“باتريك ميلروز”.. في المفاضلة بين دراما الإبداع ودراما رمضان

رشا حسني

لماذا نشاهد المسلسلات التلفزيونية؟ تساؤل يطرح نفسه، فما الذي يجعل الناس هذه الأيام شغوفة بمتابعة المسلسلات التلفزيونية ذات الثلاثين والستين حلقة أكثر من مشاهدة الأفلام السينمائية التي لا يتعدى زمن أطولها ثلاث ساعات في أغلب الحالات؟!

ظلت الإجابة على هذا التساؤل ولوقت طويل تتلخص في أن المسلسلات تعتبر منتجا مجانيا حيث يُبث على شاشات قنوات التلفزة دون أن يدفع المشاهد مقابلا ماديا لهذا البث، على عكس السينما التي تستلزم أن يدفع المشاهد مقابلا ماديا، ولكن لم يعد هذا التفسير يصلح إجابة عن هذا التساؤل خاصة في ظل ظهور منصات العرض المدفوعة مثل نتفليكس وشوتايم على سبيل المثال وإقبال المشاهدين على الاشتراك بها لمشاهدة المحتوى المتوفر عليها من مسلسلات أو أفلام.

بات من المؤكد أن المشاهد يبحث دائمًا وأبدا عن المحتوى الفني الذي يحترمه ويحترم عقله ويشعر عبر متابعته أن صنّاعه قد أعاروه جل اهتمامهم وتقديرهم، وفي مقابل مشاهدة عمل فني قوي فنيا متماسك دراميا لا يجد المشاهد غضاضة في دفع مقابل مادي مناسب، وبالتالي نجد تلك المنصات المدفوعة تتنافس في إنتاج أفضل المسلسلات ذات الأفكار المتميزة والسيناريوهات المتماسكة كما يتنافسون في الحصول على نجوم الصف الأول للقيام ببطولة تلك المسلسلات التي من الممكن ألا تتعدى حلقاتها خمس أو عشر حلقات.

وبمقارنة بسيطة بين ما يحدث في العالم وما يحدث في وطننا العربي في السنوات القليلة الماضية، يمكن أن نلاحظ عزوف شرائح عديدة من الجمهور العربي عن مشاهدة إنتاجنا من المسلسلات المقولبة والمعلبة التي تزدحم بها القنوات على مدار العام بشكل عام وفي الموسم الرمضاني بشكل خاص، والتي أصبح المشاهد آخر همّ صناعها في حين أصبحت كعكة الإعلانات هي أول وأهم اهتماماتهم، والتي نادرا ما يجد المشاهد فيها شيئا مميزا سواء على صعيد الأفكار أو التمثيل أو التنفيذ.

ولعل النموذج الذي سنتعرض له في الفقرات التالية، ما هو إلا نموذج شديد الوضوح على أحد المسلسلات الشديدة التميز التي لا يتعدى عدد حلقاته خمس حلقات ولكنه أصبح واحدا من تلك الأعمال التي تترك أثرا يفوق ما تتركه أعمال موسوم رمضاني بأكمله.

من ميلروز إلى الدراما المصرية

باتريك ميلروز (Patrick Melrose) مسلسل تلفزيوني قصير من خمس حلقات، ومن إنتاج شركة شبكة قنوات “شوتايم” وشركة “سكاي أتلانتيك”، ومن إخراج المخرج الألماني إدوارد بيرغر.

المسلسل مأخوذ عن روايات “باتريك ميلروز” الشهيرة للكاتب والصحفي البريطاني إدوارد أوبين، والتي تتماسّ بشكل أو بآخر مع سيرته الذاتية، فهي من بطولة النجم الإنجليزي بينيديكت كامبرباتش وهيوغو ويفينغ وجينيفر جايسون لي، وقام ديفد نيكولز بإعداد وكتابة السيناريو والحوار للمسلسل.

ترشح المسلسل للعديد من الجوائز المهمة، من بينها جائزة “غولدن غلوب” لأفضل ممثل لمسلسل قصير أو فيلم تلفزيوني، فيما فاز المسلسل بجائزتي بافتا لأفضل ممثل وأفضل مسلسل قصير.

تدور أحداث المسلسل حول شخصية باتريك ميلروز المحامي الذي يعاني من ماضٍ قاسٍ ومُدمر نتيجة قيام والده باغتصابه وإهمال والدته له وهو طفل، مما أدى به إلى إدمان جميع أنواع المخدرات والكحول تقريبا. وعلى مدار خمس حلقات تحمل كل حلقة عنوان الرواية التي أُخذت عنها، لنتعرف على فصل جديد أو مرحلة جديدة من مراحل حياة باتريك ميلروز، وكيفية تخطّيه لماضيه المؤلم وحاضره المُحطم.

