مهربو البشر.. أذرع الاستغلال المرعبة

قيس قاسم

تسلل أخيرا فيلم “مهربو البشر” (2017) إلى عالم مهربي البشر بكاميرا خفية أحاطتنا ولأول مرة بأساليب عملهم، إذ يكشف الفيلم عبر مجموعة من مهربي البشر ممن قبلوا الحديث مع مخرجَي الفيلم؛ عن طبيعة عملهم وقدرتهم على التأقلم مع المتغيّرات وحرص قادتهم الشديد على تجنب كشف هوياتهم الحقيقية أمام ضحاياهم الطامحين للخلاص من ويلات الحروب والجوع، ليضعوا بتلك المواصفات والعقلية المافيوية دول القارة الأوروبية -بوصفها أكثر الدول تضررا من نشاطهم المتزامن بقوة مع اتساع الهجرة من سوريا والعراق وبعض دول المنطقة- أمام تحديات كبيرة.

“مهربو البشر” فيلم وثائقي من إخراج بول إيريك هيلبوث وجورج لارسن، ومن إنتاج التلفزيون الدانماركي، وشارك الفيلم في مهرجان إدفا الدولي للأفلام الوثائقية. ويريد الوثائقي عرض تلك التحديات التي تواجهها القارة الأوروبية من مهربي البشر بتمهل، واستقصاء حقيقة العالم السري للمهربين، ممسكا بالفرصة النادرة التي تُمكّنه من توثيق الوقائع وتعزيز مصداقيته بالتسجيلات الآنية الخاصة بالفيلم في أكثر من مكان في العالم، فجاء لهذا سباقا في كشفه، متماسكا في بنائه الدرامي، وغنيا بمعلومات عما يشبه تنظيما لا يتردد محاربوه بمقارنته بـ”المافيات”، لتقارب أهدافه وأساليب عمله المافيات المنظمة فعلا.

تسلل أخيرا فيلم "مهربو البشر" (2017) إلى عالم مهربي البشر بكاميرا خفية أحاطتنا ولأول مرة بأساليب عملهم
تسلل أخيرا فيلم “مهربو البشر” (2017) إلى عالم مهربي البشر بكاميرا خفية أحاطتنا ولأول مرة بأساليب عملهم

 

التهريب.. إنساني أم إجرامي؟

يعطي الفيلم للمهربَين السوريَين اسمين سريين هما علي ويحيى؛ الأول ينشط في تهريب البشر من تركيا إلى اليونان، بينما يتولى يحيى رحلة التهريب من اليونان إلى بقية الدول الأوروبية وبشكل خاص إلى ألمانيا.

بدا علي حذرا من رجال الشرطة التركية، لكن حذره لم يصل إلى درجة الخوف من الكلام مع وسيط الفيلم وحامل الكاميرا الخفية عن تفاصيل نشاطه وتبريره له بأنه عمل يخدم به المحتاجين للمساعدة، فلولاه -كما يوحي- لما وصل الآلاف إلى بر الأمان، وأنه يحرص على شراء نوعية جيدة من الطوافات (ستر النجاة) المنقذة من الغرق.

يدخل علي مع وسيط الفيلم إلى محل يبيع الطوافات سرا، ثم يمضي لمقابلة أشخاص في ميناء التهريب بعد أن أُرسلت له عناوينهم وأرقام هواتفهم عبر الهاتف المحمول.

لا يُخفي علي دوره كوسيط بين قادة يخططون ويتفقون مع الزبائن من المهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا مقابل دفعهم مبالغ كبيرة لهم، وبين أطراف أخرى تؤمّن الجوانب اللوجستية ووسائط نقلهم إلى الطرف اليوناني.

