نتفليكس.. هل تَقتل الدراما بعد مسلسلها التفاعلي “بلاك ميرور”؟

أسامة صفار

" بلاك ميرور" يقترب بتفاعليته من "ألعاب الحاسوب"، ويزيل ذلك الفارق الذي كان واضحا بين "ألعاب الفيديو" والمسلسلات

يسمع المبرمج الشاب صوتا قادما من رأسه، بينما يتحرك من سريره باتجاه مرآة كبيرة في غرفته.. يقول الصوت “المرايا تأخذك عبر الزمن”، ويلمس المرآة بيده فتختفي أطراف أصابعه، فيدفع بها إلى داخل المرآة أكثر فتختفي يده كلها، فيدلف بجسده كاملا داخل المرآة ليخرج من الجهة الأخرى طفلا، تتحدث إليه أمه في محاولة لثنيه عن رغبته في البحث عن لعبته لأنها يجب أن تخرج في موعد عاجل، فيرفض ويهدر الوقت، فتخرج وحدها ويأتيه الخبر أن الأم ماتت بعد أن تعرضت لحادث نتيجة القيادة بسرعة لتلحق بموعدها، ويغرق الطفل في الشعور الممتد بالذنب.. ويخرج من المرآة إلى زمنه مرة أخرى.

هكذا تبدأ الحلقة التفاعلية الأولى من مسلسل “المرآة السوداء/بلاك ميرور” (Black Mirror) حيث يقوم المبرمج الشاب ستيفان بتلر بتطوير لعبة حاسوب مأخوذة من رواية “باندرسناتش” (Bandersnatch) -وتتميز الرواية بأنه يمكن للقارئ أن يحدد مسارات الحكاية بداخلها- ويحمل فكرته إلى شركة للبرمجيات وتقبل الشركة التعاون معه، ويبدأ في تنفيذ لعبته على أن تكون الخيارات خلالها متاحة. وكلما تقدم في اللعبة تشابهت مع حياته، لكنه يبدأ في ملاحظة أنه ليست كل الخيارات متاحة، فثمة جزء يبقى دائما خارج السيطرة وهو ما يستفزه ويسوقه إلى حالة جنون.

وكما أشار السيناريو الذي كتبه تشارلي بروكر إلى تعدد الخيارات في الرواية المأخوذة عنها اللعبة، وكما قرر البطل أن تكون لعبته متعددة الخيارات، فإن حلقة المسلسل الجديد جاءت لتفتح باب الاختيارات للمشاهد حيث يترك مقعده أمام الشاشة لينتقل إلى مقعد المؤلف أو القائد أو السائق المشارك –على الأقل– فيحدد نهايات وبدايات وموسيقى ومأكولات وطرق للقتل وأشخاص للقتل أيضا..

 

المشاهد.. حين يشارك في الصنعة

يتكون مسلسل ” بلاك ميرور” من حلقات منفصلة متصلة يكاد يكون كل منها فيلما مستقلا، ومدة الحلقة حوالي 42 دقيقة. أما الحلقة الخاصة فتصل إلى ساعة واحدة و15 دقيقة، وعرض المسلسل أول مرة في بريطانيا عام 2011.

ورغم النجاح الكبير للمسلسل وتقييمه من كافة جهات النقد بأنه الأفضل من بين ما ينتج تلفزيونيا، فإن هذه الحلقة بشكل خاص شوهدت خلال ثلاثة أيام من قبل ثلاثة ملايين مشاهد وأثارت -وما زالت تثير- الجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي فضلا عن الصحافة والنقد السينمائي والفني.

والمعطى الوحيد الجديد في ذلك الإصدار المثير هو تلك “التفاعلية” التي تسمح للمشاهدين باختيارات سردية تحدد توجهات القصة عبر العديد من المسارات، أما الحكاية نفسها فهي عادية جدا وإن جاء التناول بالإتقان والجودة والذكاء المعتاد من بروكر حيث يرى المشاهد عالما موازيا في زمن مختلف لكنه يفاجأ بنفسه داخله عبر همومه وانشغالاته وقضاياه.