بالنظر إلى هذا المسلسل القصير خاصة بعد انتهاء موسم الدراما الرمضانية بوقت قصير، نجد أن الظروف ربما تفرض نوعا من أنواع المقارنة ما بين شكل وطبيعة إنتاج الدراما التلفزيونية الجيدة، والتي يتم تقديمها في كثير من بلدان العالم الآن، وبين الدراما التلفزيونية التي تُنتَج في العالم العربي، وفي مصر بشكل خاص على مدار العام، والتي بالطبع تصل لأعلى معدلاتها في شهر رمضان.

لا تبدأ المقارنة أو تتوقف عند هذا المسلسل بالتحديد، لكنه مجرد مثال حديث نوعا ما، بالإضافة إلى أنه يدور في إطار الدراما الاجتماعية والنفسية، بل ويتعرض للعديد من الموضوعات المحببة لمعظم كُتّاب الدراما في مصر، والتي يمكن تقديمها بل وسبق تقديمها كثيرا في أعمال درامية مصرية، أي أنها غير قاصرة على المجتمع الإنجليزي الذي تدور فيه أحداث المسلسل، لكنها موضوعات إنسانية بالأساس عابرة لحدود الزمان والمكان، ومن الممكن تناولها في إطار أي فترة زمنية، وفي إطار أي مجتمع أو أي بلد آخر.

كما أنه مأخوذ عن أصل أدبي، وهو الأمر الذي اعتمدت عليه الدراما التلفزيونية المصرية مؤخرًا لإنتاج أعمال ذات قيمة، سواء على صعيد المحتوى الفكري أو على الصعيد البصري، إذن فما الذي يميز مسلسلا قصيرا مثل هذا المسلسل عن أعمال تلفزيونية مصرية تتعدى ساعات عرضها الثلاثين ساعة، دون أن تترك في ذهن المُشاهد بعد عرضها أثرا يُذكر؟

كل حلقة من حلقات المسلسل هي مأخوذة عن رواية كاملة
كل حلقة من حلقات المسلسل هي مأخوذة عن رواية كاملة

معالجة إبداعية

على الرغم من أن المسلسل مأخوذ عن خمس روايات، أي أن كل حلقة من حلقات المسلسل هي مأخوذة عن رواية كاملة، وهي بالطبع فرصة ذهبية أمام أي كاتب أو سيناريست كي يطلق لخياله العنان ويفرد للرواية الواحدة حلقات وحلقات؛ إلا أن صُنّاع المسلسل وجدوا أنه من الأفضل ألا تتعدى معالجة الرواية الواحدة الحلقة الواحدة، وبقدر ما يحمله هذا الخيار من صعوبة بقدر ما يحمل من تحدٍ إبداعي، لماذا؟

التركيز على رواية واحدة لاستخلاص الأحداث الهامة والمؤثرة منها في حياة ومسيرة الشخصية الرئيسية لكي يتم عرضها في حلقة واحدة ليس بالأمر السهل، لكنه خيار ينمّ عن فهم واستيعاب كامل من السيناريست والروائي “ديفد نيكولز” لطبيعة الروايات ولطبيعة المسلسل ولطبيعة الشخصية الرئيسية ومشكلاتها، لذلك فقد تم الإبقاء على الشخصيات المؤثرة، أو التي لها علاقة مباشرة بحياة الشخصية الرئيسية باتريك ميلروز مثل الأب والأم والصديق جوني والزوجة، وتم إغفال الخطوط والشخصيات الثانوية التي لن تفيد بالشكل الذي تم اختياره للمسلسل.

أي أنه وببساطة كانت هناك خطة تضمنت عدد الحلقات التي فرضت طبيعة المعالجة والشخصيات والأحداث والأماكن، وهذا بالطبع ليس معناه أن المعالجة المخلصة للنص أو الأصل الأدبي دون إضافة أو دون وجود مساحة إبداع من السيناريست هي الأفضل، لكن في حالة حدوث هذه الإضافة بغرض درامي فني وإبداعي، أي أن تحمل وجهة نظر للسيناريست، فهي مرتبطة بطريقة فهمه وتفسيره للنص الأدبي، لا أن يكون كل غرضها هو التطويل ومطّ المسلسل وإضافة حلقات يندمج فيها المشاهد مع أحداث وشخصيات ثانوية لا فائدة منها ولا علاقة لها بحبكة القصة الرئيسية، لكنها فقط لملء الوقت ولزيادة عدد الحلقات، ليظهر المسلسل في النهاية مُنتجا مُترهلا لا علاقة له بالنص الأصلي إلا في عنوانه، ولا يحمل أي وجهة نظر جديدة أو مختلفة.

