“تَحت التَّحت”.. الغوص في أعماق بيروت القاسية المراوغة

قيس قاسم

 

تخوض المخرجة اللبنانية سارة قصقص في وثائقيها “تَحت التَّحت” مغامرة البحث عن تفاصيل مدينة بيروت في لحظة انكفائها الذاتي المحزن، وذلك عبر ثلاث شخصيات تعيش أوضاعا مزرية، وتعاني من الاختناق والوحدة.

الفقر ليس وحده من يجمعهم، بل المدينة ذاتها المهددة بمشاكلها وعجزها عن توفير مناخ سوي لسكانها، فتغدو بذلك عبئا على نفسها وعلى الآخرين.

هكذا تبدو المدينة والشخصيات الثلاث التي كرّست صانعته جهدا لالتقاط تفاصيل عيشهم اليومي في مكان يلفظهم، ومع ذلك أصروا على المكوث فيه على أمل تحسّن أحوالهم، واقترابهم يوما ما من مساحاتها المريحة.

أمنيات تعاند اليأس وتُكرّس الإنساني عند سائق سيارة الأجرة “أبو حسام” الذي هرب من مخيم شاتيلا، واختار العمل والنوم داخل سيارته، فيما يأمل الصبي السوري “علي” في ملاقاة صديقه الأقرب بعد أن تركه وحيدا يواجه عالما صعبا، لا فرصة للهروب من مواجهته إلا باللجوء إلى البحر، وبعض ما يوفره من صداقات عابرة ومأوى مفتوح على عراء، لكنه يظل عرضة للتَغيُّر مثل حركة أمواجه، فيما تأمل سامية اللبنانية في بيت أنظف لعائلتها، ومكان مريح لقططها.

 

بيروت.. بلد مأزوم وسكان خائفون

ثلاث حيوات أرادت عبرها قصقص عَكْس أحوال بلاد مأزومة سكانها خائفون من مواجهات محتملة، ومن شحّ في الخدمات تدفع حتى الأوفر حظا فيها إلى التذمر والشكوى من غياب دولة تلاشت فعاليتها منذ زمن بعيد، وما عادت قادرة على إقناع أحد بوجودها.

“تَحت التَحتَّ”؛ عبارة مكثفة تُحيل إلى معنى مؤلم، وتعبير ضمني عن أقصى درجات البؤس الاجتماعي، وهي عبارة وردت على لسان السائق أبو حسام، ثم صارت عنوانا لفيلم تبنّاها واستقر على رصد ذلك القاع الذي تشير إليه.

مدينة بيروت في “تَحت التَحتَّ” لا تشبه بيروت السياحية الشكلية المظهر، فهي في الفيلم مدينة تُخفي جوانب من عالمها البشع، وتخجل من فقر سكانها، فيما تُصرّ كاميرا مصوره “جو سعادة” على التقاطها بحيادية، والقبول بها بوصفها جزءاً من واقع مرشح أن يعم، وحينها ربما لن يعود القاع استثناء.

هذا التوصيف الاستباقي المتشائم تأتي بعض واقعيته في سياق مضمر التقطته قصقص، وذلك من تذمر سكانها وشكواهم من شحّ الماء وانقطاع الكهرباء وقلة الخدمات التي وردت في عدد من المقابلات الإذاعية، والتي استطاعت أن توثقها في سياق سينمائي أجلى مخاوفهم من المستقبل وعجزهم التدريجي عن تأمين مستلزمات الحياة، واستسلامهم أمام خراب مدينتهم، والتشويه المجتمعي الحاصل فيها ولا سلطة لهم عليه.

المقاطع الإذاعية سوية مع اللقطات المصورة لبعض الأقسام المُشوّهة من بيروت والمُحاطة بالقاذورات؛ تفرش الطريق أمام الوثائقي، وتسهل عليه السير نحو اكتشاف عوالم تستحق التوقف عندها وتأمّل الإنساني فيها، لا إلى نبذها والتعامي عن وجودها. وبهذا المعنى يمثل “تَحت التَّحت” كشفا وقراءة مختلفة لمدينة عصية مراوغة قادرة على إخفاء عيوبها، والإصرار على تقديم نفسها بالصورة التي تروق لها.

صورة بانورامية لمدينة بيروت التي سُميت بالفيلم “تَحت التَحتَّ”، والتي تُعبر ضمنيا عن أقصى درجات البؤس الاجتماعي

 

في ساحة المدينة.. شخصيات تقاوم الموت قهرا

لا يكرّس الوثائقي فصولا منفردة لكل واحدة من شخصياته الثلاث، بل يذهب لمداخلتها فيما بينها، معتبرا أن مسار حياتهم اليومية مجتمع في مساحة المدينة التي يقاومون موتهم قهرا فيها، فحيواتهم لا تنفصل عن العالم المحيط بهم، لكن خصوصيتهم لها الفرادة.

