“مينداناو”.. نظرة جديدة للإسلام في السينما الفلبينية

عبد الكريم قادري

من المعلوم أن السينما الفلبينية لها تاريخ معقول، فقد سايرت بداية السينما في العالم، ووصلت إلى النضج الفني في خمسينيات القرن العشرين، وهو العصر الذهبي بالنسبة لها، مما يوحي بأن هناك تجارب ومحاولات قبل هذا التاريخ وبعده يُحتّم عليها نقل التنوع الثقافي للأقليات الدينية واختلافهم، ومن بين تلك الأقليات المسلمون.

لكن السينما الفليبنية لم تفعل ذلك، حتى خرج المخرج “بريلنتي ميندوزا” عن السياق السائد والمألوف في بلده، ليقدّم فيلما في غاية الأهمية تحت عنوان “مينداناو” (2019)، وقد عُرض الفيلم لأول مرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمسابقة الدولية في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ41 (انعقدت 20-29 نوفمبر/تشرين الثاني 2019).

يُعتبر فيلم “مينداناو” من بين الأفلام النادرة التي قدّمت الصورة الحقيقية للمسلم دون تحامل أو محاكمة، وتعاملت معه بإنسانية كبيرة شجّعت من خلالها المشاهد على النظر إلى الفرد دون الاحتكام إلى الصور الجاهزة التي يبثها الإعلام يوميا، وهو ما خلق نوعا من التمييز الديني بين أفراد المجتمع الواحد وخلق الكراهية والأحقاد بينهم، وخير مثال على ذلك ما حدث ويحدث للروهينغا في بورما من فظاعات يندى لها الضمير الإنساني.

 

فن التحريك.. مزج بين الأسطورة والواقع

يمتلك المخرج “بريلنتي ميندوزا” آليات السينما ورؤاها التي تعكسها طريقة معالجته المغايرة، وأسلوبه الفني الساحر الذي يُلائم محور العمل، بالإضافة إلى إنسانية القصة وتنوعها العاطفي، مما ولّد الكتلة الجمالية العامة في الفيلم، والتي جاءت عن طريق العديد من العناصر والركائز، لتشكل في مجملها وانسجامها ما يُسمى بشكل عام “الفيلم”، وهذا بعد أن تلاعب المخرج بإيجابية في شكل الفيلم، مما جعله عصيّا على “التجنيس”، بحكم أنه مزج بين فن التحريك الذي روى من خلاله أسطورة أو ملحمة “مينداناو”، وبين الواقع الذي قدّم به آلام الأم “سايما” وأحزانها التي تتمثل في معايشة آخر أيام طفلتها “أيسا” ذات الـ4 سنوات والمريضة بالسرطان.

إنه مزج بين الجنسين السينمائيين حسب كل حدث أو سياق في قصة الفيلم ومنعرجاتها، وكأن المخرج استعان بالملحمة التاريخية وجسّدها في “فن التحريك” لتقارب الموضوعين، خاصة وأن قصة التحريك تتمحور حول تنينين شريرين يلتهمان كل الناس والأطفال، إلى أن جاء السلطان وعقد معهما اتفاقا يقضي بأن ينجب طفلة، وعندما تكبر وتصبح مراهقة يأخذها ويلتهمها، لكن السلطان غيّر رأيه بعد أن كبرت السلطانة، لهذا قام بإرسال ابنيه “راجا” و”سليمان” للقضاء على التنينين، فلم يرجع من الأميرين إلا أمير واحد، لكنهما استطاعا أن يقتلا التنينين الشريرين، ويُنقذا السلطانة وشعب “مينداناو” من شرهما، غير أن الأمير حزن كثيرا على فقدان أخيه.

لكن وحسب سياق القصة فإن هذا الحزن لا يخدم ذكرى أخيه المتوفى، لهذا قرر أن يتذكره بخير، أما القصة الأساسية التي تستفيد من الملحمة المذكورة فهي الأم “سايما” التي تواجه مرض طفلتها وحدها، خاصة وأن زوجها المنخرط في الجيش منشغل بالمعارك التي يخوضها ضد الجماعات المتطرفة، وهذا ما حتّم عليها الإقامة في “دار الأمل” التي تُعنى بهذا النوع من الحالات، وهي من حيث المسافة قريبة من المستشفى التي تعالج فيه طفلتها.

الأم الرواية”سايما” في أحد المشاهد

 

الأسطورة في مَشاهد.. حالة من التصوف

وخدمة لقصة الفيلم وشحنا للأحاسيس؛ تتم الاستعانة من حين لآخر بمشهد معين من الأسطورة المُصاغة في “فن التحريك”، والتي ترويها الأم “سايما” لابنتها من حين لآخر على لسانها شفاهيا.

كان المخرج يعي جيدا بأن السينما هي صورة بالأساس، لهذا قام بصياغة هذه الأسطورة في مَشاهد، مع الاستعانة بالأم كَـ”راوِيَة” لتكون مفتاح دخول لها، مما أدخل الفيلم في حالة من التصّوف، حيث استطاع المخرج أن يوصل للمتلقي فكرة أن مصير السلطانة في القصة الخيالية مربوط بشكل أساسي بمصير  الطفلة “أيسا”، وإن نجت الأولى فستنجو الثانية بالضرورة، لكن هذا لم يتم، واستطاع الأخوان في الأسطورة أن يُنقذا أختهما السلطانة من التنينين، لكن الطب الحديث لم يستطع أن ينقذ “أيسا” من السرطان، ليتحول الأخير إلى معادل موضوع للتنينين الشريرين.