انطلق المسلسل إلى شخصية باتريك ميلروز من خلال عدة جوانب أولها وأهمها الجانب الأسري
انطلق المسلسل إلى شخصية باتريك ميلروز من خلال عدة جوانب أولها وأهمها الجانب الأسري

سؤال.. إجابة.. مسلسل

بالطبع لا تقف خطة المسلسل عند حدود توضيح طبيعة معالجة الروايات من خلال خمس حلقات فقط، لكنها تبدأ من الغرض من معالجة هذه الروايات بالأساس وتقديمها الآن، وذلك حينما سُئل الممثل بينيديكت كامبرباتش في حوار صحفي عام 2014 عن الشخصية التي يتمنى تقديمها في الوقت الحاضر، فأجاب “بدون تردد باتريك ميلروز”، وبالفعل تم تكوين فريق عمل وبدأ التحضير للمسلسل الذي استغرقت كتابته ثلاث سنوات فقط.

هكذا بدأ الأمر، ممثل مثقف قرأ نصا علق في ذاكرته، ووجد فيه فرصة لإظهار قدراته التمثيلية فأعرب عن رغبته في تقديمه يوما ما، ليتحمس فريق العمل لتنفيذ رغبة الممثل، وذلك في ظل هيمنة نظام النجم على أكبر وأهم المنظومات الإنتاجية العالمية، وهو بالمناسبة ليس بالأمر السيئ أو المشين، لكن المحكّ في كيفية التنفيذ. فهل خرج المسلسل عبارة عن الشخصية الرئيسية التي يؤديها الممثل النجم وفقط، أم أنه خرج عملا إبداعيا متكاملا ذا أبعاد وهو ما تحقق بنسبة كبيرة في المسلسل؟

انطلق المسلسل إلى شخصية باتريك ميلروز من خلال عدة جوانب؛ أولها وأهمها الجانب الأسري الذي كان له أبلغ الأثر والأهمية في تكوين شخصية الإنسان، ونجح سيناريو المسلسل في تدرج معرفة المشاهد بشخصية باتريك ودواخلها المعقدة من خلال تدرجه في عرض علاقة باتريك بوالده منذ أن كان طفلا، ومع كل فلاش باك نعرف قليلا عن طبيعة هذه العلاقة المعقدة وغير السوية، حتى نكتشف أن الأب كان يقوم باغتصاب ابنه باتريك ويمارس عليه كل أساليب الضغط والقهر كي لا يخبر أحدا، ثم نكتشف في الحلقة الرابعة أن الأم كانت على علم بما يفعله الأب بالطفل، وأنها لم تحاول أن تمنعه وأن تحمي الطفل منه، ليستمر مسلسل إيذاء باتريك حتى وهو أب ولديه أطفال، فقد أصبح هو بكل ما يعانيه من أزمات نفسية مسؤولا عنهم وعن تنشئتهم نشأة سوية.

حمل المسلسل العديد من الانتقادات للطبقة العليا في المجتمع الإنجليزي
حمل المسلسل العديد من الانتقادات للطبقة العليا في المجتمع الإنجليزي

معاناة إنسانية مع الماضي

ومن خلال تركيز المسلسل على الطفل وعلى مشاهده مع الأب، وعلى كمّ الأذى النفسي والمعنوي الذي يشعر به؛ يتعرض المسلسل بشكل ضمني إلى خطورة أو عواقب الإساءة إلى الأطفال واستغلالهم بأي شكل، وما الذي يمكن أن يترتب على هذا. فقد أدمن باتريك جميع أنواع المخدرات والكحول، وهو ما فعله مؤلف الروايات نفسه، بل وحاول قتل نفسه في مرحلة ما من مراحل إدمانه نظرا لتعرضه للأمر نفسه.

سلسلة من المعاناة لا تقف عند حدّ الشخص الذي تعرض للإساءة لكنها تتعداه، فهذا الطفل يكبر ويتداخل في علاقات مع دوائر اجتماعية، حيث يرتبط ويتزوج وينجب أطفالا، كيف له أن يتعامل معهم وأن يربيهم؟

استطاع صُنّاع المسلسل وبشكل جيد عرض هذه المعاناة الإنسانية، معاناة إنسان يحارب ماضيه ويتحدى نفسه كي ينتقل من شخص مُحطم ومُدمن إلى شخص على الأقل قادر على الانخراط في علاقات اجتماعية سوية بين الناس، وأن يصبح قادرا على تأدية أدواره الاجتماعية دون أن تصيبه نوبات الذعر والانهيار.

