“سجلات عيد الميلاد”.. الإيمان على الطريقة الغربية

 

أسامة صفار

أدرك “بابا نويل” أنه في أزمة كبيرة فدخل إلى أقرب حانة في ليلة “الكريسماس”، وانطلق في الحديث مع “الزبائن” الذين يبلغ عمر أصغرهم أربعين عاما، مذكرا كلا منهم بأمنياته في الطفولة وكيف كان يجلب له الهدايا، لكن ما ظهر على وجوه “الزبائن” لم يكن مبشرا، فقد أنكروه جميعا ولم يعرفه أحد، ورغم ذلك طلب المساعدة فقام صاحب الحانة بتكليف الأمن بمهمة إبعاده عن المقهى، فحمله أربعة من أفراد الأمن وألقوا به إلى عرض الطريق.

و”بابا نويل” هو الرمز الأهم في أعياد الكريسماس، والبطل الأبرز لأفلام عيد الميلاد في هوليود، ومن بينها فيلم “سجلات عيد الميلاد” للمخرج ديفيس غوغنهايم، وهو نفسه كاتب السيناريو الذي استطاع أن يقدم المشهد في فيلمه، فيحيل المشاهد من خلاله إلى مشهد رئيسي في التاريخ المسيحي، حيث أنكر “بطرس” المسيح أثناء محاكمته وكان بحاجة لشهادته، وهو ما تنبأ به المسيح نفسه.

وتعد أعياد “الكريسماس” في الغرب بدلالاتها الدينية وفرص الربح الرأسمالية فيها؛ فرصة عظيمة لإنتاج كل ما يمكن أن يُباع، وذلك للمساهمة في الفرحة بالإجازات ودعم المعاني التي يرمز لها “الكريسماس”، والدفع بجرعة تفاؤل لعام ميلادي جديد.

ولعل من أشهر الأفلام التي تناولت الكريسماس فيلم “رجل الثلج” عام 1982، و”وحدي في المنزل” عام 1990، و”ألف” عام 2003، و”الليلة السابقة” عام 2015، و”عيد الميلاد الأسود” عام 1997، و”كريسماس سعيد” عام 2014.

وللإيمان بالغيب تاريخ لا يمكن إنكاره في الغرب، خاصة في المجتمع الأمريكي الذي تَشكّل عبر موجات من المضطهدين دينيا؛ “الإنجيليين” الذين نزحوا من إنجلترا وأوروبا “هربا بدينهم”. ولعل سلسلة الأفلام ذات الهوية “الإيمانية” التي انطلقت منذ فيلم “يوم القيامة” عام 2009 من إخراج رولان إيميريش وتمثيل جون كوزاك وأماندا بيت وداني غلوفر وثاندي نيوتن، مرورا بفيلم “آفاتار” للمخرج الكندي الهوليودي جيمس كاميرون عام 2009، ووصولا إلى “كتاب إيلاي” عام 2010 وهو من إخراج الأخوين هيوز وتأليف جاري ويتا ومن بطولة دنزل واشنطن وغاري أولدمان وميلا كونيس وراي ستيفينسون وجنيفر بيلز، ما يؤكد ذلك.

ومن بين عشرات الأفلام التي تم إنتاجها في هوليود عن احتفالات الكريسماس وبدأ عرضها بالفعل، دخل عملاق الإنتاج والبث العنكبوتي “نيتفلكس” على الخط بإنتاج عدد من الأفلام للاحتفال بالكريسماس مع الجمهور، من بينها فيلم “سجلات عيد الميلاد” (The Christmas Chronicles) للمخرج ديفس غوغنهايم، ومن بطولة النجم كيرت راسل الذي قدم دور “سانتا كلوز” أو بابا نويل، وهو أبرز رموز الكريسماس.

