“طريق الدم”.. حور عين في انتظار تنظيم القاعدة بالسعودية

أمير العمري

 

“طريق الدم” (Path of Blood) هو الفيلم الذي انتهى المخرج البريطاني “جوناثان هيكر” من إخراجه، أو بالأحرى من توليف صوره ومونتاجه مؤخرا باستخدام أكثر من 500 ساعة من المواد المصورة، وهي مواد حصل عليها مما صادرته قوات الأمن في السعودية عبر سنوات في الفترة من 2003 إلى 2009 من معسكرات التدريب والبيوت السرية التي كانت تابعة لتنظيم القاعدة.

يبدأ التصوير منذ إعلان الحرب على النظام السعودي في 2003، وذلك اتباعا لتعليمات زعيم التنظيم أسامة بن لادن، والفتاوى التي تبرر القيام بعمليات العنف ضد مؤسسات الدولة وقوات الأمن، وخاصة الوجود الأجنبي -وبشكل أكثر تحديدا الأمريكي- في البلد الذي يعتبره المسلمون مهد الإسلام والأرض المقدسة التي تضم الحرمين، حيث يعتبر بعضهم الوجود الأجنبي هناك تدنيسا لتلك المقدسات.

 

معسكرات القاعدة.. مراهقون سعوديون في مرمى الدعاية

يحتوي هذا الفيلم على كثير من مشاهد الدماء والأشلاء والجثث والدمار المادي المباشر الواقع على المنشآت، كنتاج للتفجيرات المحسوبة والمقصودة بهدف الترويع والانتقام والإرهاب، لكنه لا يشبه غيره من الأفلام الوثائقية التي ظهرت عن موضوع الحركات الإرهابية المتطرفة.

يعتمد الفيلم على نوعين من المواد المصورة، أولا اللقطات والمشاهد التي صورها أعضاء تنظيم القاعدة لأنفسهم ولزملائهم أثناء التدريبات العسكرية التي كانوا يقومون بها، أو إنشاء معسكر للتدريب في الصحراء ونشاطاتهم الرياضية معا، واستعداداتهم للعمليات الانتحارية التي سيقومون بها، ثم أثناء القيام بتنفيذ تلك العمليات الإرهابية نفسها، وثانيا اللقطات التي صورتها أجهزة الأمن السعودية خلال الاقتحام والمداهمة لأوكار خلايا القاعدة، ولقطات أخرى التقطتها كاميرات المراقبة التي أُعيد تفريغها وانتقاء ما يصلح منها.

إذن هناك عملية فحص وانتقاء ومونتاج لكل هذا الركام الهائل المليء بالعنف، لكنه يكشف أيضا -وربما للمرة الأولى- عن الطبيعة الإنسانية الحقيقية لهؤلاء الفتية، ومعظمهم من صغار السن والمراهقين الذين أغوتهم الدعاية المتكررة، وخضعوا لما يشبه غسيل الدماغ، فأصبحوا أداة طيعة في أيدي قيادات القاعدة، يسيرون نحو الموت وهم على قناعة بأنهم لم يختاروا الطريق الصحيح فحسب (أي طريق الدم)، بل وعلى يقين من أنهم سيصبحون بين الشهداء والأبرار في جنة الخلد، حيث ينعمون هناك بالحور العين.

أحد رجال التنظيم يغطي وجهه تماما بورقة مكتوب عليها “72 حورية”، في إشارة إلى أن القيام بعملية انتحارية يقابله الوعد بالحور العين

 

“72 حورية”.. إغراء العمليات الانتحارية

إنهم يتضاحكون ويتمازحون أمام الكاميرا دون أن يبدو عليهم أي ارتجاف أو وجل، وكأنهم ذاهبون الى حفل من حفلات العرس.

نفسية هؤلاء الفتية كانت تستحق دون شك مزيدا من التدقيق وتسليط الأضواء عليها من طرف صُنّاع الفيلم، لكن ذلك لم يحدث، مما جعل هؤلاء يبدون في عيون المشاهدين كأبطال أصحاب قضية، لكن ما هي القضية؟ تظل هذه النقطة أيضا غامضة على نحو ما في السياق.

لعل ما يؤكد للمشاهدين طبيعة هذا النوع الجديد من القتلة قتلة الأبرياء وقتلة أنفسهم كما تكشف المشاهد المتعاقبة المصبوغة بالدم، لتؤكد للمشاهدين أننا أمام نوع فريد من القتلة الذين لا يدركون تماما ما يفعلونه. في لقطة ذات مغزى من ضمن اللقطات التي تعكس الذهنية السائدة، نشاهد رجلا في مواجهة الكاميرا يغطي وجهه تماما بورقة مكتوب عليها “72 حورية”، يمسكها بيده اليسرى ويشير بيده اليمنى مبتسما، وهو يشجع من يتطلع إليه على التقدم نحوه.

