احبسوا أنفاسكم.. إنها تشيرنوبل

بلال المازني

خمس حلقات فقط بمجموع خمس ساعات وثلاثين دقيقة كانت كافية وافية لجعله أفضل مسلسل تلفزيوني على الإطلاق، ليفوز بالـ”كش ملك” على مسلسل “صراع العروش” و”بريكينغ باد”.

خمس حلقات تحبس الأنفاس وربما تأتيك بكوابيس ليلا وتساؤلات نهارا عن مدى الحمق البشري ومدى صغر الإنسان وغطرسته غير المحدودة أمام الطبيعة.

 

تشيرنوبل وبداية نحت الأسطورة

من الغريب أن كاتبا قضى سنوات حياته في كتابة سيناريوهات الأفلام الكوميدية الهزلية يأتي إلى النور بمسلسل يمتزج فيه التاريخ والتوثيق وحتى الرعب.

غريك مازن صاحب أفلام مثل “ذي هانغر” (The Hangover) و”سكيري موفي” (Scary Movie) و”سينسلس” (Senseless) والعديد من الأفلام الكوميدية المعروفة، يبدأ رحلة البحث منذ 2014 عن قصة مسلسل يحكي أعظم كارثة بشرية شهدتها الإنسانية كادت أن تودي بنصف الكوكب تقريبا.

يقول غريك في تصريحات لوسائل الإعلام “تعتقد أنك تعرف ما حدث في تشيرنوبل، لكن ليس لديك فكرة، الجميع يعلم أنه انفجار، ولكن لا أحد يسأل لماذا. تشيرنوبل سيكون فيلم رعب، سيكون فيلم حرب، سيكون فيلماً مثيراً ودراما في قاعة المحكمة”.

من مجرد اهتمام ونزوة عابرة بحدث تاريخي، بدأت الفكرة بالتخمر في عقل الكاتب، ومن هناك بدأ غريك مازن بقراءة بعض الأخبار والتقارير الحكومية السوفياتية إلى أن وقع في هوس القصة رغم أنه كان يعلم جيدا أن مثل هذه الحادثة فيها من التعقيد والمغالطة الكثير خاصة أنها وقعت في نظام يعد الأكثر انغلاقا هو نظام الاتحاد السوفياتي السابق تحت حكم ميخائيل غورباتشوف.

كانت اللحظة الحاسمة في مسار مصداقية القصة اطلاعه على كتاب “أصوات من تشيرنوبل” للكاتبة الأوكرانية سفيتلانا ألكسييفتش الحائزة على جائزة نوبل للآداب في 2015، ومن هناك بدأ الكاتب في توثيق العديد من الشهادات الحية لعلماء نوويين وشهود عيان ومواطنين سوفيات عايشوا الحادثة.

ولكن دعنا نقول إنه حتى الساعة فإننا نسير على خطا قصة مثيرة، ولكن ليست القصة الأكثر إثارة، فتشيرنوبل حدثٌ سلب عقل العالم سنة 1986 وبدأ في الخفوت والتلاشي والنسيان، ولكن ظهرت نقطة تحول جعلت القصة تدخل في مربع التحفة الفنية، وهو ببساطة الجانب الإنساني؛ أولئك العمال البسطاء       والحفارين الذين ضحوا بحياتهم طوعا لإنقاذ نصف العالم؛ من أجل كذب وغطرسة بني البشر.

يقول مازن “ما اكتشفته هو أن قصة الانفجار رائعة، ولكن الذي جذبني حقاً كان القصص المذهلة للبشر الذين عاشوا فيها والذين عانوا وضحوا من أجل إنقاذ الأشخاص الذين يحبونهم، لإنقاذ مواطنيهم وإنقاذ قارة، واستمروا في ذلك، ضد الاحتمالات المذهلة والتي تزداد سوءاً. لقد تأثرت بقصصهم كثيراً. كان الأمر كما لو أنني اكتشفت حربا لم يكتشفها الناس من قبل”.

