مغالطة العمل والاكتساب.. غوص سينمائي في أعماق مفاهيم الواقع

إسراء إمام

هل تفكرت يوما في الفرق بين مفهوم جملة “كسب العيش”، ومفهوم كلمة “العمل”؟

الكثير يخلط بين معنى الاثنين، أو يعتبرهما واحدا، قد يكون مقبولا أن نقول “أحدهم يعمل، ويكسب عيشه”، ولكن الأكيد أن قول “أحدهم يعمل، أو يكسب عيشه”، يحمل قدرا كبيرا  من المغالطة!

“العمل” مفردة مَهيبة، ففي النصوص الدينية سنقدم “أعمالنا” أمام الله، أي أن “أعمالنا” هي أفعالنا التي تَدل علينا، فهي مُحصلة وجودنا ونتاج أفكارنا ومعتقداتنا، أما كسب المال فقد لا يرتبط بكل هذه الشروط، فأن تكسب عيشك لا يعني بالضرورة أنك تُقَدم عملك.

 

“لديك بريد”.. صراع خفي منذ الأزل

لطالما شغلني الصراع الشهير بين “كاثيلين كيلي” و”جو فوكس” في فيلم “لديك بريد” (you have got mail) الذي أُنتج عام 1998، ذلك الصراع الذي بدا أنه يدور بين فتاة حسناء حالمة، وبين رجل أعمال ثري وواقعي، لكنه في الحقيقة صراع أعمق من ذلك، أعمق حتى مما يصوره سيناريو الفيلم نفسه، باعتباره معركة عصرية بين تفشي رأس المال، وتراجع الأصولية، وإنما أنا أراه يعبر بقوة عن الصراع الخفي بين مفهوم “كسب العيش” الرائج، والمفهوم الحقيقي المفقود لكلمة “العمل”.

“كاثيلين كيلي” هي الفتاة التي تعمل وفقا لخطة أمها، السيدة التي امتلكت محلا صغيرا على الناصية، واقتنت فيه مجموعة من كتب الأطفال الأصلية القيّمة، ووفرت بين تلك الكتب وهؤلاء الأطفال الوسيط اللازم لكي يحدث التواصل الأمثل.

وظّفت أم “كاثيلين” البائعين المثاليين للمكان، والعارفين لمهامهم جيدا، وكانت تشاركهم هي ذاتها العمل من أجل بلوغ هدفها السامي الذي ذكرته “كاثيلين” في أحد المشاهد قائلة: لم تكن أمي تبيع الكتب فحسبُ، وإنما كانت تعمل بكد لكي تُعرّف الأطفال على هويتهم، وتساعدهم على اكتشاف ذواتهم التي يريدون أن يكونوا عليها مستقبلا.

استلمت “كاثيلين” الراية من بعد أمها، وحافظت على حالة مكتبتها الصغيرة، فأحاطتها دفئا، وجعلتها ملاذا وعالما خاصا تُروَى فيه الحكايات حية، ممتلئة بالحيوية بصوت صاحبة المكان بشحمها ولحمها، التي لا تبدو منشغلة عن القيام بمثل هذه الأمور، لأنها في نظرها تعد أساس عملها وقلبها.

أما “جو فوكس” فهو أيضا يتحرك وفقا لخطة والده، ولكنه لا يعمل بل ينفذ، أو يدير ويوسِّع ذلك الكيان التجاري الضخم الذي سيرثه فيما بعد، وأثناء تنمية إرثه المستقبلي تخطر على باله فكرة أن يشتمل على بيع الكتب، فلمَ لا؟ وعليها يقوم ببناء مبنى عملاق، يواجه به متجر “كاثيلين” الحميم، يعبئه بالكتب، ويُشّغِل فيه عددا كبير من العاملين الجهلة المفتقرين إلى الخبرة والمعلومة اللازمة، ثم يضع جل تركيزه على إغراء الزبون، وجذبه إلى ذلك السوق المُوحش عن طريق محاكاة رفاهياته المادية (كوب الكابتشينو، الأرائك والطاولات الباهظة والمريحة).