إنه إغراء واضح بالإقدام على القيام بالعملية التي كلف بها وهي عملية انتحارية، مقابل الوعد بالحور العين.

الفيلم يعتمد على اللقطات التي صورها أعضاء تنظيم القاعدة لأنفسهم أثناء تدريباتهم العسكرية

 

تعليق الفيلم.. وجهة نظر الصانع والإرهابي والمشاهد

هناك مستويان للصوت أو للتعليق الصوتي في هذا الفيلم؛ الأول موضوعي يصدر عن صانع الفيلم وهو يشرح ويصف ويذكر بعض المعلومات عن خلفية المشاهد والصور التي نشاهدها، والثاني ذاتي يطلق عليه صُنّاع الفيلم “الصوت الجهادي”، حيث يصف بعض الأحداث التي نشاهد مقاطع منها من وجهة نظر وفكر التنظيم الجهادي.

لكن الفيلم (الذي يقع في 92 دقيقة) يظل في غالبية أجزائه من دون تعليق، مكتفيا بالصور المباشرة التي نشاهدها، وكثير منها صادم للعين غير المدربة على مشاهدة وتلقي هذا النوع من الأفلام التي لا تحتاج إلى تعليق.

إننا نشاهد كيفية التدرب على صُنع المتفجرات وتفخيخ السيارات والتدرب على إطلاق النار، ومفاجأة قوات الأمن بالتحرك السريع خارج السيارة، ثم بالتقلب على الأرض قبيل إطلاق النار، واستخدام السلاح الأبيض في قطع الرؤوس.

واحد من فتية التنظيم، فمعظمهم من صغار السن والمراهقين الذين أغوتهم الدعاية المتكررة وخضعوا لما يشبه غسيل الدماغ

 

القهوة الأخيرة.. شعور الطريق إلى العمليات الانتحارية

كما نرى في أحد المشاهد التي صورها الجهاديون أنفسهم مهندس المروحيات الأمريكي “بول مارشال جونسون” وهو يخضع للتعذيب على أيدي شباب القاعدة بعد اختطافه واحتجازه رهينة عام 2004، فنراهم وهم يستجوبونه معصوب العينين، ثم يهددونه ويتهمونه بالكذب ويضربونه، ثم يضعون شريطا لاصقا فوق فمه. هنا يفضل مخرج الفيلم الانتقال إلى شاشة سوداء حتى لا نراهم وهم يقطعون رقبته، بل نظل نسمع أصواتهم فقط ومنها صوت صراخه الأخير.

في الفيلم بعض المشاهد التي تشير إلى أننا أمام مجموعة من الصبية الذين لا يدركون تماما ما يفعلونه، ولا حتى الدافع للإقدام على ما يقومون به، فأمام الكاميرا مباشرة في بداية الفيلم نرى شابا صغير السن جميل الطلعة يضحك ويمزح مع من يصوره وهو يطلب منه أن يصف له أمام الكاميرا شعوره وهو في طريقه للقيام بعملية انتحارية، فيتهرب الفتى ضاحكا ساخرا من السؤال، ويطلب مزيدا من القهوة.

وعندما يكرر عليه الرجل السؤال، ويطلب تسجيل إجابته، يقول إنه لا يفهم السؤال، ثم يحتج ضاحكا على تقديم القهوة له في نفس الكوب الذي كان يشرب منه، بينما هناك 20 كوبا آخر كما يقول. ومع إعادة السؤال بصيغة أخرى يعترف ببساطة بأنه لم يلقن الإجابة على مثل هذا السؤال.

في النهاية يطلب منه شخصان ملثمان الوقوف وسطهما وهو يحمل سلاحه، بينما يحمل كل منهما قاذف قنابل.

أحد التفجيرات التي وقعت في ثلاثة من المجمعات السكنية في أماكن مختلفة من الرياض في وقت واحد عام 2003

 

اشتباك في محطة الوقود.. مصرع زعيم القاعدة

هناك أيضا لقطات للتدريبات على العنف يقودها شخص يعتقد أنه عبد العزيز المقرن زعيم القاعدة في السعودية، وفي مشهد آخر نشاهد بعض الفتية وهم يمارسون سباقا للجري في الصحراء في نشاط ترفيهي، ومشهد آخر لالتفاف مجموعة منهم حول وليمة في الصحراء، حيث يتناولون لحم خروف مشوي.

ويتضمن الفيلم كثيرا من الشرائط الدعائية التي صورها التنظيم، كما يتضمن بعض التفاصيل الخاصة بمراقبة الأهداف التي يعتزمون الهجوم عليها، فنشاهد سيارة الاستطلاع، وكيف ترصد الهدف وطبيعة حراسته، ونشاهد بعد ذلك تفجيرات وقعت في ثلاثة من المجمعات السكنية في أماكن مختلفة من الرياض في وقت واحد عام 2003، ثم الهجوم على منشأة نفطية ومجمع سكني في مدينة الخبر.