صورة للمفاعل رقم 4 بعد الانفجار
صورة للمفاعل رقم 4 في محطة تشيرنوبل للطاقة الذرية بعد الانفجار مُسببا أكبر كارثة نووية في التاريخ

 

ساعة الصفر

أعلن فجر السادس عشر من أبريل/نيسان 1986 عن أكبر كارثة كادت تودي بملايين الأرواح في النصف الشرقي من القارة الأوروبية، فقد أدى سوء تقدير في المفاعل رقم 4 من محطة تشيرنوبل للطاقة الذرية في أوكرانيا السوفياتية إلى انفجار المفاعل ليتسبب في أكبر كارثة نووية شهدها التاريخ، وأصبحت منطقة بريبيات -التي أنشئت قبل الكارثة بعقد من الزمن لتؤوي عمال الوحدة النووية- مدينة أشباح.

بدأت الكارثة عند إجراء عملية محاكاة لاختبار سلامة المفاعل في الوحدة الرابعة، لكن حدث ما لم يتوقعه المهندسون العاملون هناك، وفشلوا في التحكم في حرارة المفاعل وتجنب وقوع كارثة بإغلاق المفاعل وإسقاط أعمدة الغرافيت في قلبه وإبطاء سرعة التفاعل النووي وبالتالي انخفاض الحرارة.

أدى ذلك القرار إلى نتيجة عكسية، حيث ازدادت الحرارة بسرعة ثم انخفضت بعدها وأصبحت الدورة الحرارية غير مستقرة بسبب الاختبار، وهو ما أدى إلى تقويض أعمدة الغرافيت وعدم سقوطها داخل المفاعل فارتفعت حرارته بشكل جنوني ووقع الانفجار في الوحدة النووية الرابعة، حيث كان قرابة المئتي موظف يعملون خلال المناوبة الليلية في المحطة النووية التي تضم أربع وحدات.

حملت الحرارة والدخان الناتجان عن الانفجار مواد تحمل إشعاعات لمسافة كيلومتر، وخلف الانفجار سحابة إشعاعات نووية في أوكرانيا وصلت إلى روسيا البيضاء وروسيا، وساعدت الرياح في حمل سحابة إشعاعات إلى بولندا والدول الإسكندنافية وإلى التشيك وألمانيا ورومانيا وبلغاريا واليونان وتركيا.

تباينت التقديرات بخصوص الخسائر البشرية، حيث تذكر إحصاءات أن 31 لقوا مصرعهم بسبب تعرضهم المباشر للإشعاع، في حين قدرت الأمم المتحدة عدد الضحايا بأربعة آلاف، وتقول منظمة “السلام الأخضر” إن 93 ألفا قتلوا بسبب مخلفات الانفجار.

وتحصي وزارة الصحة الأوكرانية قرابة مليون ونصف المليون من السكان يعانون الآن من الكارثة، وأدت إلى تلوث قرابة مليون ونصف المليون هكتار من الأراضي الزراعية في أوكرانيا وروسيا البيضاء بالإشعاعات النووية، وقد تم قطع هكتارات من الأشجار في الغابات المحيطة بالمنطقة بعد تسجيل مستويات عالية من الإشعاع.

وأصبح لون الأشجار أحمر بسبب تعرضها للإشعاع، وسميت المنطقة القريبة من المحطة النووية بـ”الغابة الحمراء”، ولكن تم جرف الأشجار ودفنها داخل خنادق. وبعد الانفجار بدأت عمليات دفن المفاعل وتغليفه بالخرسانة المسلحة من أجل منع تسرب الإشعاعات.

كاتب المسلسل مع بعض الممثلين فيه
كاتب مسلسل “تشيرنوبل” كريغ مازن مع المخرج السويدي يوهان رانك وببعض الممثلين في منصة “إتش بي أوه”

 

أوجاع الماضي في ثوب تحفة فنية

لم يتوقع مؤلف مسلسل “تشيرنوبل” كريغ مازن والمخرج السويدي يوهان رانك أن تنفُضَ المدينة المنكوبة غبارها القاتل الذي كساها منذ 33 سنة لتستقبل “نجوم إنستغرام” الذين زاروها لالتقاط صور تذكارية قرب معالم الكارثة النووية المصنفة الأخطر في العالم، وغامر كثيرون بالذهاب إلى مدينة الأشباح بعد النجاح التاريخي الساحق للمسلسل.