يدرك المهربون جيدا مقدار حاجة الآخرين إليهم، فيزيدون من استغلالهم وتعريض حياتهم للخطر مقابل الحصول على المال
يدرك المهربون جيدا مقدار حاجة الآخرين إليهم، فيزيدون من استغلالهم وتعريض حياتهم للخطر مقابل الحصول على المال

 

المهرب.. مجرم أم انتهازي؟

في روما يقابل الفيلم المدعي العام الإيطالي “كالوغيرو فرارا”، وهو المكلف بمطاردة العصابات المتاجرة بالبشر، أما في اليونان فيرصد الفيلم نشاط يحيى المفتخِر بنجاحاته.

يلجأ الفيلم طوال وقته إلى ذلك الأسلوب المتحرك بين أكثر من طرف ناشط في معادلة تهريب البشر وفي أكثر من مكان، وعلى هامشه تدخل شخصيات وجدت نفسها تتعامل مع مهربي البشر أملا في مساعدة الفارّين من الناس على تحقيق أحلامهم، لأنهم لم يجدوا من يساعدهم سوى المهربين.

يدرك المهربون جيدا مقدار حاجة الآخرين إليهم، فيزيدون من استغلالهم وتعريض حياتهم للخطر مقابل الحصول على المال.

لا ينشد الفيلم الوثائقي بسبب التنوع في مستويات الشخصيات -الضحية ومُستغلي حاجتهم الإنسانية والجهات المطاردة لهم- المضي في الاستقصاء والكشف المجرد، بل أراد تقديم المهرب وطريقة تفكيره والمبررات التي يقنع نفسه بصحة ما يقوم به، فثمة التباس في التوصيف ينبع من حاجة اللاجئ لمن يعينه في السفر، واعتباره إلى حد ما “معينا” يبقى وصفا صحيحا ما دامه يوصله إلى هدفه، لكن وبمجرد المرور بتجربة تراجيدية بسببه يتحول وقتها إلى مُستغِل بشع لا يعرف الرحمة يهدد حياة الأبرياء من أجل المال دون أن يرمش له جفن.

في المقابل يرى المتضرر الأوروبي في المهرب مجرما صرفا تنطبق عليه الأحكام الجنائية باعتباره شخصا يهدد حياة بشر مثله ويعرضها للمهالك من أجل أغراض ربحية، فهو لا يقدم خدماته لهم مجانا.

هذا الجانب التحليلي لطبيعة “الجلاد/المهرب” وعلاقته بالضحية لم يتقدم أحد لعرضه قبل فيلم “مهربو البشر”، وذلك لعدم حصول صناع الأفلام والمعنيين بتوثيقها –أغلب الظن- على فرصة مواتية بذلك الحجم من الأريحية التي قَبل فيها مهربون وتجار بشر حقيقيون بوجود كاميرا تصاحبهم وتسجل أدق تفاصيل عملهم غير القانوني، ودون دراية منهم جرى تصوير قسم آخر مهم من نشاطهم بكاميرا ثابتة خفية أعطت التميز الأهم للفيلم.

"مهربو البشر" فيلم وثائقي من إخراج بول إيريك هيلبوث
“مهربو البشر” فيلم وثائقي من إخراج بول إيريك هيلبوث

 

الهجرة.. الموقف الأوروبي

يتوقف الفيلم عند ظاهرة الهجرة غير القانونية الأخيرة وموقف قادة الدول الأوروبية منها، وكيف تحولت إلى ورقة انتخابية قوية ومصدر قلق حقيقي للأجهزة الأمنية في أوروبا، فثمة رسالة يريد قادة الدول الأوروبية إيصالها إلى مواطنيهم القلقين من هذه الظاهرة بأنهم يفعلون شيئا من أجل الحد منها، وأكثر إجراءاتهم تتمحور حول منع المهربين من العمل بحرية كما كانوا يفعلون عند بداية “الهروب العظيم” من سوريا على وجه التحديد.

يحيط مخرجا الفيلم الأسئلة المتعلقة بعمل وإجراءات أجهزة الأمن في تلك الدول وجيوشها بهالة من الشكوك، حيث يذهب إلى عرض قدرة المهربين على التلاؤم واختيار طرق بديلة يعرضها الفيلم من خلال تجربة المهرب يحيى مع اللاجئ السوري آزر الذي فشل أكثر من مرة في الخروج من مطار أثينا؛ المكان المفضل لعصابات المافيا بعد البحر.