ويقترب ” بلاك ميرور” بتفاعليته من “ألعاب الحاسوب”، ويزيل ذلك الفارق الذي كان واضحا بين “ألعاب الفيديو” والمسلسلات. وبدلا من أن ينتظر المشاهد ويفاجأ ويصاب بالدهشة ويستمتع بالكشف عما كان مجهولا داخل طيات الدراما، فإنه سوف يصنعها بنفسه. ولكن هل يبقى من الدراما شيء بعد أن تغيب الدهشة؟

والسؤال السابق ليس الوحيد الذي تثيره تلك الخطوات المتسارعة لـ”نتفليكس” في إعادة صياغة أشكال وقوالب الترفيه في العالم، فقد أقدمت على البث عبر شبكة الإنترنت وحققت انتشارا يهدد وجود “دور العرض” كمساحة عامة للمشاهدة والاستمتاع، وبالتالي يهدد المبرر الأهم لإقامة المهرجانات السينمائية في العالم ويقدم وعداً بموت السينما لصالح ملف ديجيتال يمكن مشاهدته عبر شاشة الحاسوب المحمول أو حتى الهاتف الجوال، وهو أمر يتجاوز مسألة الترفيه إلى إعادة تعريف العالم والمجتمع طبقا للمساحات الفاصلة بين أفراده الذين يتحولون مع الشاشات الصغيرة والأصغر إلى شظايا تفصلهم المسافات التي يموت الدفء خلالها ويموت معنى المجتمع فيها ليصير البقاء للفرد وشاشته في مكان مغلق.

الكاتب الروسي أنطون تشيخوف يقول "الدراما فن مصفّى"

إعدام الدراما.. أين تكمن الدهشة؟

لا يمكن بأي حال اعتبار العروض التلفزيونية فنا بصريا خالصا، بل على العكس فإن عماد وجود هذه العروض هي الدراما التي تعني الصراع والتطهّر والإمتاع والتسلية وإثارة الدهشة عبر تحولات مفاجئة للمشاهد تنقله من الحزن إلى الفرح والعكس وتضع أعصابه على صفيح ساخن.

والدراما نوع من التعبير الأدبي يؤدَّى تمثيلا في المسرح أو السينما أو التلفزيون أو الإذاعة، ويجتمع في هذا النوع من التمثيل خليط من الضحك والجد والواقع والخوف والحزن، وتهتم القصص الدرامية غالبا بالتفاعل الإنساني.

يقول الكاتب الروسي أنطون تشيخوف “الدراما فن مصفّى”. ولأننا نعرف أن الفن هو الحياة والخيال المصفى؛ فإن الدراما تصبح صفوة المصفى، وهو ما يعني استبعاد كل ما يمت للمطّ والتطويل وخفة المعنى والإبقاء على “جوهر الصراع” مشتعلا من المقدمة وحتى النهاية.

ومن البديهي أنها تتعلق بالبناء وليس بالمحتوى، وتشبه الروح الإنسانية وتجذبها بذلك الشبه فتصنع الدهشة والاستمتاع بالجمال، وتستخدم في ذلك أدوات مثل التشويق والذروة والعقدة والصراع وغيرها من مستلزمات الدراما، وهذا الأمر ينتفي تماما حين يضغط المشاهد على “جهاز التحكم” فيذهب إلى اختيار يعرف تفاصيله.

وحين يذهب المشاهد إلى اختيار نوع المشروب الذي يتناوله البطل أو نوع الطعام فإنه لا يكتفي بتقمصه في المتخيل، وإنما ينفذ هذا التقمص على مستوى ما، ومن ثم حين يختار بين التعنيف والقتل -في جزء ما من العمل- فإنه لن يتفاجأ أو يخاف من أحد الخيارين، ولن يندهش إذا استبدل التعنيف والقتل بالغفران والتجاوز لأن هذا الاحتمال ليس واردا ضمن الاختيارات التي أتاحها صناع العمل.