كاثيلين كيلي وجو فوكس في عشاء عمل

“بل أنا من أعمل في مجال الكتب”

في مشهد ما أثناء شجار لطيف بين “جو” و “كاثيلين”، يخبرها “جو” بأرقام مبيعات مكتبتها في السنة الواحدة، فتسأله كيف عرف تلك الأرقام، فيجيبها ببساطة “أنا أعمل في مجال الكتب”، فتلاحقه هي مؤكدة “بل أنا من أعمل في مجال الكتب”، تلك هي الحقيقة، وقد وضعتها “نورا إفرون” -مؤلفة ومخرجة الفيلم- على لسان شخصيتها ببساطة وتكثيف. نعم “كاثيلين” هي التي تعمل بمجال الكتب، بينما يتكسب “جو فوكس” منها عيشه وانتهى.

عمل “كاثيلين” بالكتب يتماشى مع كافة معتقداتها عن الحياة، ويُكمّل مفهوم شخصيتها ويؤكِّده، وإنما تجارة “فوكس” في الكتب شيء مفرغ من معناه، لا يضيف لشخصه شيئا بل يُربكه للغاية، لهذا لم تستطع “كاثيلين” أن تخمن -ولو على سبيل الخيال الجامح- أن وجود “جو فوكس” في نفس المكان الذي اتفقت أن تواعد فيه حبيبها اللطيف الذي تعرفت عليه من خلال الإنترنت، يحمل ولو نسبة 1% من احتمالية كونهما نفس الشخص.

ولهذا أيضا كان “جو” يؤكد في كل مرة على “كاثيلين” حينما كان يعتذر عن كونه السبب في إغلاق مكتبتها بعدما اجتذب زبائنها “إن الأمر ليس شخصيا”، حقا إنه ليس شخصيا بالنسبة إليه، إنها مجرد عملية تكسُّب بحتة، منفصلة عن آدميته، لا تخدمها في شيء، ولا تحكي على لسانها كلمة واحدة، وقد كان رد “كاثيلين” على تلك الجملة في مرة من المرات ردا مثاليا “لا أفهم معنى تلك الجملة، كيف يكون الأمر منفصلا، وما العيب أصلا أن يكون الأمر شخصيا؟”.

سكت “جو” حينها متفكرا دون أن يعلق، وكأنه أدرك للمرة الأولى أن عمل “كاثيلين” هو شخصها، بينما ما يقوم به ليكسب عيشه لا يمت إليه بصلة.

 

ماكدونالدز.. عندما تصبح الأحلام فريسة للجشع

صراع آخر شبيه وإن اختلف، نراه في فيلم “المؤسس” (The Founder) الذي أنتج عام 2016؛ بين “راي كروك” والأخوين “ماك” و “ديك”، أما “راي” فلم يكن يسعى طوال حياته إلا لكسب المال، أما الأخوان الطيبان فقد اجتهدا بشدة على تأسيس مطعم فريد من نوعه، مطعم لم يوقفهما طموحهما في أن ينشئاه على أكمل وجه عن هدمه وإقامته مرة تلو أخرى، حتى يصل إلى الصورة الذهنية المثالية التي أراداه عليها، مطعم كلنا نعرفه الآن بإسم “ماكدونالدز”.

من حظ هذين الأخوين العاثر أن القدر وضع “راي” بالصدفة في طريقهما، “راي” الذي فشلت كل خططه في أن يصبح مليونيرا كما كان يتمنى دوما، وما إن تعرف على مشروع “ماك” و”ديك” المذهل، لم يتوانَ عن حشر نفسه فيه، فأقنعهما بإقامة عدد من الفروع للمطعم، وبالإلحاح استطاع أن يحصل على حق إدارة هذه الفروع، وتعاقد معهما على ذلك.

بالطبع فكرة إنشاء فروع لمطعم ناجح لم تغب عن بال الأخوين منذ البداية، وقد حاولا فعل ذلك من قبل، لكنهما سُرعان ما تراجعا لأنهما قد لاحظا أن تعدد الفروع، يأخذ من قيمة جودة المنتج الذي يقدمانه للناس، فقدّما رغبتيهما في الحفاظ على كيان “ماكدونالدز” كمطعم أصيل، فوق رغبة التوسع المالي، فـ”ماكدونالدز” من البداية يمثل لهم فكرة تجيد التعبير عنهم، أكثر من كونه غاية لكسب النقود.