الأخوان تيدي وكيت، الأول غير مؤمن بـ”بابا نويل” والثاني مؤمن به كأب يساهم في إسعاد أطفال العالم

 

بابا نويل.. بين إيمان كيت وكفر تيدي

وتدور أحداث الفيلم في مدينة لويل بولاية ماساتشوستس الأمريكية، حيث اعتادت عائلة “بيرس” الاحتفال بالكريسماس لسنوات حتى عام 2018، لكن موت الأب “دوج” يجعل الأمر صعبا، فالأم “كلير” عليها أن تكافح من أجل تماسك العائلة ورعايتها، خاصة الطفل الأكبر “تيدي” الذي بدأ بسرقة السيارات. ومع ذلك فإن الأخت الصغيرة  “كيت” تأمل في الحفاظ على روح عيد الميلاد حيّة.

وتضطر الأم كلير إلى السهر في عملها ليلة الكريسماس، وتترك صغيرتها كيت في رعاية الابن تيدي، ويحتفل الطفلان على طريقتهما بمشاهدة مقاطع فيديو لحفلات عيد الميلاد القديمة، وتلاحظ كيت ذراعًا غريبة تظهر بجوار المدفأة فتعتقد أنها بابا نويل، وتطلب من أخيها مساعدتها على إثبات وجوده، لكن تيدي يشكك في وجود بابا نويل من الأصل لذلك يرفض المساعدة.

نحن هنا أمام طفلين أحدهما في مرحلة المراهقة ولديه ذلك النزوع نحو التمرد والاستقلالية وبلا أب، وطفلة تصغره بسنوات قليلة ما زالت تحتفظ ببراءة القلب والنفس وتعيش بتراث القصص الأمومية والمجتمعية، ولم تبدأ بعد مرحلة التمرد/المراهقة. الطفل الأول تيدي “غير مؤمن”، والطفلة الثانية كيت مؤمنة بـ”بابا نويل”؛ ذلك الرمز الذي تعارف عليه الغرب باعتباره “الأب” الذي يساهم في إسعاد كل أطفال العالم، وذلك عبر هدايا ليلة عيد الميلاد.

 

بابا نويل.. رمز إلهي بين مصدق ومكذب

وقصة “بابا نويل” تعود إلى جذور واقعية مأخوذة من قصة القديس نيكولاس، وهو أسقف (أعلى الرتب الكهنوتية في المسيحية) “ميرا” وهي إحدى مدن جمهورية لاتفيا الآن، وقد عاش في القرن الخامس الميلادي، وكان القديس نيكولاس يقوم أثناء الليل بتوزيع الهدايا للفقراء ولعائلات المحتاجين دون أن تعلم هذه العائلات مَن هو الفاعل، وصادف أن توفي في ديسمبر/كانون الأول.

والصورة المعروفة له حاليا ولدت على يد الشاعر الأمريكي “كليمنت كلارك مور” الذي كتب قصيدة “الليلة السابقة لعيد الميلاد” (The Night Before Christmas) عام 1823، وفي التقليد المجتمعي يكتب الأطفال رسائل لـ”بابا نويل” تتضمن الهدايا التي يتمنون الحصول عليها.

وطبقا للصفات التي أضفاها الخيال الشعبي والثقافة على “بابا نويل” فإنه “حنون ومعطاء”، حيث يحقق أماني الأطفال ويفاجئهم بالهدايا ليلة عيد الميلاد، ورغم ذلك فإنه لا يظهر شخصيا، وهي صفات تكفلت بتحويله إلى رمز “إلهي” خفي لا يظهر، وله مَن يؤمن به مثل كيت ومَن يكفر به مثل تيدي، وكانت المؤمنة كيت هي من لَمح الآية الأولى التي تؤكد وجوده، إذ لمحت يده بجوار المدفأة. نحن أمام تناص عقائدي/مجتمعي مع فيلم قرر مؤلفه ومخرجه غوغنهايم أن يرصد المعاني الغيبية وتجلياتها الاجتماعية وتحولات البشر تجاهها.