في كل الأحوال ستقل الدهشة المرتبطة بالدراما وتبقى الدهشة المرتبطة بجمال الديكور وحلاوة الأداء وعظمة أن يختار الشخص بنفسه تفاصيل “لعبته المكشوفة” وليست لعبة “استكشاف واستمتاع بعوالم الآخرين بحثا عمن يشبهنا”.

مسلسل " بلاك ميرور" يتكون من حلقات منفصلة متصلة يكاد يكون كل منها فيلما مستقلا، ومدة الحلقة حوالي 42 دقيقة

حرية الاختيار أم متعة الاكتشاف؟

المسلسل التفاعلي ليس إلا “لعبة فيديو” تم تصميمها وتنفيذها وتمثيلها بواسطة بشر يصنعون كل احتمالات الاختيار لدى مشاهد يمكنه أن يشاهد “باندرسناتش” في دقيقتين كما يمكنه أن يشاهده في خمس ساعات أو أكثر، والأمر كله يخضع لاختياراته ومحاولاته لاختبار كافة الاختيارات.

ولعل سؤال تأثير التكنولوجيا على الإبداع وعلى الذائقة الإنسانية وأشكال الترفيه كان حاضرا بقوة منذ اختراع التلفزيون والتطور المستمر في السينما، لكن تلك الاكتشافات والاختراعات الجوهرية التي تؤدي إلى تحولات كبرى أو خلق فنون جديدة واندثار أخرى هو السؤال الأهم الآن، كما يفترض أن نعيد طرح السؤال عن حرية الإرادة والاختيار وإلى أي حد يمكن لتلك الاختيارات أن تكون “كابوسا” فتُفقد الإنسان متعة الاكتشاف والمفاجأة.

ولا تقل أهمية وخطورة التطوير التكنولوجي الذي شهدته صناعة ” بلاك ميرور” عن أهمية وخطورة اكتشاف المونتاج السينمائي الذي تم بواسطة صانع السينما الرائد والأهم في العالم بودوفكين عام 1920، فكما حوّل اكتشاف المونتاج السينمائي إلى قصص وحكايات وأفلام وبالتالي إلى صناعة هائلة وفن له مريدوه وعشاقه، فإن انتقال المشاهد من مقعده إلى مقعد القائد والموجه في العمل الفني -سواء أكان فيلما أو مسلسلا- عبر التحكم في مساراته واختيارات أبطاله هو تحوّل هائل قد يُنتج أشكالا فنية أخرى، لكنه –حتى الآن– لا يكشف إلا عن إعدام الدراما بثوابتها أو صناعة “ألعاب تلفزيونية”.

ويعد “باندرسناتش” هو الصدمة الحضارية التكنولوجية الثانية في تاريخ الإنتاج الدرامي التلفزيوني، إذ كان للعبة الفيديو اليابانية الشهيرة “باك مان” (Pac-Man) دورا مهما في انتقال الجمهور من متابعة الدراما إلى البلاي ستيشن وصدرت لأول مرة في اليابان عام 1980 وأصبحت واسعة الانتشار والشهرة، وهي مثال حي لثقافة عقد الثمانينيات. وتحولت إلى ظاهرة اجتماعية في وقت صدورها باليابان والولايات المتحدة وبيعت العديد من المنتجات الترويجية لها، وصُنع لها مسلسل رسوم متحركة بالإضافة إلى أغنية بوب بقائمة أفضل أربعين أغنية (Top 40)، ولقد طورت من شكلها التقليدي كلعبة إلى الرسم الثلاثي الأبعاد وصُممت ألعاب مختلفة لشخصية باكمان.

ويبقى نجاح مسلسل “بلاك ميرور” -وما قبل ذلك تجربة “باندرسناتش”- نموذجا يستحق الاحتفاء به عبر دراسة نمط التفكير والإتقان وارتباطه بالمُشاهد وقضاياه. ويناقش المسلسل بشكل عام فكرة القهر الواقع على الإنسان كفرد، ومن موضوعات حلقاته “مواقع التواصل الاجتماعي” و”التقنية التي يمكن ارتداؤها” (مثل النظارات الذكية) و”برامج مسابقات استعراض المواهب” و”برامج تلفزيون الواقع”.