسبب ارتفاع نسب التضخُّم وغلاء الأسعار وتفشي البطالة.

كل هذه الاوضاع كانت سبباً في تقوية اليمين الذي انتقلت أحزابه إلى المعارضة وحاولت كسب أكبر قطاع من الشعب إليها عبر تبَنيها شعارات تدعو إلى إنهاء سوء الأوضاع، تماماً كما فعلت أحزاب يمينية متطرفة في أوروبا خلال العقود الأخيرة.

ليضفي مزيداً من الموضوعية على عمله ينقل الفيلم بعض مشاهد من جلسة للبرلمان قدم خلالها معارضون للكتلة اليمينية تسجيلات أظهرت القيادي “موسيتشوك” وهو يقوم باستلام رشاوى.

حجم الفضيحة لم يمنح البرلمان والحكومة فرصة للتغطية عليه فنُقلت القضية إلى المحكمة التي أدانته وطلبت سحب عضويته بعد توفّر أدلة دامغة وفرّتها لها تسجيلات “يوتيوب”. سقط اليميني المتطرف بنفس الوسيلة التي صعد بها لكن الوضع استمر على ما هو عليه! هكذا أراد رسم “أقنعة الثورة” مسار الثورة ومآلاتها. 

مشكلة الفيلم الأبرز، مع كل ما فيه من قوة على المستويين التقني والسردي وبما تمتع به من لغة مميزة شديدة الحلاوة، تكمن في سقوطه في فخ التعميم، وكان بإمكانه لو أراد حصر موضوعه بصعود التيارات القومية والنازية المتطرفة في أوكرانيا فقط، دون ربط وجودها بالثورة وتقديمها وكأنها كانت هي المحرك لها، لا بوصفها نتاج موضوعي من نتاجاتها الكثيرة الأخرى. خطورته تكمن في محاولته إقناع مشاهده بفكرة نهائية مفادها؛ أن الثورة الأوكرانية كانت ذات توجّه يميني قومي متطرف منذ البداية، وأن الشعب الأوكراني وأحزابه يؤيدون هذا التوجه ويريدون حل خلافاته مع الروس بالقوة والعنف. 

نتيجة لا تتوافق مع طبيعة الثورة، التي أرادت التخلص من الهيمنة الروسية وبناء نموذج ديمقراطي جديد على أنقاض حكم متسلط تابع للكرميلن. صاحبتها مثل كل الثورات والحركات الشعبية أخطاء كثيرة وبرزت فيها تيارات متطرفة غير سلمية لكن هذا لا يلغي طابعها الثوري ولا أفكارها التجديدية.