لا نعرف كيف استقرت المخرجة اللبنانية عليهم دون غيرهم من النماذج التي تشبههم، لكن المؤكد أنهم يتمتعون بخصال مذهلة، فمستوى السيطرة عليهم تبدو يسيرة وفق انسيابية تحركهم أمام الكاميرا، مما يشي بثقتهم بمخرجة العمل، وفي الوقت نفسه فإن المخرجة لديها موهبة الإقناع، وهي على معرفة كيف تترك مسافة معقولة بينها وبينهم، لهذا نسوا أنهم “يمثلون”، ونسي بشكل خاص “أبو حسام” دوره كممثل في الحياة نفسها، فهو ميّال بطبعه إلى مسرحة حياته والسخرية بصوت عالٍ من كل المواقف التي يمر بها.

أبو حسام رجل التشرد فيه فطري، فالتشرد بالنسبة له نوع من مقاومة قسوة حياة، ورفض الخضوع إلى قواعد اجتماعية يكرهها، وتشير زيجاته المتعددة عليها، وأيضا علاقته المقطوعة بأولاده الذين لا يجرؤ على الاقتراب منهم، لقد تركهم كما ترك مخيمه؛ لا استنكافا بل هربا من حالة الاختناق التي يشعر بها داخله.

يعترف أبو حسام بلغة تميل إلى التفلسف بأن سكان المخيم يعانون من تمزقات نفسية بسبب ما مروا به من حروب وما شاهدوه من أهوال، فمعسكر صبرا وشاتيلا عرف المذابح والغزو الإسرائيلي والعزل الاجتماعي.

سائق سيارة الأجرة “أبو حسام” هرب من مخيم شاتيلا، واختار العمل والنوم داخل سيارته بسبب الأوضاع الصعبة

 

أبو حسام وسامية.. مقاومة وهمية للضغوط

أبو حسام مثله مثل السيدة اللبنانية سامية، فكلاهما مُبتلى بإدمان الخمر، فهو يشربه داخل سيارته دون خوف من محاسبة، ويحيل انفلات سلوكه وقلة لياقته إلى غياب الدولة التي ربما بسببها يتمادى في تناول المُسكرات أمام الركاب دون وجل.

أما سامية فبرغم فقرها وابتلائها بمرض والدتها والتزامها بإعالة عائلة بمرتب عاملة منزل بسيط، فإنها تلجأ هي الأخرى إلى الخمر كحلّ لتخفّف به بعض ما تعانيه من ضغوط، لتبقى هي الوحيدة بين الشخصيات الثلاث التي تعيش تحت سقف بيت بائس.

الصبي السوري “علي” يعيش في العراء، فقد أصبحت بيروت مأواه الأخير بعد أن ترك سوريا بسبب الحرب هناك

 

السوريّ.. من جحيم الحرب إلى جحيم بيروت

يعيش الصبي السوري “علي” في العراء، يفترش الأرض القريبة من البحر ويتغطى بسماء بيروت التي لم يعد قادراً على تركها، فهي بالنسبة إليه مأواه الأخير بعد أن أصبحت الحرب في بلاده لا تسمح له بطرح فكرة العودة إليها ثانية.

بالسباحة والسير وحيداً في شوارع المدينة يبدد “علي” وحدته وخوفه من المحيط الخارجي الرافض له، حاله حال آلاف السوريين المهاجرين، فهو يتعرض في شوارعها وفي عتمة الليل للتحرش الجنسي والضرب، لكن ذكريات صداقات الطفولة هي ما تُبقيه متماسكا، وطبعا الأمل بلقاء صديقه الغائب الذي صار يكرر غيابه، فتزادد عليه آلامه وأحزانه.

السوري في “تَحت التَّحت” جزء من مشهد مدينة بيروت التي جاء إليها هاربا من حجيم الحرب، إلى مكان وجد نفسه يعيش فيه دون توفر الحد الأدنى من مستلزمات العيش الكريم. علاقة السوريين محصورة فيما بينهم، فهم يبددون يومهم بالمشتركات التي عندهم، ويقامون ضغط الخارج بالقليل الذي يصنعونه بأنفسهم، وبعلاقات عاطفية أحيانا تلهيهم وتغنيهم عن الآخر المتجاهل والرافض وجودهم.

الشخصيات السورية الجانبية في الوثائقي المتماسك والعميق مثل الصبي علي؛ تلجأ دوما إلى البحر، كونه مساحة مشاع توفر مياهه لهم متعة مجانية هي عندهم بديل عن شُحّ ما يملكون.