فوفق ديوان السياحة الأوكراني، زاد عدد زوار “بريبيات” القريبة من منطقة الانفجار بقرابة 30% بعد بث السلسلة، وقد علّق كريغ مازن في تغريدة على موقع تويتر قائلا إنه “من الرائع أن تدفع سلسلة تشيرنوبل موجة السياح إلى المنطقة المحظورة، لقد شاهدت الصور، وأرجو أن تستحضروا عند زيارتكم للمكان أن كارثة مرعبة حصلت هناك. تصرفوا باحترام تجاه من عانوا وضحوا”.

لقد نجح الثنائي مازن ورانك في إثارة الفضول والخوف أيضا لدى أجيال لم تعش الكارثة، وكانت في أذهان الكثيرين مجرد حادث تسرب لإشعاعات نووية، لكن مسلسل تشيرنوبل استطاع أن يثير الرعب من نتائج جنون التسابق الصناعي والتقني الذي يخفي وراءه عدم قدرة الإنسان على التحكم الكامل في التقنيات والذي طالما نبه له العلماء.

يستحضر مسلسل “تشيرنوبل” مفهوم المسؤولية تجاه الطبيعة وتجاه الأجيال اللاحقة، والذي أعاد تحديده الفيلسوف الألماني “هانز جوناس” بالقول “أحداث السلسلة القصيرة رغم واقعيتها، تذكّر ببدايات الخوف من أضرار التقدم العلمي والسباق المحموم لتحدي الطبيعة والذي جسدته رواية فرانكشتاين المرعبة بداية القرن التاسع عشر للكاتبة الإنجليزية ماري تشيلي التي تنبّأت فيها بما يمكن أن يجنيه الإنسان نتيجة غروره وطموحه العلمي غير المسؤول”.

 

تشيرنوبل.. الذاكرة الأبدية

لم تكن سلسلة “تشيرنوبل” مجرد سرد لأحداث كارثية، بل كانت حاملة لرسائل كانت سببا أساسيا في حصد إعجاب الجمهور، فكل تفصيل تقني في السلسلة يصيب هدفه المحدّد بدقة، فالموسيقى التصويرية الجنائزية كانت تنبئ بالموت والأزيز الذي خيم على مكان الانفجار، ومنطقة بريبيات القريبة من المفاعل كان ينذر بالخراب الأبدي، واللون الرمادي كان طاغيا على الصورة، فقد تحولت منطقة بريبيات التي تبعد عن مدينة تشيرنوبل بضعة أميال والتي كانت الأقرب لمكان الانفجار، إلى مقبرة أبدية.

المثير للإعجاب في سلسلة “تشيرنوبل” هو التضحية التي قدمها المسلسل؛ “تضحية الإنسان” كي يعيش غيره. عند مشاهدة التحرك الجماعي الذي بدأه المهندسون العاملون بالمفاعل وصولا إلى عمال المناجم الذين تدخلوا من أجل تطويق الكارثة وكانوا واعين بنهايتهم الحتمية المرعبة بعد أن بدأت نتائج الانفجار تظهر على الأجسام الذائبة والأنوف النازفة بسبب الإشعاعات التي تعرض لها مباشرة رجال الإطفاء وكل من كان قريبا من المنطقة المنكوبة.

في الواقع قدم مسلسل “تشيرنوبل” صورة للـ”أنا السوفياتي” الذي لم يكترث كثيرا للموت ولم تكن تضحيته من أجل المكافأة المالية التي قدمتها حكومة الاتحاد السوفياتي، بل كان دافعه الحفاظ على “شرف” “الإنسان السوفياتي” وعظمة بلاده.

تقول الباحثة في علم الاجتماع بمعهد الحماية من الإشعاع والسلامة النووية الفرنسي كريستين فاسارت إن أكثر شيء مرعب صوره مسلسل “تشيرنوبل” هو أن الحادث المريع كان يمكن أن يكون أسوأ، وإنها رغم قربها وعلمها بما يمكن أن تسببه حادثة مشابهة فإن الكوابيس لازمتها بعد مشاهدة ثلاث حلقات من المسلسل، ولقد نجح مخرج الفيلم ومؤلفه في تسريب ذلك الرعب إلى الجمهور عن طريق ما يسمى في علم الاجتماع بنظرية الحديث عن ظاهرة وتقديم إمكانات تلك الظاهرة (counterfactual) وهي أيضا إعادة فهم أسباب حدث ما وآلياته والقرارات الجمعية والفردية التي اتخذت، وذلك اعتمادا على منهج التأريخ، والغاية منه ليس إعادة كتابة أو مناقضة الرواية الرسمية، بل تقديم ما حدث فعلا والثمن الذي دفعته أجيال ويمكن أن تدفعه أجيال قادمة.