سجل اللاجئ آزر تفاصيل تهريبه بكاميرا هاتفه الخاص، وبالتالي قدم خدمة رائعة للفيلم الذي انفتحت أمامه كل أبواب خزانات التسجيل السرية والانفتاح على التجارب الحية المقرونة بوجود المهربين جسديا واعترافهم بمشاركتهم فيها، وشرحِ أساليبهم المبتكرة التي تربك عمل أجهزة الشرطة والجيش.

أحد أسباب نجاح المهربين تعود إلى الرشاوى والفساد الموجود في المطار اليوناني
أحد أسباب نجاح المهربين تعود إلى الرشاوى والفساد الموجود في المطار اليوناني

 

التهريب.. فساد وإغراءات

أحد أسباب نجاح المهربين تعود إلى الرشاوى والفساد الموجود في المطار اليوناني، حيث يوجد فيه أشخاص متعاونون معهم يسهلون دخول الراغبين في السفر بجوازات ووثائق مزورة.

في تجربة مثيرة، يستقصي الفيلم حجم الفساد المنتشر حين يصل إلى وكر لاستخراج الجوازات المزورة في أحد الأحياء القديمة بالعاصمة اليونانية أثينا، وكيف تتعاون مع المهربين شبكات تزوير الوثائق عبر ما يسمى بـ”المواقع المظلمة” الموجودة على شبكات الإنترنت.

خيبات تجارب اللاجئ السوري “آزر” المتكررة توصله إلى المهرب يحيى، فحسب إحدى خبيرات محاربة الاتجار بالبشر المشاركة في الفيلم مع عدد إضافي من العارفين في ذلك الحقل؛ تشير إلى أن مِن بين خصال المهرب الناجح قدرته على كسب ثقة الزبائن ونجاحه في إيصال عدد كبير إلى أوروبا وبقية المناطق.

تقر الخبيرة بأن أرباح المهربين -وبخاصة الوسطاء منهم- ليست كبيرة إلى حد غير معقول كما يتصور الناس، لأن القسم الكبير منها يذهب إلى “القادة”، وقسم آخر يصرف على الرشاوى والجوانب اللوجستية، لكنه يظل مصدرا لربح سهل لا يمكن مقارنته بأي عمل وظيفي آخر.

حقق التعاون الأوروبي التركي للحد من تهريب البشر نتائج مهمة
حقق التعاون الأوروبي التركي للحد من تهريب البشر نتائج مهمة

 

رصد أوروبي ساعد المهربين!

حقق التعاون الأوروبي التركي للحد من تهريب البشر نتائج مهمة، لذلك يشعر المهرب السوري علي بالقلق من مراقبة أجهزة الشرطة التركية له، ويشرح كيف يراقبه ويلازمه أحد رجال الشرطة كظله.

ويحصل الفيلم على تسجيلات خاصة من أجهزة الشرطة عن عملية مراقبة علي الدقيقة عبر تسجيل مكالماته الهاتفية وتصوير تحركاته على الأرض.

يتوصل السياسيون والعسكريون في أوروبا إلى قرار بالعمل وسط البحر لملاحقة المهربين وبخاصة الناشطين في اليونان أو في سواحل شمال أفريقيا.

ومن المفارقات المدهشة التي يتوصل إليها الفيلم وتؤكدها خبيرة محاربة تجار البشر أن وجود القوارب الحربية وسفن الإنقاذ في المياه الدولية سهّلت على المهربين عملهم، وأخذت هي نفسها تنقل اللاجئين إلى الطرف الثاني من البحر وعلى متن سفنهم لعدم تمكنها من دخول المياه الإقليمية للدولة الأخرى.