قدّم المسلسل لمحة عابرة عن أمراض الطبقة الأرستقراطية التي تخفي الكثير من الأسرار
قدّم المسلسل لمحة عابرة عن أمراض الطبقة الأرستقراطية التي تخفي الكثير من الأسرار

ليس مجرد مسلسل

أما على الجانب الاجتماعي لشخصية باتريك ميلروز فقد حمل المسلسل العديد من الانتقادات للطبقة العليا في المجتمع الإنجليزي، والكثير من عاداتها وتقاليدها التي تحمل الكثير من النفاق والرياء الاجتماعي، وهو المحيط الذي يمكن أن يفرز شخصية غير سوية بشكل عام، وفي أي مجتمع يعاني من تلك الأمراض، لكنها على وجه خاص هي التي أفرزت شخصية والد باتريك ووالدته، تلك الطبقة الاجتماعية التي لا تهتم إلا بالمظاهر وبروتوكولات حفلات العشاء والحفلات الراقصة، والتكالب للفوز بحضور فرد من أفراد الأسرة الملكية، حتى وإن جاء هذا الحضور مُهينا لهم ولذويهم، وذلك مثلما حدث في مشهد الحلقة الرابعة التي أهانت فيه الأميرة الدبلوماسي الفرنسي في منزل العائلة التي جاءت لتلبي دعوتها، لكن الإهانة تصبح مقبولة في سبيل الوجاهة والترقي الاجتماعي.

قدّم المسلسل لمحة عابرة عن أمراض الطبقة الأرستقراطية التي تخفي الكثير من الأسرار، ولا تعترف بوجود أي خطأ، وتعتبر قدرة العمل الفني على تقديم أو عرض مثل هذا النوع من التشريح الطبقي من أهم نقاط تميز أي عمل فني، حيث إن التشريح الحقيقي للطبقات الاجتماعية ينفي المُسلّمات.

على سبيل المثال ينفي عن الأرستقراطيين نبلهم، وينفي عن الفقراء أنهم دائما في موقف ضعف وأنهم دائما ضحايا، وينفي عن الأغنياء شرورهم، فليس كل الفقراء ضحايا وليس كل الأغنياء فاسدين وأشرارا، وليس كل الأرستقراطيين نبلاء، لكن يتم التعامل معهم على أنهم مجموعة من البشر تنتمي لنفس الطبقة، وأن لكل منهم نواقصه الإنسانية، فلا توجد طبقة خيرة وطبقة شريرة، لكن يوجد بشر بداخلهم الخير والشر معا.

ن الممكن اعتبار مسلسل باتريك ميلروز هو بمثابة درس مجاني لكل ممثل يحترم موهبته بالأساس ويحترم مهنته
من الممكن اعتبار مسلسل باتريك ميلروز هو بمثابة درس مجاني لكل ممثل يحترم موهبته بالأساس ويحترم مهنته

دروس مجانية في الإبداع

وأخيرا من الممكن اعتبار مسلسل باتريك ميلروز هو بمثابة درس مجاني لكل ممثل يحترم موهبته بالأساس ويحترم مهنته، فكما ذكرنا أن فكرة تقديم المسلسل من البداية كانت فكرة كامبرباتش، وهو ممثل موهوب طموح يبحث لنفسه ولموهبته عن تحديات جديدة لا عن أداء مُقولب ومُعلب.

ذلك ما يمكن ملاحظته منذ الحلقة الأولى التي تتمحور حول انغماس باتريك في تعاطي المخدرات، وتأثير تعاطيها عليه وعلى جسمه، وكمّ المجهود الذي بذله كامبرباتش للوصول إلى طبيعة هذه الأعراض والنوبات فعلا لا مجرد تمثيلها، وهو ما جعله يتردد على مصحات لعلاج الإدمان، بل ويتحدث إلى إدوارد أوبين مؤلف الروايات نفسه ليسأله عن تجربته وشعوره عند تعاطي كل نوع من الأنواع التي كان يتعاطاها حتى يستفيد من خيال المؤلف أثناء تعبيره له.

تجربته في تحديد ملامح أدائه والوصول بها إلى درجة إتقان حقيقية تشي بممثل يهتم بتفاصيل عمله وليس بأدائه فقط، فهو الذي أحضر لكيث مادين (مصمم ملابس المسلسل) العديد من الصور الفوتوغرافية لجميع المراحل العمرية للروائي إدوارد أوبين للتعرف على شخصيته من خلال اختياره لملابسه وألوانها والفروق بين هذه المراحل، سواء الطفولة أو الشباب والإدمان وصولًا إلى مرحلة التعافي، وذلك لمحاولة جعل باتريك شخصية حقيقية وليست نسخة مكررة أو مقلدة من شخصيات شبيهة، ليمتد التخطيط للعمل على صعيد الملابس والديكور واختيار أماكن التصوير بدقة شديدة تتوافق مع كل مرحلة زمنية، بداية من الثمانينيات ووصولا إلى الألفية الثانية. تفاصيل من شأنها التفريق بين عمل فني جاد احترم صُنّاعه أنفسهم ومشاهديهم وآخر لهث صُنّاعه للحاق بموسم درامي رمضاني.


إعلان