وهو ما اعتمده مؤلف المسلسل كريغ مازن الذي بدأ البحث منذ قرابة خمس سنوات، حيث لم يكتف بسرد وقائع تاريخية فحسب بل ركز على إعادة بناء الحقائق اعتمادا على شخصيتي البروفيسور فاليري ليغاسوف نائب مدير معهد كورشاتوف للطاقة الذرية، وهو شخصية حقيقية والشخصية المركزية الأولى الذي كشف عن حجم كارثة التسرب الحقيقية وواجه قيادات مركزية أرادت “تقزيم” الحادث وانعكاساته.

والشخصية المركزية الثانية هي أولانا خوميوك، وهي عالمة في معهد الطاقة الذرية التابع لأكاديمية العلوم ببيلاروسيا، واعترف مازن أن شخصية خوميوك غير موجودة في الواقع لكن دورها في المسلسل كان محوريا فهي التي قامت بتحقيق دقيق بخصوص الحادث وتمكنت من اكتشاف الأسباب التي أدت إلى حادث انفجار المفاعل الرابع، وأن الكارثة لم يكن سببها خطأ بشري فحسب بل هو ثغرة تقنية في المفاعلات النووية السوفياتية التي لم يتم الاعتراف بوجودها أو إصلاحها حفاظا على “سمعة” الاتحاد السوفياتي.

لقد نجح مؤلف المسلسل في تقديم المشاكل التقنية التي أدت إلى الكارثة بطريقة مفهومة، فلم يكن من الضروري أن يكون المشاهد مهندسا متخصصا في التكنولوجيا النووية ليفهم تفاصيل تقنية كثيرة، فقد عامل كريغ مازن الجمهور بكل احترام من خلال تبسيط معلومات معقدة ودقيقة ومشاركته كل تفاصيل الأحداث التي أدت إلى الكارثة، وفي المقابل كسب جمهورا أكبر من المتوقع.

 

تشيرنوبل بين الدراما والواقع

ليس من السهل أن تروى أحداث تاريخية عبر فيلم أو سلسلة درامية، لكن ورغم صعوبة هذا الامتحان، نجح كريغ مازن ويوهان رانك في الموازنة بين الدراما والتاريخ، ولم يسقط كلاهما في التوثيق أو في الدراما الخالصة. وربما من بين الأسئلة المهمة جدا: هل يمكن اعتبار المسلسل وثيقة تاريخية؟

هنا يجب التمعن جيدا وعدم الاستعجال في الإجابة حتى لا نكون مشتركين في استهلاك الكذبة، فالتاريخ لا يرحم.

سينمائيا نحن بالفعل بصدد نسخة طبق الأصل للديكور وهذا مما لا شك فيه، وبالعودة إلى الصور الحقيقية    والأرشيف المصور للمفاعل فإننا نقف احتراما للمخرج الذي أعادنا إلى المكان والزمان نفسه تقريبا من دون بهرجة أو إضافات.

فقد تقرر التصوير الذي بدأ في 13 مايو/أيار 2018 في فابيغونيسكوس، وهي منطقة سكنية في فيلنيوس بليتوانيا وشبيهة جدا بمدينة الأشباح بريبيات الأوكرانية التي وقع فيها الانفجار. واختيرت منطقة فابيغونيسكوس بالتحديد لأنها حافظت على المعمار السوفياتي القديم والمتميز بألوان باهتة وخطوط صلبة وحادة بالضبط مثل شبيهتها في تشيرنوبل.