قوة “تَحت التَّحت” تكمن في التقاطه الجانب الداخلي المحبّ عند شخصياته الثلاث، ورغبتها الكامنة في التوافق مع اشتراطات المدينة “المتباهية”

 

شخصيات مُحبة في مدينة متباهية

مع كل فقر شخصياته الرئيسية، ثمة إنساني كبير في دواخلهم هو أن إيمانهم بالمستقبل باقٍ، ورغبتهم في مشاركة غيرهم قليل ما عندهم يدعو للتعجب. فسامية ورغم فقرها المدقع وحاجتها الماسة لكل “قرش” من أجل تأمين علاج والدتها، فإنها ترعى قطة في بيتها، وتوفر لها غذاء وحنانا يبدو “غرائبيا” في مشهد البيت الخاوِي.

حتى أبو حسام عنده رغبة في التخلص من بؤسه بالحلم، ربما سيهبط عليه المال من كوكب آخر.. لا يشغل نفسه بالسؤال عن الطريقة التي سيأتي بها، لأن الأهم عنده هو امتلاك سيارة خاصة به يرتزق منها وينام فيها، فخوفه من الموت مشردا يدفعه للبكاء، ويكسر “بطولة وهمية” توفرها له الخمور التي يفرط في تناولها ليصبح بعدها على حافة اليأس.

بينما نشاهد الصبي علي دوما منسحبا إلى داخله، ومحتميا بصمته وهدوئه اللّذين يوفران له تماسكا داخليا يحتاجه لشحن قوة الأمل بمستقبل أفضل له ولبقية السوريين، لأنه وفي اللحظة التي يتبدد بها ذلك الأمل يجرب إيذاء نفسه بآلات حادة جارحة.

قوة “تَحت التَّحت” تكمن في التقاطه ذلك الجانب الداخلي المحبّ عند شخصياته الثلاث، ورغبتها الكامنة في التوافق مع اشتراطات المدينة “المتباهية”، فتذمرهم منها نابع من سوء حالتهم، لكنهم ومع ذلك لا يضمرون كراهية لها، فعلى الدوام ثمّة أمل وإيمان روحي عندهم، وثقة بإمكانية تجاوزهم الواقع المرّ نحو الأحسن.

فهم في العادة لا يطرحون على أنفسهم أسئلة ملازمة لذلك الطموح، فربما من شأن ذلك إفساد أحلامهم وإضعاف مقاومتهم للضغوظ القاهرة، فبيروت التي نراها في وثائقي قصقص وحركة الكاميرا المتناغمة مع موسيقى تصويرية كتبتها بنفسها؛ تبدو مشوهة قذرة يفتش بعض سكانها في مزابلها عمّا يسدون به رمقهم. عبثية العيش على هامشها مؤذ، وبالتالي لمَنْ يريد البقاء فيها عليه مقاومة خرابها المرصود في “تَحت التَّحت” بعين سينمائية لاقطة تعرف كيف تُجلي قسوة المدينة على مَنْ يعيش تحت سقفها.

صورة لمدينة بيروت المزدحمة والتي لا تشبه بيروت السياحية الشكلية المظهر

 

أرواح معذبة في مدينة قاسية

على مستوى الاشتغال السينمائي؛ ثمة مصور موهوب عند قصقص يعرف كيف يتحرك في المدينة ويختار زوايا التصوير الأكثر ملاءمة مع الفكرة المكتوبة على الورق، فتصويره يبيّن قدرته على إقناع من يصورهم بنسيان وجوده كليا، وهذا أعطى نتائجه؛ فالمناخ العام للفيلم مقنع لا افتعال فيه ولا ادعاء، ولا إسقاط إجباريا لصانعه على شخصياته، ولا أهداف مسبقة لديه يريد تحقيقها عبر نص سينمائي يتحمل التداخل بين صانعه وموضوعه، ولهذا يحسب لقصقص حياديتها ومعرفتها الجيدة في حساب المسافة اللازم تركها بينها وبين “أبطالها”.

فيلم “تَحت التَّحت” فيه اشتغال كبير على المونتاج لسيمون الهبري، وذلك لتداخل حيوات شخصياته، وكثرة ما فيه من تنقلات مكانية فرضتها حركة الشخصيات نفسها، وخاصة شخصية السائق أبو حسام الذي أضفى بلغته المتفلسفة وعفوية تعبيره السلسة حيوية على الفيلم.

“تَحت التَّحت” فيلم عن أرواح معذبة تعيش في مدينة حيوية وقاسية، فهم يرفضون وضعهم الحالي فيها، ويُصرّون في الوقت ذاته على تمضية بقية ما تبقى لهم من عمر، وذلك بأمل كبير أن تمنحهم أشياء أفضل مستقبلا إذا تعذّر عليها منحها لهم الآن.