وكان وراء تلك العملية عبد العزيز المقرن الذي تمكنت قوات الأمن السعودية فيما بعد من قتله في محطة تزويد السيارات بالوقود مع ثلاثة من رفاقه أعضاء التنظيم.

فريق التنظيم الذي دبر لاغتيال الأمير محمد بن نايف وزير الداخلية السعودي عام 2009

 

هدية معطرة.. محاولة اغتيال الأمير محمد بن نايف

في لقطات كاشفة يتتبع الفيلم العملية التي دبرها التنظيم لاغتيال الأمير محمد بن نايف وزير الداخلية السعودي عام 2009، وذلك عبر الاعترافات التي أدلى بها شخص تظاهر بأنه جاسوس على القاعدة في اليمن، ونجح في مقابلة الأمير، وأقنعه بوجود مجموعة كبيرة من أعضاء القاعدة السعوديين في اليمن يريدون تسليم أنفسهم وإعلان توبتهم، شريطة عدم التعرض للسجن أو الظهور على التلفزيون.

يوافق الأمير على الصفقة، بل يأخذ في التواصل مع زعيم هذه الخلية في اليمن كما تكشف التسجيلات الصوتية، ثم نرى هذا الشخص نفسه وهو يمسك بالقنبلة الصغيرة التي يستخدمها في اغتيال الأمير محمد بن نايف، وهو يقول إنها ستكون هديته للأمير، وإنه سيعطرها قبل أن يعطيها له.

ويعيد الفيلم بناء العملية عبر تصوير مقر الأمير بن نايف قبل التفجير الانتحاري وبعده، وقد قام به هذا الشاب في مقر الأمير بجدة باستخدام قنبلة أخفاها داخل جسده، وفجرها باستخدام الهاتف الجوال، لكن العملية فشلت، وقتل فيها المهاجم، وأصيب الأمير بجروح طفيفة.

يصور الفيلم كيف أنشأ الأمير محمد بن نايف -الذي اعتبره تنظيم القاعدة الهدف الأول لهم في المملكة- نظاما أطلق عليه “المناصحة”، وذلك لإعادة تثقيف وتأهيل المقبوض عليهم في قضايا الإرهاب من أعضاء القاعدة من الشباب، وإقناعهم بخطأ الأفكار التي تلقوها عن الإسلام والجهاد. وفي مشهد آخر نرى كيف جمع ولي العهد في ذلك الوقت الأمير عبد الله بن عبد العزيز عددا من رجال الدين، وأبلغهم أن من لا يُدين إرهابيي القاعدة سيُعتبر منهم.

الفيلم يصور كيف أنشأ الأمير بن نايف نظاما أطلق عليه “المناصحة” لإعادة تثقيف المقبوض عليهم من أعضاء القاعدة

 

موضوعية الفيلم.. سلاسة السرد واعتزال الصور النمطية

رغم توفر مادة بصرية كبيرة لصُنّاع الفيلم، فقد حاول المخرج دائما أن يحافظ على سلاسة السرد وتدفقه باستخدام المواد المصورة التي توفرت له، والربط بين تفاصيل ما يجري داخل معسكرات تدريب شباب القاعدة، وما صورته ورصدته الأجهزة الأمنية قبل وقوع العمليات وبعدها. لكن الفيلم لا يجري دائما على نفس الوتيرة وبنفس الإيقاع، فهناك قدر من العشوائية والاضطراب يعاني منه الجزء الأخير.

ينتهي الفيلم نهاية مفتوحة تشير إلى أنه رغم نجاح قوات الأمن في الحد من ظاهرة القاعدة، فإنها مستمرة حتى إشعار آخر.

وعلى الرغم من وجود ملاحظات سلبية على شكل السرد، يعتبر فيلم “طريق الدم” عملا جريئا بُذل فيه الكثير من الجهد، وحاول مخرجه توخي الموضوعية وترك الصور واللقطات وحدها هي التي تتحدث، مبتعدا عن إصدار الأحكام المطلقة، أو التعرض للعقيدة الإسلامية سواء بالدفاع أو الهجوم.

كما لا يتضمن الفيلم مقابلات مع أطراف أخرى مثل المحللين أو المسؤولين الأمنيين أو الإرهابيين التائبين على غرار ما نشاهده عادة في مثل هذا النوع من الأفلام، بل ترك أعضاء التنظيم وبعض ضحايا التفجيرات هم فقط الذين يتحدثون، وربما في هذا تكمن قوة الفيلم وضعفه في آن واحد.