وفي نهاية مارس/آذار انتقل التصوير إلى “فيساغيناس” لتصوير المشاهد الخارجية للمفاعل حيث توجد إيغنالينا، وهي محطة للطاقة النووية تم إيقاف تشغيلها ويشار إليها أحيانًا باسم “أخت تشيرنوبل” بسبب التشابه الكبير من ناحية الديكور والمعمار وحتى التصميم النووي في كل من تشيرنوبل وإيغنالينا.

وبالطبع جاءت التفاصيل البصرية في المسلسل نسخة مطابقة للحقيقة، وتم توظيفها دراميا لتكون بمثابة توثيق أصلي للأحداث، نذكر مثلا لقطة تحطم المروحية التي كادت تكون هي نفسها في الأرشيف، حتى طريقة تفكك الطائرة والسقوط.

مفاعل إيغنالينا
مفاعل إيغنالينا وهي محطة الطاقة النووية التي تم إيقاف تشغيلها، ويشار إليها أحيانا باسم “أخت تشيرنوبل”

 

وأيضا من ناحية اختيار الشخصيات حاول المخرج يوهان رانك التقريب قدر المستطاع في ملامح الشخصيات، واختار لذلك ممثلين بملامح روسية مثل جاريد هاريس في دور فاليري ليغاسوف وستيلان سكارسغارد وإيميلي واتسون في دور أولانا خوميوك، ولمسة الماكياج المميزة على جبين ديفد دينك ليكون مشابها لميخائيل غورباتشوف.

من ناحية أخرى كانت هناك دقة علمية متناهية في الحديث عن المفاعل النووي وسبب الانفجار على طول حلقات المسلسل، ونذكر طبعا ذلك الدرس الفيزيائي النووي المهيب الذي قدمه فاليري ليغاسوف في المحكمة آخر الحلقة الخامسة والذي ليس فيه أي حشو أو إضافة خارج السياق، بل كان نصا مدروسا بعلمية دقيقة مما يبرر استعانة السيناريست بمجموعة من العلماء للمساعدة في الكتابة.

من ناحية أخرى كانت بعض المشاهد الدرامية مثل محاكمة المسؤولين الذين أشرفوا على الاختبار النووي ضرورة درامية، فعلى الرغم من أن المحاكمة حصلت فعلا لكنها لم تكن بالتفاصيل التي أوردتها السلسلة، فمحاضرة البروفيسور ليغاسوف التي فسّر فيها كيفية عمل المفاعل بطريقة بسيطة باستعمال أوراق ملونة والأسباب التي أدت إلى الانفجار، كانت ضرورية حتى لا يتخلى مؤلف السلسلة عن المُشاهد غير المتخصص من أجل أن يستوعب كل تفاصيل الحادثة.

في الواقع لم يكن هناك تحريف للأحداث الهامة، غير أنه كان من الضروري أن يتم تقديم بعض الشخصيات النموذجية الحقيقية مثل بوريس تشربينا القيادي في الحزب الشيوعي بطريقة درامية، حيث كان في بداية السلسلة معارضا وخصما للبروفيسور فاليري ليغاسوف الذي أصبح بتطور الأحداث أكثر لينا وكان في صفه. وقد اختصر مازن الوجوه والشخصيات الكثيرة والمتداخلة في تطويق الكارثة عن طريق خلق شخصية خيالية وهي العالمة أولانا خوميوك التي كانت دافعا لتطور الأحداث وحل لغز السلسلة.

يقول كريغ مازن “إن مهمتنا، باعتبارنا مؤلفين، هي خلق شيء حقيقي في فضاء مزيف.. اختراع شخصية غير موجودة، وإذا كنت تملك شيئا من هذا القبيل فاستخدمه”. كان هذا تعليقه بخصوص مدى وفائه للحوار الحقيقي للشخصيات، إذ أكد أنه في بعض الأحيان استخدم الكلمات بدقة كما نطقت بها بعض الشخصيات في الواقع، لأنه لن يتمكن من ابتكار كلمات أصدق مما قيل في الواقع. كل هذا يؤكد أن مسلسل تشيرنوبل وثيقة علمية وفنية وتاريخية.