الأم “آيسا” في “دار الأمل”

 

بعيدا عن النمطية.. حديث الإمام والراهب

لم يكن المسلم في هذا الفيلم هامشا بل كان متنا، فكانت الأم وزوجها العسكري وابنتهما مسلمين، والأهم في الفيلم أنه لم يبثّ تلك الصورة “الكاريكاتورية” أو “المصطنعة” عن المسلم، الذي دائما ما يكون -حسب معالجة العديد من الأفلام- إرهابيا ومتطرفا وزير نساء ومُتخلّفا.

لكن الفيلم قدّم المسلم على أنه شخص معتدل يقوم بواجبه العسكري على أكمل وجه، رغم أن باقي فريقه غير مسلمين، وهذا ما ورد على لسان أحد زملائه بعد أن تم القضاء على مجموعة متطرفة مسلحة، حيث أراد أن ينزع عليه الثياب ويمثل به، لكن المسلم احتج على هذا التصرف بحكم أن أشلاءه ستخرج، لهذا قام بترتيب هندام المقتول وإغماض عينه رغم أنه متطرف ومُسلح خطير، وذلك في خطوة شجاعة جدا من المخرج، ليقدم صورة عن التسامح وأهميته بين جميع فئات المجتمع ومكوناته، كما أنه عكس أهمية هذا العسكري الذي لم يتنصّل من واجبه رغم قرب دنو أجل ابنته، وتحمل مسؤوليته كاملة وغير منقوصة، ولم يعُد إلا بعد انتهاء مهمته العسكرية، لكنه عند العودة لم يلحق موعد الدفن.

ومن الصور الأخرى التي تدعو وتشجع على التسامح هي “دار الأمل” التي يجتمع فيها المسلم والمسيحي وأصحاب ديانات أخرى، حيث يقومون بتنظيم جلسات جماعية يتكلم فيها الراهب والإمام دون عقدة أو رفض للآخر. من هنا تتجلى رسالة المخرج “بريلنتي ميندوزا” القوية، التي يدعو فيها إلى السلام بين الشعوب والديانات، لأنه السبيل الوحيد للانسجام والعيش.

الممثلة الفلبينية “جودي آن سانتوس” تحمل ابنتها المصابة بالسرطان

 

“آن سانتوس”.. انعكاسات تجربة ثرية

تمتلك الممثلة الفلبينية “جودي آن سانتوس” العديد من المهارات والمواهب، فهي عارضة أزياء ومغنية وطاهية مثلت في العديد من الأفلام والمسلسلات الفلبينية. هذه التجربة الثرية عكستها في دور الأم “سايما” الذي لعبته في فيلم “مينداناو”، حيث جعلت المُشاهد يُحسّ بالألم الكبير الذي تشعر به هذه الأم وهي تُصارع من أجل إنقاذ ابنتها من “الغول/السرطان” الذي أصاب طفلتها الصغيرة، لكنها لا تقوى على مجابهته، خصوصا وأنه استفحل في جسدها. ورغم هذا الألم الكبير فإن الممثلة لم تنهَر، بل بقيت محافظة على رباطة جأشها لأن الكل بحاجة لها، بالإضافة إلى الصبر الذي تتحلّى به.

وبمجرد النظر إلى تقاسيم وجه “آن سانتوس” في الفيلم تستطيع أن تلحظ هذه الأحاسيس والانفعالات مُرتسمة على وجهها، وهذا ما يعكس الموهبة التي تملكها هذه الممثلة، مع حسن تدبير المخرج الذي استطاع أن يُخرج العديد من الأشياء التي فيها، بالإضافة إلى أنه يُدخلها في إحساس الأم المسلمة المتألمة المجروحة.

واستطاع هذا الدور أن يجلب للممثلة “جودي آن سانتوس” جائزة أحسن ممثلة بالدورة الـ41 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، كما حصل الفيلم على جائزة هنري بركات لأحسن إسهام فني.

المخرج “بريلنتي ميندوزا” في إحدى المهرجانات السينمائية

 

تجربة سينمائية قوية رغم قصر عمرها

يمتلك المخرج “بريلنتي ميندوزا” تجربة سينمائية قوية رغم قصر عمرها، فهو أول مخرج فلبيني ينافس ويفوز في العديد من المهرجانات السينمائية العالمية الكبرى، فقد نافس فيلمه “أسير” في مهرجان برلين السينمائي الدولي عام 2012، ورُشح فيلمه “لولا” لجائزة الأسد الذهبي لمهرجان فينيسيا عام 2009.

وقد سبق له أن فاز بجائزة أفضل مخرج في مهرجان كان السينمائي الدولي عن فيلمه “كيناتاي” عام 2009، كما حصد فيلمه “الأم روزا” جائزة أفضل ممثلة من مهرجان كان السينمائي الدولي.