خطأ هذين الأخوين الوحيد، هو السماح لـ”راي” بمقاسمتهما الاحتفاء بفكرتهما تلك، لأنها بالنسبة إليه كانت مجرد غاية، فسرعان ما تفشت فروع “ماكدونالدز” في أنحاء أمريكا بغرض الربح على حساب معايير الجودة التي أقرها الأخوان، بل بلغ به الحال أن يستبدل الحليب الطبيعي في المخفوق الذي يقدمه “ماكدونالدز” بمسحوق مزيف طعمه يشبه الحليب تماما، ولم يأبَه لاعتراض الأخوين بشدة وهما يتأففان من فعلته متسائلين على سبيل السخرية “لماذا لا نضع نشارة الخشب أيضا في الهامبورغر!”.

احتدّت الخلافات فيما بعد، وتطورت أساليب “راي” في الاستيلاء تدريجيا على مشروع الأخوين، حتى وضعهما في مأزق واشترى منهما اسم وفكرة “ماكدونالدز” في النهاية لتصبح ملكه للأبد.

إنه الفرق بين أن يعمل أحدهم، وبين أن يسعى لكسب المال بأي طريقة، فلا حاجة للقول إن المطعم الريفي الصغير الذي شهد ولادة فكرة مطاعم الوجبات السريعة، كان يمثل هذين الأخوين، ويدل على موهبة امتلكاها، وأقاماها حقيقة ملموسة لها أربعة جدران، وأخذا يعملان بكد لمراقبتها تستمر وفقا لشروطها الخاصة التي تشبهها (يكفي أن تشاهد مشهد وصفهما لكيفية التوصل لفكرة الشكل النهائي الذي سيكون عليه مطعم ماكدونالدز)، أما ما فعله “راي” وبغض النظر عن أنه في الحقيقة يتلخص في عدة توصيفات سيئة السمعة، فهو قبل كل ذلك لا يجوز اعتباره “عملا” بأي حال من الأحوال.

 

آندي.. السقوط في فم الوحش

وفي فيلم “الشيطان يرتدي برادا” (The Devil Wears Prada) الذي أُنتج عام 2006 تحاول “ميراندا بريتسلي” المرأة المخيفة التي يُضفي عليها الجميع هالة العبقرية في مجال الأزياء، أن تجر قدم وساق “آندي” الفتاة البسيطة التي رغبت في الالتحاق بالعمل في مجلة “ميراندا”، لحين الحصول على عملها الصحفي المبتغى، والخاص بالكتابة.

تكابد “ميراندا” طوال أحداث الفيلم لكي تورِّط “آندي” في عالمها، والمقصود هنا بهذا العالم هو عالم “ميراندا” الشخصي، وليس عالم الأزياء كما نظن جميعا في البداية، فما إن لمحت نبوغها وقدراتها الذكية، بدأت في محاوطتها وابتلاعها في تلك الهوة السحيقة، لتسقط في فم الوحش، وحش الجشع وتحقيق الانتصارات على حساب الجميع، عبر عدة وسائل منها التماهي مع الغرور والقدرة على استخدامه في ترويض الجميع، والعمل على إخضاعهم بالخوف والترهيب.

من طبيعة “ميراندا” سحق كل ما يقف في طريق صعودها بقلب بارد، بداية من أولادها ومرورا بزوجها ونهاية بصديقها العزيز الذي ضحت بطموحه الصادق في الالتحاق بوظيفة أحلامه مقابل الحصول على صفقة جيدة من ممول المجلة، لكي تبقى على وضعها في رئاسة التحرير، وتمنع حركة التغيير التي كادت أن تطيح بها، لأن ثمة من هو أجدر من “ميراندا” بكثير في هذا المجال، كل ما في الأمر أنها تجيد إقناعك بأنها الفريدة من نوعها.

“ميراندا” تعاني، وتعلم ما تخسره من روحها جيدا في مقابل كل شيء، وما إن اشتمّت حيوية روح “آندي” حتى أرادت في دخيلتها أن تتحول إلى نسخة منها، فسَيُروّح عنها كثيرا أن ترى هذه الفتاة تسلك نهجها، وتختار التقدم فوق أعناق كل شيء، وقد اجتازت “آندي” أول مرحلة بتفوق حينما وافقت على السفر مع “ميراندا” إلى باريس، على الرغم من علمها جيدا بأنها ستحل محل زميلتها، وتسلب منها حلمها بتلك الرحلة، التي تتحدث عنها من أول لقاء جمعهما.