ولكن.. واجه مسلسل “تشيرنوبل” نقدا بسبب عدم وفاء كاتبه لوقائع كثيرة، فحسب النقاد حرف مازن بعض الوقائع، فسقوط المروحية في قلب المفاعل كان بعد أشهر من الحادث وليس إبان حصول الكارثة مباشرة مثلما جاء في الحلقة الثانية من المسلسل. ويشير موقع مركز الأزمات الأوكرانية (UKraine crisis media center) إلى أن المسلسل صوّر وفاة البروفيسور فاليري ليغاسوف بكثير من الدراما. وعلى الرغم من أن حادثة انتحاره كانت حقيقية وأنه ترك تسجيلات يكشف فيها ما حصل بدقة، فإنه لم يسع إلى إخفاء تلك التسجيلات داخل شبكة التهوية، وذكر الموقع أن البروفيسور ليغاسوف حاول أكثر من مرة الانتحار قبل ذلك، فقد كانت دوافعه للانتحار متعددة، فقد أصبح ليغاسوف بطلا بعد كتابة تقرير نزيه بخصوص الكارثة، وكان يتوقع تشريفه بسبب ذلك، لكنه لم يتمكن من الحصول على نجمة بطل الاتحاد السوفياتي، كما تعرض بعد عام ونصف من الحادث إلى حملة من التشكيك قادها زملاؤه بخصوص الطريقة التي اعتمدها لإطفاء حريق المفاعل رقم 4.

يقول المهندس أوليكسي بروس الذي كان شاهدا على الكارثة النووية، إن مشهد ذهاب سكان بريبيات لمشاهدة الحريق فوق الجسر الذي سمي “جسر الموت” هو مشهد درامي وليس حقيقيا، شأنه شأن الحريق فوق سطح مبنى المفاعل الذي انفجر.

واليوم تستعمل روسيا الفيتو لتضع المسلسل أمام المحاكمة والتكذيب، فتحت عنوان عريض في موقع “روسيا اليوم” “روسيا تنتج نسختها لكارثة تشيرنوبل “نكاية” بمسلسل أمريكي” يفيد الموقع بأن روسيا تخطط لتصوير مسلسل خاص بها تقدم من خلاله كارثة تشيرنوبل على أنها حدث ناتج عن أحد عملاء المخابرات المركزية الأمريكية.

وقد أوضح المخرج مرادوف في صحيفة “موسكو تايمز” أن “إحدى النظريات تقول إن الأمريكيين تسللوا إلى محطة تشيرنوبل للطاقة النووية، والعديد من المؤرخين لا ينكرون حدوث ذلك في يوم الانفجار، فقد كان عميل لجهاز استخبارات العدو موجودا في المحطة”.

كما قال المنتج الوثائقي الروسي أوليغ فوينوف الذي صنع فيلماً عن كارثة تشيرنوبل، إن مسلسل تشيرنوبل “تم تصويره بشكل رائع، وتحريره بشكل احترافي، والمؤثرات الخاصة ممتازة، لكنه لا يعكس الواقع. فالحقائق المقدمة ليست صحيحة”.

أما بي بي سي فقد شككت صراحة في أن يكون السبب المباشر لحالات السرطان هو الإشعاع النووي، ففي مقال بعنوان “كارثة تشيرنوبل أنا لا أعلم الحقيقة” كتبت إيما ساوندارس “قطعا تم علاج ما يقارب من 5000 حالة مرض سرطان الغدة الدرقية، ووسط العديد من التقارير بشأن المشاكل الصحية الأخرى والعيوب الخلقية لا يمكن الجزم بأن الإشعاعات كانت سببا مباشرا فيها، فالأدلة غير كاملة”.

وهنا يمكن القول إن مسلسل تشيرنوبل أماط اللثام عن حرب باردة جديدة بين روسيا وأمريكا سلاحها هذه المرة الكاميرا.

ضحايا كارثة تشيرنوبل التي أُعلن عنها فجر السادس عشر من أبريل/نيسان 1986

 

ما هو ثمن الكذب؟

تنتهي الحلقة الخامسة والأخيرة كي تجيب أولا عن السؤال الذي طرح في أول حلقة وهو: ما هو ثمن الكذب؟

وتنتهي الدراما لتدخل الأرقام مخيفة محزنة على خلفية صور الضحايا والمكان مع موسيقى جنائزية:

– جاهر بعض العلماء برفض الرواية الرسمية للأحداث وواجهوا الاعتقال والسجن.