“بابا نويل” في الخيال الشعبي “حنون ومعطاء” يحقق أماني الأطفال ويفاجئهم بالهدايا ليلة عيد الميلاد

 

غزلان الرنة وبابا نويل والهدايا

تيدي الذي يشك في وجود بابا نويل هو نفسه المراهق الذي تورط مع عصابة لسرقة السيارات، وصورت له شقيقته الصغيرة البريئة فيديو أثناء سرقته وزميل له سيارة، ثم هددته به ليسهر معها في ليلة الكريسماس، وقد قامت بكل الترتيبات الخاصة بالسهرة، ووضعت كاميرا لتصور بابا نويل في حال قدومه ليضع الهدايا المعتادة.

وانتظر الأخوان حتى غلبهما النوم، وفجأة تستيقظ كيت على الجرس وترى بابا نويل في غرفة المعيشة، لكنه يغادر قبل أن يتمكن تيدي من رؤيته، ومع ذلك يسمعانه وهو يتحرك على السطح فيخرجان، وعندما يذهبان إلى الشارع يلاحظان عربة بابا نويل وغزلان “الرنة” التي تجرها وفوقها حقائب الهدايا، ويلمحانه يقفز من سطح إلى سطح بسرعة الضوء.

وتقرر كيت أن تختبئ في الزلاجة لإلقاء نظرة فاحصة على بابا نوبل، فيعترض شقيقها على ذلك لكنه يتبعها على مضض، ويفاجأ بابا نويل وغزلان “الرنة” التي تجرّ زلاجته بالأخوين في العربة، ويفقد الجميع السيطرة على اتجاهات العربة فتنهار وتسقط منها حقائب الهدايا.

 

بابا نويل في السجن

يُفاجأ الطفلان بمظهره المختلف عن المتوقع، يخبرهم بابا نويل أنه يجب عليه العودة لتقديم الهدايا في أقرب وقت ممكن وإلا فإن روح الكريسماس ستضيع، والعقبة الكبيرة أنه لا يمكنه التحرك بسرعة أو في مساحات ضيقة مثلما يفعل، لذلك يضطر الأطفال لمساعدته. يتوقفون في حانة حيث يحاول بابا نويل طلب المساعدة من الموجودين، وذلك عبر تذكيرهم بجميع رغباتهم في عيد الميلاد حين كانوا أطفالا لكنهم ينكرونه، ويقرر بابا نويل والأطفال في نهاية المطاف سرقة سيارة مسروقة.

ينجح بابا نويل في إظهار مواهبه الحداثية فيصنع جهازا لاسلكيا من الأجهزة الملقاة في السيارة المسروقة، وينجح من خلالها في تتبع غزلانه التائهة، لكنه يفاجأ بالشرطة التي تلقي القبض عليه.

وفي السجن يوجّه بابا نويل نصائحه إلى الضابط مؤكدا أنه حقيقة وأن الناس بحاجة إليه وإلا سوف يعمّ الإحباط واليأس أرجاء المدينة وتنتشر الجرائم، وينبه الضابط أن عليه إطلاق سراحه وإلا وجد الكبارَ والصغار يقتحمون عليه قسم الشرطة، ويظهر “كرامة” أخرى إذ يعيد إلى الضابط زوجته التي طُلقت منه، ويقوم بدور المصلح بينهما فيتأثر الضابط “ويستعيد إيمانه” ويسمح له بالخروج.

وبعد مغامرات على حافة الوقت ينجح الثلاثي (بابا نويل وكيت وتيدي) في تسليم الهدايا لأصحابها، عابرين المسافات ومتجاوزين الزمن بقوانينه المعروفة، فقد انتقلوا من أوروبا إلى عدة ولايات أمريكية في دقائق قليلة، حينها فقط يعترف تيدي أنه واحد من الأطفال الذين أرسلوا بأمنياتهم إلى بابا نويل لأنه افتقد أباه بشدة وكان يرغب في الحديث إليه، ويؤكد ذلك ما وجدته شقيقته في كتاب سانتا “المؤمنون الحقيقيون”.