ولكن بما أن “آندي” فتاة ذكية فإنها تستفيق وتقرر في لحظة يقين أنها لا ترغب في أن تتحول لـ”ميراندا” أخرى، وعندما تفارق “ميراندا” بجدية وتعود إلى حياتها البسيطة السالمة تلتقي بها مصادفة، ورغم ذلك الوجه الممتعض الذي تقابلها به “ميراندا”، فإنها ما إن أدارت وجهها عنها وتأكدت أنها ما عادت تراها، ابتسمت خلسة، وكأنها تؤكد لنا من دون كلمات “لقد أردتُها شيطانة، ولكني الآن سعيدة لأنها أبت أن تكون كما أردتُ لها”، فـ”آندي” اختارت أن تعمل بحق، ولا تضيع عمرها في إثبات فكرة أنها الأفضل في العمل، وهي تعلم أنها فقط الأفضل في الحرب.

لقطة لكاثيلين كيلي وجو فوكس في إحدى الحدائق

 

الملياردير.. مشهد الإخفاق

في بداية تعارف “كاثيلين” و”جو” على أرض الواقع، نجد “جو فوكس” فظا مُستفزا غير مبالٍ يشبه كثيرا متجره الفخم البارد، فهو ما زال يدافع عنه بإمعان، ويراه مشروعا وملائمًا لخطته في الحياة، فيبدو مثله أنيقا وخاويا.

لكن بعد أن يقرر أن “كاثيلين” هي المرأة التي تحق لها مرافقة روحه (هذا القرار دهمه من دون وعي، حينما قرر أن يدلف إلى الكافيه ليلاقيها، بدلا من المغادرة كما قال لصاحبه) يبدأ رويدا في إطلاق سراح ذلك الجزء المخبوء بداخله، يتلطف حديثه حتى وإن ظل يحمل بعض المزاح الثقيل، ويبدو وهو يحاول أن يقارب ببطء وئيد بين “جو فوكس” و رجل الإنترنت، ليجعلهما رجلا واحدا، وهما اللذان كانا يحتلان نفسه، تحت زعامة “فوكس” الملياردير، ولكن يبدو أنه يميل الآن لإعادة النظر في حسابات تلك الزعامة.

ورغم إخفاقه في ذلك المشهد، فإنه يترك المكان هذه المرة صامتًا مغلوبًا في الحديث على غير عادته، مُتحملا كلمات “كاثيلين” الموجعة، وكأنه يعترف أنه يستحقها، وقد اعترف بذلك فعلا في رسالته التالية “لكاثيلين”.

لقطة من فيلم المؤسس لراي كروك وزوجته خلال تناولهما العشاء في المنزل

 

المال والسلطة.. التفاني في العبادة

على العكس تماما من “جو” كان “راي” رجل ماكدونالدز المزيف الذي نراه في حياته وهو يتمادى في أن يشبه منهجه الوقح في تكسب المال، ففي مشهد يقول فيه لـ”ماك” بشأن عدم التزامه بنصوص التعاقد بينهما “العقود مثل القلوب، وُجِدت لكي تُكسر”، ثم نجده في المشهد الذي يليه، يخبر زوجته على الطعام بكل قسوة أنه يرغب في الطلاق، ثم يكمل وجبته بعدها بمنتهى العادية.

في آخر مشاهد الفيلم نراه واقفًا أمام المرآة يتدرب على خطاب سيلقيه أمام حشد ما، باعتباره صاحب متاجر “ماكدونالدز” بالغة النجاح، فنكتشف أن كلماته ما هي إلا تلك الكلمات التي كان يستمع إليها في بداية الفيلم على أسطوانة تحمل درسًا في التنمية البشرية، فما هو إلا سارق، رجل بلا مبدأ، إنسان يعبد المال من دون أي شيء آخر، هو ذلك المسخ المقيت الذي ينعكس في المرآة، دون وجود حقيقي، دون عمل حقيقي يُحسب له في هذا العالم.