– مات بوريس شربينا في 22 أغسطس/آب 1990 بعد مرور أربع سنوات وأربعة أشهر على إرساله إلى تشيرنوبل.

– لم تنتشل جثة فاليري هوديمشوك أبدا، وهو مدفون إلى الآن تحت المفاعل رقم أربعة.

– ما زال لباس رجال الإطفاء في قبو مستشفى “بريبيات”، وما زال إشعاعها خطرا حتى يومنا هذا.

– لم ينج أحد من الذين شاهدوا الانفجار على جسر السكة الحديدية الذي يعرف الآن باسم جسر الموت.

– عمل 400 عامل تنقيب على مدار الساعة لمدة شهر لمنع الانصهار النووي.

– مات منهم 100 قبل سن الأربعين.

– تم تجنيد 600 ألف شخص إجبارا للخدمة في منطقة المفاعل.

– رغم انتشار شهادات عن مرضهم وموتهم، لم يقدم الاتحاد السوفياتي أي سجل رسمي بشأن مصيرهم.

– نزح قرابة 300 ألف من منازلهم، وقيل لهم إنه إجراء مؤقت.. ولم يعودوا حتى اليوم.

– كتب غورباتشوف سنة 2006 لعل تشيرنوبل هو السبب الرئيسي لانهيار الاتحاد السوفياتي.

– بعد الانفجار ارتفع معدل الإصابة بالسرطان في أوكرانيا وروسيا البيضاء، وكان أكثر المتضررين من الأطفال.

– لن نعرف الكلفة البشرية الحقيقية لتشيرنوبل، وتتراوح التقديرات بين 4 آلاف و93 ألف حالة وفاة.

–       عدد القتلى حسب الرواية السوفياتية منذ 1986 وحتى اليوم هو 31 شخصا.

 يستحضر مسلسل "تشيرنوبل" مفهوم المسؤولية تجاه الطبيعة وتجاه الأجيال اللاحقة
بوستر مسلسل “تشيرنوبل” الذي يستحضر مفهوم المسؤولية تجاه الطبيعة وتجاه الأجيال اللاحقة

 

في الأخير نسوق ملاحظتين مهمتين:

الأولى هي أن العقل الفني الأمريكي استوعب منذ قرابة العقدين أن مَعين الخيال الدرامي بدأ ينضب وأن احتمال الوقوع في تشابه في قصص الأفلام والمسلسلات وارد جدا لأنه وببساطة كل ما يجب أن يُكتب قد كتب فعلا. لذلك اتجهت الدراما الأمريكية إلى اتجاه آخر في الكتابة وهو الدراما الواقعية والقصص التي حدثت فعلا. وبصراحة فقد اكتشفنا أن هناك كنزا فنيا لا ينضب وهو التاريخ والواقع.

وهنا نجد أن أفضل الأعمال الدرامية الحائزة على تتويجات وجوائز كانت قصص قد حدثت فعلا وعلى سبيل الذكر فقط نجد فيلم “قطار منتصف الليل” (Midnight Express) و”امسكني لو استطعت” (Catch Me If You Can) و”عازف البيانو” (The Pianist) و”الكتاب الأخضر” (The Green Book).

الملاحظة الثانية التي تهم العقل الدرامي العربي هي أننا لم نحاول اكتشاف كنز تاريخنا بعد. ورغم الانحدار الكبير في الدراما العربية من أفلام ومسلسلات -إلا ما رحم ربي- ما زلنا نجتر ونعيد اجترار نفس المواضيع بنفس الأسلوب، رغم أن لنا من المواضيع في تاريخنا العربي الإسلامي الكثير، ولنا من الثراء في الشخصيات الواقعية الكثير أيضا.

وهنا يلفت انتباهنا الشخص الوحيد الذي نبش واكتشف هذا الكنز ووصل بنا إلى العالمية.. مصطفى العقاد رحمه الله برائعتيه “الرسالة” و”عمر المختار”.

في الأخير نسوق هذا الإهداء لكل من ماتوا وضحوا منا ونسيهم التاريخ والفن ونحن.