يعمق الفيلم ومساره المتصاعد ظلال الشك حين يقرر مرافقة المدعي العام الإيطالي أثناء تقديمه واحدا من أخطر المهربين في العالم ويطلق عليه اسم “الجنرال”. فقد كان المدعي متيقنا من أن الشخص الذي أمامه هو المطلوب، لكن الصحافة الإيطالية والدولية سربت معلومات تفيد بتشابه اسم عائلة المتهم الماثل أمام المحكمة مع الجنرال الحقيقي المجهول، ليعترف المدعي العام بصعوبة مهمته ويحيلها إلى قلة التعاون بين الشرطة الأوروبية والدول الأخرى في الضفة الثانية من المتوسط.

يسجل مخرجا الفيلم الوثائقي اللحظة التي ألقت الشرطة التركية فيها القبض على “علي” وتمت إدانته بأدلة دامغة، فيما وصل يحيى إلى دولة أوروبية كان في السابق يهرّب إليها السوريين.

الانتقالة الأهم خارج دائرة الشخصيات الرئيسية كان في دول شمال أفريقيا، حيث يقوم الفيلم برصد الجرائم المرتكبة ضد الأفارقة الفقراء الهاربين من الجوع والعوز.

تفاصيل تلك الجرائم تعمق أكثر حدة الظلال المحاطة بنشاط شرطة وجيش القارة الأوروبية التي أراد سياسيوها إقناع حكومات ليبيا وتونس بمزيد من المراقبة والتشدد إزاء المهربين، ولهذا الغرض وفّرت لخفر سواحلها معدات وأجهزة متطورة غالية الأثمان.

يكشف فيلم مهربو البشر أن هذه الدول لم تحقق المطلوب منها، فالمهربون راحوا يشترون ذمم بعض العاملين فيها بالمال، ويقابل الفيلم واحدا منهم ويعترف بأنه يقبض من المهربين مبالغ كبيرة مقابل إرشادهم إلى مواقع السفن الحربية الأوروبية في البحر وأماكن وجود راداراتها.

يسجل الفيلم بكاميرته السرية المخفية عند أحد الأفارقة العاجزين عن دفع تكاليف تهريبهم
يسجل الفيلم بكاميرته السرية المخفية عند أحد الأفارقة العاجزين عن دفع تكاليف تهريبهم

 

التهريب.. باق ويتمدد

على المستوى الإنساني فإن الضغط القوي لم يمنع من تجارة البشر، بل زاد من قساوة المهربين على الراغبين بحياة أفضل في أوروبا.

يسجل الفيلم بكاميرته السرية المخفية عند أحد الأفارقة العاجزين عن دفع تكاليف تهريبهم، طرق استغلال المهربين لهم ومعاملتهم كعبيد يشترونهم ويبيعونهم بربح، وبخاصة النساء منهم، فالمشاهد المصورة بالكاميرا الخفية لإجبار بعضهن على العمل في المواخير تثير الشفقة، فيما المهرب يفخر بقساوته ويعتبر عملية استغلال أجسادهن وظيفة مقبولة.

تدخل الأرقام لتضفي عمقا ودقة على الفيلم الدانماركي حين تشير إلى عدد الواصلين من المهاجرين إلى أوروبا بعد كل تلك الإجراءات المتشددة. فخلال الأشهر التسعة من عام 2016 وصل أوروبا أكثر من ربع مليون شخص، وغرق أو مات في الطرق الصحراوية الأفريقية أكثر من 3000 شخص.

يُذكر أن الأشهر الأولى من عام 2017 –وهو العام الذي أُنتج فيه الفيلم- شهدت حركة متغيرة في أساليب تهريب البشر، ويشير خروج علي من السجن بعد خمسة أشهر دليلا عليها، إذ يفخر المهرب السوري بأنه عاد إلى عمله السابق، وأنه يخطط كي يصبح مليونيرا.

أما الفيلم فيتساءل وهو يتابع رحلة عودة علي إلى التهريب عن قادة ذلك التنظيم الإجرامي الدولي الذي يبدو -وفق مسار الفيلم وتحليلاته- أنه سيظل يعمل ما دامت الرؤوس الكبيرة المديرة له ما زالت مجهولة الإقامة.