ولئن كان “راي” يعبد المال، فإن “ميراندا” تعبد السلطة، وتقدم لها أي قربان تطلبه، وستظل دوما على عهدها، فبعد ابتسامتها الخفية تلك، والتي احتفت في لحظة بهروب “آندي” آمنة من تحت يديها، تعتدل إلى سائقها وتنهره بنبرة متعالية، ونظرة الغولة المعتادة “انطلق”، فهي لن تتوقف أبدا يوما ما.

لقطة للأخوين ماك ويك خلال تواجدهما في ماكدونالدز

 

الهوية الصادقة.. قلبي دليلي

خلافا لمنهج الساعين إلى الثراء بأي ثمن، نجد كلا من “كاثيلين”، والأخوين “ماك” و”ديك”، فالأولى حتى بعد خسارة مكتبتها الصغيرة التي كانت جزءا لا يتجزأ من كيانها، ستتجه لعمل آخر يحاكي شخصيتها، ستظل كما هي، وستكتب للأطفال، ستبقى على تواصل معهم، وتستمر في استكمال رسالة والدتها التي كانت تساعدهم في التعرف على أنفسهم.

أما الأخوان، فسيبقيان محتميين بذلك المتجر الريفي المعزول، الذي يشبههما، فحتى وإن نزع منهما “راي” اسمه ودفعهما للتخلي عن لافتته، فإنه سيظل لمن يبحث عن الحقيقة، هو أول مكان ابتكر طريقة تقديم الوجبات السريعة، عاش صاحباه وماتا وهما يتمسكان بهويتهما الصادقة.

أما “آندي” التي تأرجحت في منتصف طريقها، ثم عادت مستقيمة عودة حميدة إلى نفسها، فتذكرني بشخصية من فيلم آخر مستوحى من الحقيقة، تدعى “داني كولينز”.

 

“داني كولينز”.. إعادة توجيه البوصلة

يقدِّم فيلم “داني كولينز” (Danny Collins) الذي أُنتج عام 2015 قصة مستوحاة من الحقيقة، عن المطرب “داني كولينز” الشهير الناجح، الذي -لسبب غامض- يحيا بحزن على الرغم من صيته الذائع، ويتعمد الهروب دومًا من واقعه عن طريق الكحول والهيروين.

ولكنه رغم المعاناة يبدو مستسلمًا لهذه الحياة، حتى يتغير كل شيء، حينما يكتشف أن مطربه المفضل قديما، قد أرسل له خطابًا شخصيًا بعد أول ألبوم أصدره، يدعمه فيه ويحذره من أن يحيد عن أسلوبه الغنائي البديع، وينحاز إلى الشهرة ملبيًا طلب ذوق السوق.

ما إن يقرأ “داني” الخطاب، حتى يقرر أن يقلب حياته رأسا على عقب، يعود إلى عمله الحقيقي، ويبدأ في تأليف أغنياته التي تعبر عنه من جديد، وبالتالي يستعيد ملامح شخصية حياته التي كان يجب أن يعيشها منذ زمن، فيذهب إلى ابنه الذي لم يكلف خاطره أن يراه يوما بعدما أنجبه بالخطأ في إحدى السهرات، ويحاول أن يستعيده ويبني علاقة قوية مع حفيدته، فأن تعمل بحق فهذا يعني أنك ستعيش حياتك أنت، لا الحياة التي يفرضها غيرك عليك.

وعلى الرغم من أن خطة “كولينز” لم تنجح بالسهولة التي كان يتخيلها، لأن ثمة أمورا سيكتشفها في حياة ابنه ستجبره ليعود إلى كسب عيشه بطريقته المعتادة، وكأنه عقاب القدر على التأخر كل هذه السنوات في اتخاذ المسار الصحيح، لكنه بمجرد أن آمن أنه لا بد أن يعود، فسيعود وسيتجرأ يومًا ما على عزف أغنيته الجديدة التي ألفها مؤخرا أمام الجمهور في الوقت المناسب، وقد وشت لنا نهاية الفيلم بذلك على استحياء.

ولكن “آندي” لن تعاني مثل “كولينز”، لأنها قررت سريعا، وحسمت أمرها مبكرا، وستصبح تلك الكاتبة التي تتسق مع ما تعمله قريبا، وهي تحظى بالسلام التام، ومن دون الحروب والهرولة التي كانت تزاولها كل يوم وهي تحت يد “ميراندا”.

 

سلطان الأرق.. صراع من نوع آخر

فتحي نوفل في فيلم “طيور الظلام” (1995)، وعلى الرغم من نجاح رحلة صعوده الفاسدة، فإنه لم يتخلص من أرقه، وخصوصا في مواجهته الدائمة لصديقه المناقض له، والمتمسك بمبدئه في العمل بشرف، ولكي يهزم أرقه كان يمد له يد العون، لأن مساعدة ذلك الصديق في التشبث بما يؤمن، ستخفف من تأزم “نوفل” وصراعه الداخلي.

شكل مغاير تماما من أشكال الأرق نراه في شخصية “جوردن بلفورت” التي قدم مسيرتها فيلم “ذئب وول ستريت” (The Wolf of Wall Street) الذي أُنتج عام 2013، وهو ما دفع “جوردن” إلى أن يحاول رشوة الضابط الذي عرف أنه مكلف بمراقبته وتَحَيّن الفرصة للانقضاض على حياته المالية المشبوهة، وقد فعل “جوردان” ذلك بدافع الخوف أولا بالتأكيد، ولكنه في بُعد أعمق أراد أن يثبت لنفسه أن ذلك الرجل الشريف، مجرد فقير يعاني، وسرعان ما سينهار أمام قوة المال، أراد أن يجد بعض الراحة في إثبات أن الجميع فقط ينتظرون فرصة ليسلكوا نفس طريقه.

في الجانب الآخر، لا تنجو تلك الشخصيات التي تعمل بما تؤمن من الأرق أيضا، فهي دوما مهددة ماليا، ومعرضة إلى نظرة دونية من الجميع تتهمهم بالفشل، وهنا لا يمكننا أن ننسى المشهد الذي يظهر فيه الضابط وقد نجح في الإيقاع بـ”جوردن” كما تمنى، إلا أنه يبدو بائسا محزونا وهو في طريق عودته إلى بيته، تماما كما وصفه “جوردن” في مشهد لقائهما الوحيد، وهذا قد يجعلنا نضع احتمالا بأن أحد أسباب ملاحقة ذلك الضابط لـ”جوردن”، هو البحث عن عدالة شخصية ترتاح لها نفسه أولا قبل أن ينتفع بها القانون والناس.

لقطة من فيلم “الشيطان يرتدي البرادا 2” لآندي وميراندا في حالة ذهول

 

مكافأتك بين جنبيك.. مقاربة أخرى للفوز والخسارة

أن تنتظر مكافأة ملموسة في مقابل بذل نفسك النقية في عملك، تلك هي الخطيئة التي قد يقع فيها الكثيرون، فليس ثمة مكافأة لاتساق ذاتك مع إنتاجك أكبر من إنقاذك لروحك، فـ”كاثيلين” لن تكون يومًا أغنى من “جو فوكس”، وربما سيتناسى معظم الناس مكتبتها الصغيرة التي تقع على الناصية، فاتحة أبوابها بنبل وعلم على مدار 40 عام.

أخوا ماكدونالدز لم ينتفعا هما ولا ورثتهما بالأموال التي يدرُّها المطعم إلى اليوم، وربما لن يعلم أحد أنهما أصحاب براءة اختراع هذا الكيان العملاق.

لن تغلب “آندي” شهرة “ميراندا” أبدا، وسيظل “كولينز” حتى وإن نجح في تغيير لونه الغنائي تماما في السنوات الباقية من عمره، معروفا لدى الشريحة الأكبر من الجمهور بأغانيه السابقة التي لم يحبها أبدا من داخله، وربما يخسر كل أمواله في تلك الطفرة التي سيجلبها لحياته برضا وسماحة.

هؤلاء الأشخاص جميعا وغيرهم قد لا يذوقون طعم النجاح الشعبي والمادي، لكنهم سيظلون الأكثر علما بمعنى سعادة أن تحيا بعمل منك، وأن يحيا بك عملك، لآخر لحظة من عمرك.